التكلفة الغارقة والمُغْرِقة Sunk Cost
2021.04.04
د. عماد فوزي شعيبي
تخيل أن تشتري قطعة من البيتزا من محل فاخر ب 10 دولار بينما سعرها في محلٍّ عادي 1 دولار، وتكتشف أنها حارة (فيها شطة) وطعمها غير جيد، ومع ذلك تستمر في أكلها رغم أن الأكل الحار يؤذيك، ورغم أنك لا تستسيغ طعمها، وكل هذا لأنك تكلفت عليها تكلفة عالية أغرقتك بالشعور بأنك دفعت الغالي، وتستمر بإغراقك بالألم الناجم عن الحرّ والذي قد يدخلك المشفى فتتعطل عن عملك وتخسر 100 دولار وستخسر في المشفى 110 دولار.. فخسارتك المُغرقة ستكون 10+100+110=220 بينما كانت خسارته لو لم تغرقه الكلفة العالية ولم يتابعها فقط 10 دولار، لكنه لأنه أغرقته الكلفة العالية استمر في تكبّد التكاليف العالية اللاحقة فتضاعفت خسائره.
نفس الأمر يكون عندما ننشيء مشروعاً بكلفة كبيرة ونجد أنه خاسر، ونتابع به فتتضاعف الخسارة بسبب عناد شعورنا أننا تكلفنا كثيراً كما حدث مع بريطانيا وفرنسا اللتين اشتركتا في مشروع طائرة أسرع من الصوت هي الكونكورد منذ عام 1956 وكلف حتى عام 1963 1.5 مليار جنية استرليني ليكتشفا أن الطائرة غير اقتصادية، ولكن عناد التكلفة المُغرقة دفعتهما للاستمرار فزادت التكليف إلى أن انتهى المشروع كلياًبخسارات متراكمة.
من أمثلتها أيضاً تمسكك بعمل أمضيت فيه سنين طوال، رغم أن لا مستقبل لك فيه.
هذا النوع من المغالطات نمارسه يوميّاً في حياتنا بمشاريعنا الحياتية، كأن نستمر بزواج غير مريح بل ومؤذٍ لأننا تكلفنا عليه الكثير من النفقات بالعرس والتقدمات، أو لأننا أنفقنا عليه من شعورنا الكثير، فنستمر به رغم خساراته المعنوية والإنسانية الكبيرة، وهذا ينطبق بدوره على العلاقات الفاشلة والمتعبة.
في العمل العسكري قواعد للخروج من المغالطة بالتكلفة المُغرقة، كأن يُقاتل جيش دفاعاًعن موقع تكلف عليه الكثير رغم أن ميزان القوى يشي بالهزيمة وتكبد الخسائر الأكبر لاحقاً، فتم ابتكار قاعدة أن الدفاع عن مكان بميزان قوى متدهور لصالح العدو مكلف أكثر بكثير من الانسحاب منه ومعاودة استعادته عندما تتبدل موازين القوى. ولهذا مثلاً نصح قائد الجيش الروسي (الماريشال كوتوزوف) إبان هجوم قوات نابليون بالانسحاب من موسكو وحرقها لأن مقاتلته كان ستُكلِف دمار الجيش الروسي، فحافظ عليه بالخروج من موسكو، ولما جاء الثلج الذي لايطيقه الفرنسيون كرّ عليهم الجيش الروسي وهزمهم.
والعبرة هنا أن التكلفة الغالية مالياً ومعنوياً عليك لايجب أن تجعلك تخسر الأضعاف بعناد الاستمرار فيها.
اخترنا لك من صفحة الدكتور عماد فوزي شعيبي
