ماذا لو كان ما تعتقده أمانك هو أكبر وهم في حياتك؟
زينة نبيل حسن- خاص فينكس:
"على الرَّغم من محاولاته المتكررة للنيل من كرامتي ووجودي، وعلى الرَّغم من استهتاره الواضح باهتماماتي وطموحاتي؛ تبقى فكرة الاستغناء عنه فكرة غير واردة نهائياً، فهو زوجي ومصدر أماني"، "نعم، المنصب الذي أشغله لا يشبهني ولا يتقاطع مع شغفي وأحلامي، ويحرمني من السعادة وراحة البال، ويحد من طاقتي وإمكانياتي؛ ولكنَّني غير قادر على اتخاذ قرار التخلي عنه فهو ببساطة مصدر أماني"، "هل تقترحين عليَّ بيع منزلي مقابل الحصول على رأس مال يُمكِّنني من بناء مشروعي الخاص الذي يحقق شغفي. كيف تطلبين إليّ بيع كل ما أملكه ومصدر أماني الوحيد مقابل السعي وراء المجهول؟"، "على الرغم من البعد الفكري والعلمي والقيمي بيني وبينه، إلَّا أنَّني لا أسمح لك بالحديث السلبي عنه، فهو الإنسان الذي أحبه وهو مصدر أماني وقوتي". "لقد سامحت ابني على كل الأفعال السيئة التي فعلها بحقي، وعلى مظاهر عدم الاحترام التي قام علانية وأمام الجميع، فأنا لا أستطيع معاقبته البتة فهو مصدر أماني وسعادتي"، "على الرغم من الدخل المتواضع جداً الذي تحقٌّقه لي هذه الوظيفة، وبالرغم من هدر الطاقة والوقت الذي تسببه لي؛ إلَّا أنّني لا أتجرَّأ على اتخاذ قرار الاستقالة؛ فهي مصدر أماني وسندي؟"، "على الرغم من الأضرار الكبيرة التي أصابتني من جراء عمليات التجميل؛ إلَّا أنَّني لا أستطيع التوقف عنها، فهي مصدر أماني وراحتي النفسية"، "على الرغم من انتشار الفقر في كل المحيط القريب مني، إلَّا أنَّني لا أستطيع التخلي عن جزء من أموالي المخزنة في البنوك؛ فهي مصدر أماني وقوتي".
لطالما نسمع هذه العبارات وغيرها الكثير من الجمل التي تعكس ثقافة مجتمعية عاشقة للأمان الوهمي، وقاصرة ومشوَّهة وبعيدة كل البعد عن مفهوم الأمان الحقيقي.
الأمان الوهمي والأمان الحقيقي؛ هو موضوع هذا المقال.
أولاً: ما هو الأمان الذي يعيشه أغلب الناس؟
يعد الأمان من أهم الاحتياجات النفسية التي يسعى كل الناس للوصول إليه، فهو يعطي حالة من السلام والاستقرار على عكس المشاعر التي تعطيها حالات التهور والعنف والطيش. ولكن يشوب مفهوم الأمان في مجتمعنا الكثير من الغشاوة؛ حيث يعيش أغلب الناس في دائرة من الأمان الوهمي دون أن يعملوا ذلك، فَتُسلِّم عقولهم للكثير من المعتقدات الهشة والضعيفة والموروثة؛ مثل: "الشهادة الجامعية أمان"، "الوظيفة الثابتة أمان"، "الزواج أمان"، "الولد أمان"، "المنصب أمان"، "الشكل الخارجي أمان"، "العقار أمان"، "الثروة أمان"، صانعين منها أصناماً ثابتة مخصصة للعبادة ولا يجوز المساس بها، مطلقين عليها "مصدر السعادة"، مانحين إيَّاها القوة الخارقة على تحويل حياتهم من "التعاسة" إلى "السعادة"، موكلين إليها مهمة تلوين حياتهم وإضافة المعنى إليها، بحيث لا يعترفون بمعنى الحياة وغايتها إلَّا من خلال وجود تلك الأصنام ونشرها البركة في حياتهم.
ثانياً: ما هي مخاطر عبادة أصنام الأمان الوهمي؟
1. التوتر والقلق وعدم التوازن:
عندما تُعلِّق كامل أمانك على شخص أو شيء ما، فأنت تضع نفسك في حالة من التوتر والقلق الدائمين، بحيث تُحبَط تماماً في حال غياب ذلك الشيء أو الشخص عن حياتك، كأن تشعر أنَّ وجودك لا قيمة له إن لم يتوفر ذلك الأمر في حياتك. على سبيل المثال: مَن تتبنَّى الزواج كمصدر أمان في حياتها؛ معرَّضة بنسبة مؤكدة إلى اختبار مشاعر الحزن والكآبة والفتور في حال عدم حصولها على الزواج.
2. التنازل والبعد عن الذات الحقيقية:
تتحول إلى مجرد إنسان منزوع الإرادة وخادم في كل مرة تسلِّم فيها دفة قيادة حياتك إلى عنصر خارجي (شيء أو شخص)، حيث تكون على استعداد للتخلي عن قيمك أو اهتماماتك أو شيء من ذاتك في سبيل إرضاء الطرف الآخر. كما تكون على استعداد للمساومة بسعادتك ومعاييرك الهامة والمخاطرة في اتخاذ قرار خاطئ تماماً (على الرغم من معرفتك بعواقب الخطأ) لمجرد تحقيق وهم الأمان الذي تتبنَّاه، فلا تمانع تلك الفتاة الزواج من شخص بعيد كل البعد عن شخصيتها وتوجهاتها طمعاً في عيش المعتقد الذي تعبده وهو "الزواج أمان"، ولا يمانع ذلك الإنسان البقاء في ذلك المنصب الروتيني الذي يستنزف كامل طاقته وحيوته ويقتل مهاراته وإبداعاته؛ في سبيل اختبار وهم الأمان المزروع في دماغه على أنَّ "المنصب أمان".
3. ضياع الفرص والتقوقع والمحدودية:
تضرب بقيمة السعي في كل مرة تتوقف فيها عن العمل والأخذ بالأسباب ريثما يتجلَّى أمامك الصنم الذي تريده. فذلك الشاب الذي يعبد صنم "المال أمان" يتوقف عن عيش سعادته وأيامه وشغفه، إلى حين تحوله إلى إنسان من ذوي الثروات، فيقنع نفسه أنَّه عاجز عن الإتيان بأية خطوة في وضعه الحالي لعدم توفر السيولة المادية بين يديه. إنَّه بذلك المعتقد يبعد عنه كل الفرص التي تساعده للوصول إلى الغنى، لأنَّ حالته الشعورية والنفسية والعقلية لا تسمح بتدفق الأفكار والخطط الإبداعية إليه.
من جهة أخرى، يجعلك الأمان الوهمي بعيداً عن الاحتمالات اللامتناهية للرزق والانفراج في حياتك، فتتحول إلى إنسان محدود الرؤية، وضعيف الحيلة، كما تنعدم المرونة في شخصيتك؛ فتصبح متشبثاً في أفكارك وعنيداً في حوارك. فلن تستطع تلك المرأة العاقر والتي تعبد صنم "طفلي أماني" رؤية الاحتمالات الأخرى التي تجعلها قادرة على تعويض إحساس الأمومة المُفتقَد لديها، وذلك لأنَّها متشبِّثة في فكرة واحدة وهي أنَّ عليها الحمل والولادة وإلَّا فلن تتمكن من اختبار شعور الأمومة في حياتها وستبقى حزينة دوماً. في حين أنَّ بإمكانها الوصول إلى شعور الأمومة من خلال أبواب مختلفة؛ كأن تكفل يتيماً، أو تتطوَّع في جمعية خيرية تُعنى بالأطفال المشردين، أو تُنشِئ مركزاً خاصاً بتعليم الأطفال الذين يعانون من صعوبات في التعلم.
4. البعد عن الغاية الأساسية للحياة:
عندما تعبد أصنام الأمان الوهمي فأنت تبتعد كلياً عن الغاية الأساسية للوجود، وهي السعي إلى إعمار ذاتك وصولاً إلى النسخة الأفضل منك والقادرة على تحقيق بصمة حقيقية وتغيير فعلي في الحياة، وذلك لأنَّك تُوجِّه كامل تركيزك إلى الخارج بدلاً من توجيهه إلى تطوير ذاتك وصقلها لمواجهة صعوبات الحياة وتحدياتها بهدف الوصول إلى رسالتك المنشودة. من جهة أخرى، تتحول بفعل عبوديتك لأصنام الأمان الوهمي إلى إنسان عاشق للأخذ وكاره للعطاء، فتلهث وراء الماديات والشكليات متعلقاً بها تعلقاً مرضياً، متناسياً أنَّك خُلِقت من أجل العطاء أولاً ومن ثمَّ الأخذ، ومتجاهلاً فكرة أنَّ كل ما تبحث عنه في الخارج موجود في داخلك ولكنَّك فشلت في إدراك ذلك لبعدك عن ذاتك الحقيقية.
5. التقييد وكسر الحرية:
لقد خُلِقتَ حراً، إلَّا أنَّ إدمانك على الأمان الوهمي يضرب قيمة الحرية لديك، فتشعر أنَّك مجرد تابع وأسير معتقدات معينة مغلوطة تهيمن على حياتك ولا يمكنك التخلص منها. فكيف لكِ أن تكوني حرة ومتصالحة مع نفسك بحيث تواجهين العلن بوجهك الخالي من مساحيق التجميل ومن أية عملية تجميل؛ إن كنتِ تعبدين صنم "الشكل الخارجي هو أماني".
ثالثاً: ما هو الأمان الحقيقي إذاً؟
يعد هذا السؤال في الحقيقة سؤالاً عميقاً للغاية، فإن لم يكن الزواج ولا الولد ولا المنزل أو العقار ولا المال ولا الشهادة العلمية؛ أماناً. فما هو الأمان إذاً؟
الأمان الحقيقي هو ثقتك بالله وبرحمته وبحمايته لك ولحلمك، هو وعيك الآخذ بالتطور في كل لحظة من لحظات حياتك، هو كل فعل يُقرِّبك من حقيقتِك الخالصة دون تصنع أو نفاق، هو رسالتك المستقاة من شغفك والتي اخترت الدفاع من أجلها والموت في سبيل تطبيقها، هو استثمارك الفعلي في ذاتك ومهاراتك وقدراتك، هو ثقتك التامة بأنَّ منبع كل الحلول الجذرية لتحديات حياتك هو أنت و إرادتك وإصرارك ومعتقداتك الفعالة، هو امتلائك الداخلي وقدرتك على العطاء والتفهم والرقي، هو الاستحقاق العالي الذي تضعه لذاتك بحيث لا ترضى بأقل منه.
يضعك الأمان الحقيقي أمام نظرة مختلفة للحياة بأسرها، فتصل إلى السعادة الحقيقية والرضا، وتتخلص من التعلق المرضي بالأشياء والأشخاص، لأنَّك تعلم أنَّك المتحكم في حياتك بعد الله عز وجل، وتدرك أنَّك القوي والممتلئ والمُعطِي. ستتأكَّد أنَّ أمانك الفعلي هو وعيك المتجدد وقيمك الهادفة وأفكارك الإبداعية وأنَّ أصنام الأمان الوهمي (زواج، مال، أولاد، شهرة، مناصب) ما هي إلَّا نتائج حتمية تصل إليها خلال رحلة بحثك عن ذاتك الحقيقية وخلال طريق سعيك لتحقيق رسالتك.
رابعاً: كيف أنتقل من الأمان الوهمي إلى الأمان الحقيقي؟
1. الوعي:
يأتي الأمان الوهمي من مشاعر الخوف المزروعة داخل الإنسان، بحيث يتبنَّى فكرة أنَّه "غير كافٍ"، وأنَّ عليه الاعتماد على غيره من أشخاص وأشياء لكي يصبح إنساناً كافياً ولديه قيمة.
وهنا على الإنسان إعادة تقييم نظرته إلى نفسه، بحيث يربط قيمته مع الله عز وجل، أي مع مصدر الأمان المطلق في الكون، وليس مع الأشياء الخارجية المتغيرة. اجلس مع ذاتك بجلسة مصارحة، واتصل مع مصدر الأمان المطلق، واعلم أنَّك بخير معه، وأنَّك بأمان تام بحمايته وأنَّ كل ما يحصل في الحياة يحدث بإذنه، وأنَّه الأكبر وصاحب المشيئة والقرار المطلق. قم بتسليم كل مخاوفك الموروثة له، واستشعر الراحة النفسية لقوة التسليم تلك. استعد لمعارضة نظام خوفك لهذا الأتصال ولكن لا تستسلم بل عاود الكرة إلى أن ينجح الاتصال، وتشعر بالأمان فعلاً.
2. تعزيز الثقة بالنفس:
عليك استعادة ثقتك بنفسك؛ من خلال رسم أهداف صغيرة مبدئياً والعمل على إنجازها، كإنهاء كتاب في ثلاثة أيام، أو ممارسة الرياضة ثلاث مرات في الأسبوع، كما عليك الاهتمام بنظامك الغذائي وتدليل نفسك وإكرامها، والاستمتاع بكل هدف صغير تصل إليه. ومن ثمَّ عليك استرجاع الحيوية والطاقة إلى حياتك، من خلال تحديد رسالتك في الحياة، ووضع الأهداف المنبثقة عنها، ممَّا يتطلب منك تحديد المهارات التي عليك صقلها والعمل عليها، الأمر الذي يزيد من ثقتك بنفسك ويُشعِرك بوضوح المسار وجماله. على سبيل المثال قد تكون رسالتك في الحياة هي التأثير في الناس للوصول إلى التوازن النفسي، ولنفترض أنَّك قد حددت هدفاً أولياً لتحقيق الرسالة وهو كتابة خمسة عشر مقال شهرياً في مجال الصحة النفسية. ولتحقيق هذا الهدف عليك تنمية مهاراتك في الكتابة وتنمية ذخيرتك الفكرية بالقراءة.
3. اصنع الشك وابنِ المنطق:
تسمح لك حالة الهدوء التي استشعرتها في الخطوتين الأولى والثانية في تبنِّي منهجية تفكير مختلفة وأكثر منطقية مما سبق. فتبدئين مثلاً في التفكير العقلاني والواعي عن جدوى استمرارك في علاقة عاطفية لا تقدم لك شيئاً إلَّا التوتر والضغط النفسي والتعب، وتستهجنين فكرة أنَّك مستمرة في العلاقة من أجل المال فقط، وتجدين أنَّك تستحقين أكثر من ذلك بكثير. تستحقين الحب والدفء والاهتمام والثقة واللهفة والإخلاص. وتبدئين في الوعي عن القيم التي تنازلتي عنها مقابل تغذية صنم الأمان الوهمي التي كنت مؤمنة به (الزواج أمان)، متناسية معاييرك وقيمك وأحلامك. فتلاحظين غياب قيمة الثقة والحرية وطغيان قيمة الشك والغيرة المرضية في شريك حياتك، ممَّا يضعك أمام صحوة حقيقية وبعد أعمق ونظرة أوضح عن حياتك ومستقبلك.
4. الفعل وتَقبُّل عدم الراحة
عليك الآن أن تدخل حيز الفعل، وأن تنتفض على دائرة الأمان الوهمي التي كنت عالقاً فيها، وتستعد لمشاعر عدم الراحة المتوقعة في المرحلة الأولية من رحلة الانتقال إلى الأمان الحقيقي. عليك أن تتحلَّى بالجرأة في هذه المرحلة؛ كأن تتخذ قرار الاستقالة من وظيفة لا تتقاطع مع شغفك ولا تضيف شيئاً إلى مهاراتك، أو أن تتخذ قرار الانفصال عن حبيب لا يتماهى مع قيمك وتطلعاتك إلى الحياة، وتقرر التركيز في ذاتك وتطويرها واختيار الشريك الذي يليق بداخلك وعمقك، أو أن تقرري تجاهل نظرة المجتمع، والبحث عن طفل يتيم لكفالته وتعويض شعور الأمومة المفقود. أي في هذه المرحلة عليك بالسعي والأخذ بالأسباب المتاحة أمامك وذلك في كل مناحي حياتك.
5. الحياد
ابق هادئاً وآمناً مهما حصل في حياتك. فأنت تقوم بما عليك القيام به، وتحافظ على ثقتك بالله وعلى حقيقتك وقيمك وتطورك. تذكر أنَّ النتيجة لا تهم، بل ما يهم هو الطريق الذي يوصلك إليها. فقد تموت قبل وصولك إلى النتيجة، ولكن الطريق يحمل ممارساتك اليومية وصراعاتك الداخلية وحروبك مع الموروثات وعاداتك الناجحة وأهدافك المرحلية وقيمك المتطورة ووعيك المتجدد واستثمارك الفعال ونزعتك إلى التميز وأفراحك وآلامك.
الخلاصة:
الأمان احتياج نفسي تستطيع أن تملأه بيديك، بدلاً من حالة الانتظار القاتل والتعويل الغبي على الآخرين لكي يعطفوا عليك ويملؤونه بدلاً عنك. كن شجاعاً وقوياً وغنياً من الداخل واختار أنت تكون السيد لا التابع.
