كيف تتشكل المواقف عند البشر؟
2021.11.04
ميساء علي دكدوك- فينكس:
المواقف شأنها، شأن جميع صفات البشر تتشكل بتأثيرات مختلفة تعمل بشكل متزامن وهي تنمو بطرائق معقدة حتى أنه يكاد يكون من المستحيل أن نتتبع جميع أصول الموقف المعين. مثلا التعصبات العدائية، إن مثل هذه التعصبات تقوم على الإشاعات والأوهام ولاتستند إلى محاكمة عادلة وصحيحة.
فإذا كان طفل يسمع في بيته المرة تلو المرة تعبيرات وكلاما مضادا لعرق أو دين أو حزب أو قومية، فإن هذا الطفل سيشب على كراهية هذا العرق أو الدين أو... أو سواهم، ومعلوم أن للآباء مكانة كبيرة في عيون أولادهم الصغار الذين لا يكون لهم من القوى العقلية مايسمح لهم من التأكد من صحة أقوال والديهم أو عدمها، ولذلك فإنهم ودون أن تكون لهم أية خبرة بالمنتمين إلى العرق أو الدين أو القومية يشبون على كراهيتهم، على أن بعض الأطفال وبسبب من كراهيتهم لوالديهم، لايتبنون مواقفهم، كما أن بعض المواقف تنجم فجأة ولأسباب عديدة عند الراشد.
وإذا كانت لشخص خبرة مناسبة بأمر ما، فإنه ينمي موقفا طيبا من هذا الأمر أو من الوضع الذي حصلت له فيه الخبرة وعلى العكس إذا كانت له خبرة سيئة فإن موقفه من الوضع أو الأمر يكون موقفا سيئا. والخلاصة فإن الخبرة كثيرا ماتشكل المواقف.
ثم إن مواقف الإنسان تتأثر إلى حد كبير بموقعه بالنسبة للآخرين، وذلك بالنسبة لحاله الجسدي والعقلي والإجتماعي. وهذا التأثير موجود دوما، لأن الإنسان بمقارنة كفاياته وحاله بكفايات الآخرين وأحوالهم يجد أنه أقل من بعض الناس أو مساو لهم أو أفضل منهم. ونحن حين نقوم بهذه المقارنة نرضى عن حالنا إذا كان خيرا من حال سوانا ونشعر بالإحباط إذا كان حالنا أدنى من حال سوانا ونتخذ موقفا عدائيا إزاء الأسباب التي سببت حالنا الدنيء، وفي كل الأحوال فإن مشاعر الحسد والمعارضة إزاء من هم أحسن منا أمورا مألوفة. إننا نميل إلى كراهية من هم أعلى منا وذلك لأنهم يشعروننا بحطتنا ومن جهة أخرى فإننا نميل إلى عدم الإختلاط بمن هم أدنى منا لكيلا يجروننا إلى أسفل.
وفي العلاقات بين الأفراد من مختلف العروق والقوميات، فإن مسألة التفوق والحطة تلعب دورها في المواقف التي يتخذها هؤلاء الأفراد، ففي حالة تنكر الزنوج للتفريق العنصري، يرضى عنه أغلب البيض، ولو أبطل التمييز العنصري لارتفع بعض الزنوج فوق بعض البيض ولهبط بعض البيض دون بعض الزنوج، وهذا أمر يدفع البيض إلى محاولة الإبقاء على الزنوج حيث هم، كما يدفع الزنوج إلى محاربة هذا التمييز والثورة ضده.
المسؤول عن التمييز العنصري هم البيض وحدهم، لكن التعصب بصورة عامة يسود كذلك الأشخاص المحبطين والذين يشعرون أن مقامهم دون مقام الآخرين، فالفقير يتعصب ضد الغني والمحكوم ضد الحاكم وكل إنسان ميال إلى التعصب ضد من يفوقه، وهذا موجود حتى إن وجدت العدالة، فكيف إن لم تكن!؟
يقول شاعر:
ونصف الناس أعداء لمن:
ولي الأحكام، هذا إن عدل.
إن المغلوب يحاول عن طريق النقد والتجريح أن يعلي من شأنه، وكثيرا مايتخذ من تعصبه سلما يرقى عليه، لاسيما إذا كان غير واثق من نفسه ومن قدراته على الصعود بقدراته وكفاياته ومن خلال التنافس الشريف.
ولا شك أن للعنصر الشخصي دخلا في مواقفنا وهكذا فإن الإنسان ميال لأن يتخذ موقفا جيدا ازاء مايملك ومايفعل. إن أولاده وممتلكاته ومعارفه وأصدقاءه ودينه وعرقه وبلده تستثير فيه مواقف إيجابية. أما مايخص جاره بالرغم من انه قد لايكون أدنى مما يخصه فأقل قيمة أو هو على الأقل لايهتم به. وهكذا فإن الإنسان قد يعتبر بيته خير البيوت وسيارته خير السيارات وجامعته خير الجامعات ،ثم إن المعلمين يتعصبون للمعلمين والأطباء للأطباء و....
ولابد من القول أنه كلما كان الأمر أوثق صلة بنا كنا على استعداد للتعصب أكثر فأكثر. فالطالب المجد المجتهد أو الرياضي الناجح أو الاجتماعي المتميز يكون أكثر إخلاصا لمدرسته من الطالب الفاشل.
ويجب أن لايغيب عن بالنا الوجوه السلبية لهذه الظاهرة، إن الغريب لايوثق به ولايحب مثل القريب ومن المألوف في المدن الكبرى تشكل الجماعات الخاصة مجتمعات خاصة بها.
