الحب غير الحقيقي هام أحياناً!
زينة نبيل حسن- خاص فينكس:
كم عدد المرات التي ندمت فيها على صب مشاعرك وطاقتك وشغفك في علاقات لم تتوَّج بالنجاح؟ وكم عدد المرات التي ندبت فيها حظك العاثر معتبراً الحياة غير منصفة بتاتاً معك وأنَّها لا تُسخِّر لك إلَّا الأشخاص غير المناسبين؟ كم عدد المرات التي تبنّيتَ فيها صوراً ذهنية لشكل العلاقة التي ترغب بها رافضاً الاعتراف بمدى جدوى أي علاقة من شكل آخر؟ كم من الأيام قولبت نفسك بكلمات مثل "شريك مناسب" "شريك غير مناسب" مانعاً ذاتك من التطور والوعي؟
إن كنت في علاقة مع شريك غير مناسب، فهذا أمر جيد، كيف ذلك؟
أعلم أنَّه لأمر قاسٍ اختبار علاقة عاطفية مع شخص تراه غير مناسب وفقاً لمنظورك الشخصي، وأعلم أنَّك تختبر العديد من التفاصيل المؤلمة، فبينما قلبك يعبر عن فرحه بهذا الحب الجديد الذي يطرق بابه بقوة، يميل عقلك إلى التردد والتحفظ، آخذاً مسافة أمان كبيرة، ليشكل مع قلبك صراعاً من الصعب الوصول إلى تسويته. وفي نفس الوقت الذي يميل فيه كل أصدقائك إلى التصريح عن علاقاتهم العاطفية، متفاخرين فيها على منصات التواصل الاجتماعي، تتخذ أنت طريقة تعبير كتومة وغامضة، فلا تميل إلى الاعتراف لأحد عن هذه العلاقة التي تشغل قلبك وروحك ولكنها تُتعِب عقلك. ومن المفترض أنَّ شعورك بالأمان والسلام برفقة هذا الإنسان، أمر محتوم ومؤكد، إلَّا أنَّك تعيش وسط مشاعر متناقضة، فتارة تسكن روحك إليه، وتارة ترفضه رفضاً قاطعاً، معلناً حملة اتهامات قاسية لتجريحه والنيل منه، فتنتقد أسلوبه في الحياة، طريقته في التعبير، ومستوى ثقافته ووعيه. ولأنَّه لا يتوافق مع الصورة الذهنية المرسومة في دماغك عن الشريك المناسب؛ فتميل إلى التحكم والسيطرة فيه، لكي يتقاطع مع التوقعات التي تتبناها في داخلك.
وفجأة تهزك كلمة يوجَّهها لك بمنتهى الحزم: "أنت لا تحبني، أنت تحب نفسك فقط"، "أنت لا تستطيع تقبلي كما أنا"، لتضعك هذه الجملة أمام سؤال كبير جداً: "ما هو الحب الحقيقي؟"، وهل سعيِّ اللاهث لتغيير ذلك الإنسان، لم يكن بدافع حبه والخوف على مصلحته، بل بدافع حب نفسي والرغبة في تحقيق الصورة الذهنية التي أريدها؟
وتكتشف فجأة أنَّها كانت العلاقة الأهم في حياتك، بالرغم من كل التناقضات والصراعات التي عانيت منها، إلَّا أنَّ كل دمعة ذرفتها كانت بمثابة تطهير روحي وتجربة رائعة للارتقاء بالوعي.
وتقول "لعلَّ الحب غير الحقيقي هام جداً لكي يوصلنا إلى الحب الحقيقي"، وكيف لي أن أطالب الكون باختبار الحب الحقيقي إن لم أكن أستطيع تقديمه ولا أعلم تفاصيله".
تتذكر تلك النار المشتعلة التي كانت تتقد في داخلك في كل مرة ينعتك بها شريكك بصفة الأنانية، وتتذكر سخطك وغضبك عليه وموقفك الحاد معه. والآن، تقول "لماذا كنتُ أثور إلى هذا الحد؟" "هل كان غلياني وسيلة لإخفاء حقيقة لا أود الاعتراف بها حتى لنفسي؟"، وتبدأ هنا رحلتك في اكتشاف نقاط ضعفك وذاتك، وتتضح الأمور أمام عينيك فجأة وتعترف بالجزء الأناني الذي يسكنك.
ومن ثمَّ تتذكر رغبتك المستمرة بتغيير أسلوب حياته، وانتقاداتك الجارحة له، وأسلوبك المتعالي معه، وتسأل نفسك "ماذا لو كان مصدر تلك التصرفات هو وجود رغبة شديدة في التحكم والسيطرة وفرض الشخصية؟"، "ماذا لو كنت أدَّعي الخوف عليه والرغبة في تطويره ولكن في باطن الأمر نوايا قوية في السيطرة والتسلط؟"
تتذكر استمرارك معه بالرغم من عدم إعلانك علاقتكما وعدم قناعتك فيها، وتسأل نفسك: "هل يكون ذلك طمعاً في المحافظة على المشاعر والاهتمام الذي يقدمه لك؟" وإن كان الجواب على السؤال السابق "نعم"، تعود لتسأل ذاتك من جديد: "إذاً لم أستمر معه إلِّا حباً في ذاتي ورغبة في الاهتمام بها؟".
تتذكر اتهامك المستمر له بالتقصير محملاً إياها نجاح العلاقة أو فشلها، وتسأل نفسك: "ماذا لو كان خلف هذا الاتهام إرضاءً لغرورك وسعياً إلى التملص من أية مسؤولية تجاه العلاقة؟" "ماذا لو كنت تلعب دور الآخذ فقط في تلك العلاقة وتنسى دور المُعطِي؟
وفجأة، ولأول مرة، تمتن لوجود ذلك الشخص في حياتك، وتبدأ في الاعتراف بكل سلبياتك، وتتصالح مع غرورك وأنانيّتك وميلك إلى التحكم والسيطرة.
لكي تكتشف أنَّ "الحب هو القبول" كان عليك المرور بتلك العلاقة القاسية، ومَن قال أنَّ الوقوع في حب شخص غير مناسب مضيعة للوقت، ومن قال أنَّه لا فائدة من حب إنسان غير مناسب.
أنت اليوم وبفضل تلك العلاقة التي كننت تصنفها على أنَّها "غير مناسبة" أصبحت تعلم ما الذي تريد من الحياة تماماً، وتحولت إلى شخص أكثر تصالحاً مع ذاته وأكثر نضجاً ووعياً. والأهم من ذلك تعلَّمت كيف تحب حباً حقيقياً وكيف تكتشف إن كان الشخص المقابل يحبك أم لا.
أن تحب حباً حقيقياً يعني أن تتقبل الآخر كما هو، ألَّا تطلب الكمال منه، وأن تسعى إلى تطويره ونجاحه لا إلى كسره، أن تفتح له قلبك بكامل الصراحة والصدق، ومن دون أدنى خوف، أن تشاركه حزنك وفرحك، وتعطيه كامل الحرية والثقة دون تشكيك أو قيود، أن تجعله سبباً من أسباب سعادتك، وأن تنتبه إلى أدق تفاصيله وتعطيه الأولوية في حياتك، وأن تكون رقيقاً عليه لا جارحاً له.
يجعلك الحب غير الحقيقي تعلم أنَّ الحب الحقيقي هو أمنيتك الصادقة بأن يكون الآخر سعيداً سواء أكنتَ معه أم لم تكن.
