813 125

 

كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

لا تنصح أحداً بعد اليوم

زينة نبيل حسن- خاص فينكس:

لطالما كان أسلوب النصيحة هو الأسلوب الأكثر استخداماً بين الناس، إذ لا يباشر الطرف الآخر بالحديث عن مشكلاته وهمومه حتَّى يجد الكثير من النصائح والحلول الجاهزة للمشكلة التي يعاني منها. ولم يخطر في بال أحد من النَّاصحين أنَّه بتلك الطريقة قد يؤثر سلبيً على الشخص صاحب المشكلة، فعلى الرغم من الشكل الظاهري الإيجابي لأسلوب النصيحة، ومع وجود النية السليمة لدى الشخص الناصح، إلَّا أنَّها قد تكون من أكثر الطرائق غير المجدية في العلاقات الإنسانية.

أنت تمنع تطور مهارة التحليل والقدرة على اتخاذ القرار لدى الطرف الآخر من خلال نصيحتك المقدمة إليه، فعلى سبيل المثال: عندما تنصح شخص ما بالزواج من شخص آخر، فتكون بذلك قد منعت الطرف الآخر من محاكمة الموضوع من وجهة نظره، وحرمته من إجراء الاستنتاجات والمقاربات المتعلقة بالموضوع، وقدمت له حلاً مباشراً عوضاً عن دعم مهارة اتخاذ القرار لديه.

من جهة أخرى، لا يحقق أسلوب النصيحة الغاية المنوطة به، لأنَّه لا يعطي الفرصة الكافية للإنسان لكي يتكلم ويعبر عن كل مشاعره وأفكاره، إذ تأتي النصيحة بطريقة مباغتة وحاسمة مسببة ألماً للطرف الآخر عوضاً عن الراحة. على سبيل المثال قد تحتاج سيدة ما إلى الاستماع الجيد إلى مشكلاتها الخاصة مع زوجها، ولكن عندما يأتي أسلوب النصيحة المباشر فإنَّها تصاب بالخيبة والألم، فعندما يقول لها شخص ما: "عليك أن تقومي بهذا، ولا عليك أن نقومي بهذا"، فهنا يكون قد ابتعد عن الغاية الأساسية من حديثها وشكواها، وبدلاً من مساعدتها فإنَّ هذا الأسلوب قد سبب زيادة معدل توترها وعصبتيها.

كما نعلم أن كل إنسان مجبول على الحرية. إن استخدام أسلوب النصيحة يقيد هذه الحرية بطريقة فظة، إذ يشعر الشخص أنَّ الآخر يتحكم به ويسيطر عليه، فلا تحقق النصيحة مرادها، وهذا الأمر شائع جداً بين الآباء والأبناء، فلطالما نستمع إلى جملة "لقد نصحته إلَّا أنَّه لم يأخذ بنصيحتي".

كما يُعلِّم أسلوب النصيحة بعض الأشخاص الكسل وعدم تحمل المسؤولية، إذ يسارع البعض إلى طلب نصيحة الغير في حال وجود أية تحديات في حياتهم، ولا يتوانون عن إلقاء الملامة على الأشخاص الناصحين في حال عدم نجاعة النصائح المقدمة إليهم.

ولكن إن كان أسلوب النصيحة غير ناجح، فما البديل إذاً؟

عليك بداية ترك مسافة بينك وبين الآخر، بحيث تتذكر دائماً أنَّ المشكلة المطروحة أمامك هي عبارة عن مشكلة تخص الآخر ولا تخصك، فلا يجدر بك الانفعال الزائد ورمي النصائح والحكم مباشرة، بل عليك مساعدته ولكن دون أذيته.

ومن ثم تستطيع التعاطف معه، كأن تقول لابنك الذي يشتكي عدم قدرته على اختيار الاختصاص الذي سيكمل فيه حياته: "نعم، أعلم أن قرار اختيار الاختصاص الجامعي المناسب لك من أصعب القرارات في حياتك، ولكنك المسؤول الأول والأخير على اتخاذ هذا القرار". أنتَ تبني بالتالي شخصية ابنك، وتعلمه أنَّه المسؤول عن حياته وخياراته، وأنَّ الحلول الجاهزة لا تليق به.

بعد ذلك قم بتوسيع قاعدة الخيارات لدى الشخص المقابل لك، دون أن تقدم له حلاً مباشراً، كان تقول له: "ماذا عن اختصاص "علم النفس" هل فكرت فيه من قبل؟ هل ترى أنَّ لديك ميول نحوه؟" وعندها سيجيبك الابن، وبعد ذلك تستطيع الاستمرار في سؤاله عن اختصاصات مختلفة وانتظار ردود أفعاله وتحليلاته بخصوصها. فأنت بذلك تبدي الاهتمام بالشخص المقابل ولكن دون تدخل مباشر باختياره، بل تساعده على توسيع قائمة الخيارات لديه وعلى المفاضلة بينها إلى حين الوصول إلى القرار المناسب.

في حال احتاج الطرف الآخر إلى أية معلومات، فقدمها له بحيادية، كأن تقول له: "نعم، تستغرق الدراسة في كلية الطب البشري ست سنوات فيما عدا سنوات الاختصاص، وتشتمل على مقررات مثل: ...."

قم بتشجيع الطرف الآخر على اتخاذ القرار في حال ضياعه وتشتته، كأن تقول له: "متى آخر موعد لديك لاختيار الاختصاص الجامعي؟"، "أرى أنَّ عليك التفكير في الأمر بسرعة أكبر، ما رأيك أن تُكثِّف البحث عن الاختصاصات لكي تصل إلى القرار المناسب لك وبسرعة".

يكمن التحدي هنا في صقل شخصية الطرف الآخر، بحيث تُعطَى له كامل الحرية لكي يبني قراره الشخصي المناسب له.

الخلاصة:

قد يتطلب هذا الأسلوب الكثير من التروي والصبر إلا أنَّه الأسلوب الأكثر فائدة للطرف الآخر. فدعونا نتخلَّى عن الأنانية وإغراء الظهور بدور العارف والمُعلِّم، ولنفكر قليلاً بمصلحة الطرف الآخر، ونسعى إلى تطوير مهاراته وشخصيته وخبرته في الحياة.