"البربارة".. بداية موسم أعياد واستعادة لطقوس متوارثة
2021.12.04
رنا الحمدان- فينكس- طرطوس:
عمت احتفالات (البربارة)، وفقاً للتقويم المسيحي الغربي، مناطق مختلفة من محافظة طرطوس، بانتظار احتفال المسيحيين الشرقيين بهذا العيد في 17 كانون الأول 2021.
ولم يمنع انتشار الإصابات بـ"كورونا"، وغياب الكهرباء 20 ساعة في اليوم، والضائقة المادية، من إحياء العيد، إذ بدأت طقوس الاحتفال بجولات الأطفال بأزيائهم التنكرية على المنازل، لتلقي ضيافة الحلويات الخاصة بهذه المناسبة، كما تم إشعال النيران المسماة بـ"القوزلة"، وإنارة العديد من الكنائس وشجرات الميلاد المزينة، وسلق القمح والذرة (الكوليفا) التي يتم تقديمها مع السكر والرمان أوالزبيب واليانسون وتزيينها بالمكسرات المختلفة، دون نسيان الصلوات والقداديس التي تقام في معظم الكنائس والأديرة عن روح القديسة بربارة، ورفيقتها الشهيدة إليانا والقديس يوحنا الدمشقي في اليوم نفسه، أما صاحبة العيد، فهي القديسة بربارة التي عاشت في القرن الخامس للميلاد، وتعرضت للاضطُهاد والسجن لاعتناقها المسيحية ورفضها للوثنية، كما اختبأت في حقل قمح لتقضي على يد والدها الذي كان أول من حاربها، لتموت شهيدة وقديسة.
طقوس احتفالية
يزخر الموروث الشعبي بالعديد من الأغاني والأناشيد الخاصة بهذا العيد، ومنها "بربارة بربارة عند الرب مختارة.. أبوها هالكافر كان عباد حجارة"، "بربارة بربارة والقمح بالمغارة"، "يامعلمتي حلي الكيس.. الله يبعتلك عريس"، "قوزلة بربارة ..غنوا يا ولاد الحارة".
ويشير الدكتور غسان القيم لـ"فينكس" إلى أن الطقس الاحتفالي لا غنى فيه عن القمح، لما له من رمزية لاستمرارية الحياة والخصوبة، مع تذكر مقاومة وصبر القديسة بربارة، أما اسم بربارة فهو دلالة لفظية مأخوذة من البر والبار، جمعه أبرار وبررة، والمؤنث برة وبارة، والبر هو القمح كما جاء في المنجد، أما في الآرامية فيعني قمحة، وبار بارا، يعني حفر وخبأ أو ادخر، وقد يكون المعنى لبربارة /القمح المدفون بالارض/ و(بر.. برا) تأتي أيضاً اتسع في الاحسان، و(بارة) تعني أحسن إليه ولاطفه، ومنه القمح الجيد الصالح، وهو قمح البذار، و(برو) بالسريانية يعني بذر أو نثر الحبوب.

في تفاصيل الاحتفال، يتم إشعال كومة من الحطب والبلان، ويقوم الأهالي بالطواف حولها وهم يرددون: "بربارة قديسة رموكي بالديسة وكبوا عليكي صحن هريسة"، كما يشير المثل الشعبي "بالبربارة رجع الحب ع كواره" إلى أن عملية زراعة الارض تكون قد انتهت، والحبوب التي لم تزرع يجب إعادتها إلى مخابئها لأنه لافائدة من زراعتها بعد الآن، أما أهمية أكل القمح المسلوق فتعود إلى كون حبة القمح لا تُثمر ولا تأتي بسُنبلة إلا إذا ماتت، كما قال السيّد المسيح له المجد: "إن لم تمت حبّة الحنطة فإنها تبقى وحدها، ولكن إن ماتت تأتي بثمرٍ كثير".
وبجانب طبخ الهريسة في الساحل السوري حيث يحتفل مسلمو الريف (الطائفة العلوية) حسب التاريخ الشرقي (16 كانون الأول) بهذا العيد، يتم صنع فطائر أو خبز الميلادي، وهو العجين المرقوق مع زبدة بلدية وبطم أو حبة سوداء.
شهرا أعياد
وعن بقية أعياد الكانونين، يبيّن القيم أن هناك عيد القديس نقيولاوس العجائبي في 6 كانون الأول، ثم عيد الحبل بلا دنس في 8 كانون الأول، وهو إحياء لذكرى حمل السيدة مريم العذراء بالسيد المسيح عليه السلام عبر الصلوت والقداديس التذكير بقصة السيدة مريم، فمناسبة/21/ كانون الاول وهي بداية فصل الشتاء، ثم المربعانية في /22/ كانون الاول وتستمر أربعين يوما، ليأتي عيد الميلاد في /24/كانون الاول، وعيد رأس السنة الميلادية في/31/ كانون الأول. أما عيد الغطاس فيوافق /6/كانون الثاني، وهو اليوم الذي عمد فيه السيد المسيح في نهر الأردن على يد يوحنا المعمدان، ويسمى عند المسحيين بعيد الظهور، حيث جاء السيد المسيح من الناصرة حينها، ثم تاتي مناسبة/13/كانون الثاني وهو عيد القوزلة (عيد رأس السنة الشرقية)، ويعتبر هذا العيد من اكثر الأعياد شعبية لدى اهالي ريف الساحل، والذين يقومون فيه بذبح الأضاحي، ليأتي عيد القديس انطونيوس الكبير في 17 كانون الثاني، ثم عيد /19/كانون الثاني وهو عيد القداس الذي كان يحتفل فيه أغلب قرى الريف باحتفالية خاصة، ويقوم المحتفلون قبل انبلاج الفجر بالتسابق للوصول إلى نبع القرية كي يتقدسوا بمياهه ويكسرون الجليد، ثم يبدؤون الغناء فيقولون: /يا قداس يا قديدوس لاتطلع فيني لاحب ولا نبوز../، بحسب القيم، مضيفاً: "يأتي أخيراً 31 كانون الثاني ليعلن نهاية مربعانية الشتاء".
ويختم القيم بالمثل الشعبي الذي يقول: "بشهر كانون كن، وع الفقير حن"، داعياً الجميع إلى التكافل والإحساس بالفقراء في هذه الأيام القاسية الباردة. وبالنسبة لاحتفال بعض الأقليات المسلمة بالأعياد المسيحية، يرى البعض أن السبب يعود ربما للاضطهاد الذي عاناه هؤلاء من قبل الاحتلال العثماني، ما جعلهم يتآخون إنسانياً مع جيرانهم المسيحيين الأقرب إليهم، فيما يعتبر البعض هذه الأعياد استمراراً لموروث إنساني غني ومتصل في المنطقة، لافتين إلى أن نسب العديد من أجداد مسلمي الريف يعود إلى الغساسنة الذين كانوا يعتنقون الدين المسيحي، كما ان عيد القوزلة ( القوة الأزلية)، عيد رأس السنة الجديدة حسب التقويم الشرقي، من الأعياد القديمة والمتوارثة منذ الاف السنين، حتى ما قبل المسيحية و اليهودية، ويسمى ايضا في ريف طرطوس بعيد (الميلادي).
#احتفالات_البربارة #النبض_السوري
