حكايا السّنين.. وأنعام الأرضِ والسَّماء حملَتها مياهُ نبع عين سالة...
2022.01.01
فينكس- السويداء- معين العماطوري
ليسَ ثمّةَ مكانٌ في قريةٍ من قُرى جبلِ العرب إلّا وفيها حكايةٌ تاريخيّة أو مكانٌ أثريّ يحمِلُ سِماتِ الأنباطِ أو الرومانِ أو غيرِ ذلك، ولكنَّ الزائرَ لقريةِ "سالة" لابدَّ لهُ من أن يقفَ أمامَ مشهدٍ تاريخيٍّ أثريٍّ مهمّ في مُعاصرتهِ وحداثتهِ ووجوده، بعدَ عُمرٍ تجاوزَ قروناً عديدة.
استطاعَ هذا المكانُ الثباتَ والمُحافظة على نفسِه، وهوَ موقعُ "عين سالة" القديمة الجامعِ لِحكايا وأحاديثَ بينَ الأرضِ والسّماء بتبادُلِ خيراتهِما.

حملَ أهالي القرية والباحثونَ في علمِ الأثار تطلُّعاتهِم ورؤيتَهم، وكوّنوا مع ذاكَ المكان علاقةً مُجتمعيّة عنوانُها "عين سالة".
جريدةُ "فينكس" وبتاريخِ 29 كانون الأول 2021 التقت معَ الباحثِ التاريخيّ والأثريّ "حسن حاطوم" الذي برهنَ أنَّ نبعَ ماء "سالة" يعدُّ مركزاً حيويّاً وتاريخيّاً، وهوَ يشكّلُ حالةَ ترابُطٍ بينَ المُجتمعِ وأفرادِه بعلاقاتٍ اجتماعيّة، فقد كانَ الناسُ يجتمعونَ حولَ النبع لاستقبالِ خَيراتِ السّماءِ منَ الأمطار، للاستفادةِ منها ومزجِها بعطاءاتِ الأرض، لأنَّ الطبيعةَ البيئيّة التي تتميّزُ بها قريةُ "سالة" تحمِلُ في مضامينِها حكايا وأحاديثَ متنوّعة، فقد كانَ الزوّارُ والعديدُ منَ الأهالي يستذكرون الوقائعَ والأحداثَ العائدة لتاريخٍ غابر، مُستمدّينَ القيمةَ التاريخيّة والمعرفة التراثيّة من ذلكَ النبع.
وما يمنحُ النبعَ التميُّزَ التاريخيّ أنّهُ قلّما يأتي زائرٌ إلى قرية "سالة" التي يوجدُ فيها، سائحاً كانَ أم باحثاً أم مُستشرِقاً إلّا وكتبَ عن علاقتهِ "بعين سالة"، فخصوصيّةُ المكانِ تدفعُ الإنسانَ إلى حفظِ مواقفَ وأحداثٍ شكّلت في سلوكهِ الاجتماعيّ الشيءَ الكثير، كيفَ لا، وهيَ العينُ التي عاشت معَ الطبيعة مئات السنين شاهدةً على مواقفَ عديدة.
كما الخصوصيّة التاريخيّة للقرية الحامِلة في ذاكرتها مآثرَ لشخصيّاتٍ وطنيّةٍ واجتماعيّةٍ كثيرة، زارَها المُستشرقون ووجدوا بالقُرب من عينِها "عين سالة" كتابةً يونانيّةً مُؤرَّخة من عام /359/ للميلاد، تذكرُ التقدمة لأحدِ الأبنية العامّة، والأرجح هُنا هوَ أنّهُ تاريخٌ بناءِ حوضِ العين، معبد حوريّاتِ الماء، وقد كانتِ هذهِ التقدمة من قبلِ المواطنين جدّ "بن تيم وعطاس" وهوَ "عطست"، بحيثُ وَجدا الكتابة عندَ "فيتزشتاين" الذي زارَ المنطقة عام /1858/، وكذلك عندَ "وادينغتون" الذي زارَ المنطقة عام /1862/.
ووفقَ ما يَذكر "فيتزشتاين" فإنَّ هذا النقش يعودُ لبناءِ العين الذي كانت بعضُ أجزائهِ قائمة، وماتزالُ حتى الآن.
ومِن أهمِّ ميزاتِ هذا النبع أنّهُ دائمُ العطاءِ صيفاَ وشتاءً، ويتأثّرُ بعواملِ الجفاف وقوّةِ الأمطار، وبخاصّة عندما يكونُ عامَ خيرٍ غزيرِ الأمطارِ والثلوج على "جبلِ الشيخ"، فتزدادُ نسبةُ غزارته، كما أنَّ ما يُميّزُ ماءَ النبع برودتهُ في فصلِ الصيف ودفئُهُ في فصلِ الشتاء.
حملَ المكانُ قيمةً مُضافة بينَ أروِقةِ الواقعِ والتاريخ، وهذهِ القيمة التاريخيّة والاجتماعيّة يتصدّرُها النبعُ الصّارخُ بصوته، الصّامتُ بينَ حجارتهِ البازلتيّة في التاريخِ المُعاصر.
وكم من مُهتمٍّ برؤيتهِ والوقوف على أطلاله كما هُم أهالي قرية "سالة" الذي أوضحَ الأستاذ "بشار نصار" ابنها أنّهُ في عام /1924/ قامت بعثةٌ فرنسيّة مائيّة بزيارةِ النّبع، يُرافقُها مهندسٌ يونانيّ، وقد شاهدهُم المرحوم "سليمان بك نصّار" شيخُ القرية الذي جاءَ إليهم وطلبَ منهُم الحفاظَ على النبع، فأجابهُ أحدهُم: "هذا شغلنا دعونا نعمل"، لكنَّ "سليمان نصار" رحمهُ الله أصرَّ على عراقةِ النبع، وقال: "أتمنّى أن تأخذوا برأيِنا".
وبعدَ الكشفِ على النّبع تبيّنَ صدقُ أقوالِ الشيخ "سليمان"، فقرّرتِ البعثة زيارةَ مَضافةِ الشيخ، وكانَ عندهُ ضيوفٌ منَ المِنطقة، وقد أكّدت البعثة عراقةَ النبع وقِدمَهُ، وتناولوا طعامَ الغداءِ معَ الضّيوف.
كذلك يروي الأهالي المُتقدّمونَ في العُمر أنَّهُ في عام /1947/، وتحديداً في السّابعِ من نيسان كانَ أهلُ الجبل يستعدّونَ لإحياءِ عيدِ الاستقلال والجوُّ باردٌ جداً، حينها شاهدَ المرحوم "سعيد نصّار" قاضي الدم والعارف بالقضايا الاجتماعيّة رِجالاً من خارجِ القرية، فدعاهُم إلى مضافتهِ، وسألهُم عن حاجتهِم، فأجابوا إنّهم من "آل البربور" من قرية "الهويا"، وقد أنزلوا أغنامَهُم ومواشيهم في الجبل، فقالَ لهم: "أخبروا كبار العائلة أن يضيفوا في القُرى المجاورة، لأنّ الليلة ستكون مُثلجة، والسّبب أنَّ نبعَ الماء هذا إذا بدت منهُ أبخرة فإنّ ذلكَ يعني أنّهُ يُنذرُ بالثلج، فمنهُم من وافقَ ونزلَ في القُرى المُجاورة، فكانَ آمناً ولم يُصبهُ أذىً، ومنهم من لَم يقبل، فماتت كلُّ مواشيه، وتضرّر. وسُمّيَ ذلكَ العام بعام "قطيعة البرابرة" نسبةً "لآل البربور"، وذهبت مثلاً حتى يومنا هذا، وكان المُتنبّئ حينها في ذلك هوَ النبع.
لعلّنا أمامَ مشهدٍ تاريخيّ لنبعِ ماءٍ حملَ تلكَ المُعطياتِ الوجوديّةِ والثقافيّةِ والفكريّةِ والتاريخيّة، والأهمّ الحكايا الواقعيّة، منها حادثة "آل البربور" والمُشابهة لها، والتي ما زالت شاهداً حتى يومِنا هذا كمحطّةٍ تاريخيّة تتناقلتها الألسنُ في المقاعدِ والمَضافات، وتبقى "عين سالة" النبع الذي لا ينضبُ صيفاَ وشتاءً بالماءِ الجامعِ بينَ القلوب بمحبّةٍ وإخاء.
