شعبان عبود: في اليوم الخامس.. المعركة مع السيجارة مستمرة..
يقول العلماء إن حاسة الشم هي أكثر ما يستدعي الذاكرة وينعشها.. أحيانا يحصل أن نشمّ رائحة ما فتأخذنا مباشرة وبذات اللحظة إلى سنوات بعيدة جدا، تذكرنا بشيء ما، بمكان ما، بشخص ما.. اليوم حصل شيء مشابه معي حين كنت أتسوق مع زوجتي وابنتي.. لقد كنّا في قسم الشامبوهات والصابون والعطور في أحد المحلات التجارية.. صرت أشم روائح أنواع ألواح الصابون، شعرت بسعادة لا توصف وانا أستعيد حاسة الشم بعد خمسة أيام من التوقف عن التدخين، بدأت أشم روائح ذكية وعطرة افتقدتها لسنوات، رائحة أحد ألواح الصابون أخذتني بعيدا جدا، كانت الرائحة تشبه رائحة الليمون، قَرّبت ُ لوح الصابون من أنفي وبدأت أشمهُ كما لو أني اريد أن أسحب الرائحة، كل الرائحة، بعيدا جدا في صدري، وانا أشمهُ أخذتني الذاكرة نحو عشرين او ثلاثين سنة الى الوراء، الرائحة ذاتها شممتها في بيتنا حين كانت أمي تفتح ظروف شراب الليمون المجفف من نوع "تانغو" وتصنع منها كؤوسا من الشراب.
اليوم صباحا حصل شيء مشابه، لقد شعرت بفرح كبير وانا أقشر البرتقالة، رائحة القشر دخلت عميقا في صدري، أنعشت روحي، ما أجمل رائحة البرتقال وهي تدخل مع أنفاسنا.. أنا حقا سعيد جدا باستعادة هذه التفاصيل، قد يعتقد البعض اني أبالغ، لكني أروي حقيقة مشاعري وعواطفي وأنا أستعيد حاسة الشم تدريجيا بعد انقطاع او توقف عن تدخين السجائر لمدة خمسة أيام..
البارحة وخلال متابعي لعملية فرز الأصوات في الانتخابات الرئاسية الأميركية وصدور النتائج، راودتني السيجارة، تذكرتها واشتهيتها، لكني قمت مباشرة ، لبست حذائي وقررت أن أمشي في الحارة حيث أعيش في مدينة فيرفاكس.. لم يكن أحد في الشوارع في ذلك الوقت غيري، أنا الوحيد الذي كنت أمشي.. كنت ارى من خلال النوافذ سكان البيوت مسمّرين امام وحول شاشات التلفزيون التي كانت تعرض عملية التصويت وعدّ الأصوات، الجميع يريد أن يعرف من سيفوز هيلاري كلينتون أم دونالد ترامب.. خلال المشي، خرجت من اجواء الانتخابات، نسيت تدريجيا الرغبة التي اجتاحتني بتدخين سيجارة، كان الطقس رائعا، وكنت أمشي وحولي مئات الأشجار، انه وقت الخريف هنا حيث يتلون ورق الأشجار بعشرات الألوان، الأصفر والأخضر والبرتقالي والبني والأحمر والخمري، والبنفسجي وغيره... كنت أمشي وحيدا بين البيوت والاشجار، شعرت أني اريد ان اغبّ كل الهواء في الخارج، كل الأوكسجين، تذكرت أني قلما أخرج لأمشي، قلما انتبه لكل هذا الجمال من حولي، لكل نقاء السماء هذا والطبيعة هذه من حولي، شعرت للحظات بالندم لأَنِّي لم أعطي انتباها يذكر للجنة التي أعيش فيها منذ نحو عشرة أعوام...
بعد مرور خمسة ايام على توقفي عن التدخين، أبدو أكثر اصرار على الاستمرار، يبدو أني حقا عنيداً، او ربما اني بدأت اكتشف وألمس الفوائد والمتع التي يحصل عليها شخص غير مدخن..
لا اريد أن أُنظِّر او أحاضر عن فوائد ترك السجائر، ليس هذا ما ابحث عنه، أنا أصلا اكره هؤلاء الأشخاص الذين بقوا يدخنون سنين طويلة وحين تَرَكُوا التدخين لأيام قليلة بدؤوا بلعب دور المنظِّر والطبيب والحكيم والفيلسوف... أنا اكره لعب هذا الدور وكنت اكره ولا احتمل من يمارسه معي، القصة بكل بساطة اني اريد ان أروي هذه التفاصيل الصغيرة، اريد ان اوثقها، اريد من توثيقي وكتابتي عن تجربتي ان أورط نفسي بها، أن أسجن نفسي بها، أن أخجل من نفسي فيما لو فكرت في تجاوزها او تجاهلها.. أريد فعلا قوة داخلية تردع وتكبح أي رغبة تراودني في تدخين سيجارة، شيء ما يجعلني أشعر اني تافها وصغيرا فيما لو استسلمت وعدت للتدخين.. هذا هو قصدي تماما من الكتابة على الفايسبوك...
ربما حين اتجاوز الفترة الحرجة، ربما هي الأسابيع الثلاثة او الأربعة الاولى.. سأتوقف عن الكتابة عن هذه التجربة، لأَنِّي حسب ما اعتقد أكون قد قطعت شوطا بعيدا وبتّ أكثر حصانة.
في اليوم الخامس من "معركتي" الخاصة مع السيجارة، بقيت صامدا ولم ادخن، لا بل أني بدأت استعيد أشياء رائعة كنت افتقدتها.. الروائح، وهذا الأوكسجين النظيف حولي، غدا سأمشي أيضا وأريد ان أغبّه كله في صدري...
