شعبان عبود: امرأة لا كالنساء
كنت شابا صغيرا في الصف التاسع الإعدادي حين كنت استيقظ باكراً، أحمل كتاباً مدرسيا ما وأذهب شمالا نحو تلك البساتين و الحقول والأراضي الزراعية الممتدة بين "بنش" و"الفوعة"، أحمل الكتاب بين يدي وأمشي، أقرأ وأمشي، أفكر في فتاة ما، أقرأ وأمشي، اقرأ ولا أفهم شيئا، أفكر بتلك الفتاة، أمشي وأقرأ ولا أفهم ماذا أقرأ ولا أستطيع أن أركزّ على كلمات الكتاب..
أمشي نحو ثلاثة كيلو مترات وأحيانا خمسة كيلو مترات وأحيانا عشرة كيلو مترات، أصل الى الحدود الشرقية للفوعة، أصير على مقربة من بيوت الحارة الشرقية الجنوبية للفوعة، أمشي وأمشي، أحمل كتابا ما بيدي وأقرأ، لا أفهم شيئا مما اقرأه، لا أعرف ماذا أقرأ، أبقى في الصفحة نفسها نحو خمسة كيلو مترات من المشي، أمشي وأفكر بفتاة واحدة دون غيرها، أمشي، أقطع قرية الفوعة كلها، أصل أراضي "الصواغية"، الشمس تصبح حارة وفي منتصف السماء، أشعر بالعطش والجوع، وحدي أنا والفلاحون المنتشرين في أراضيهم وبساتينهم وحقولهم تحت هذه السماء اللاهبة..
أمشي، كتابي بين يدي، لم أقلب الصفحة منذ ساعات طويلة، أو منذ أربعة كيلو مترات من المشي، أو منذ أن كنت عند كرم "بيت بدران" أو أرض "أبو غالب عبيد".
أمشي وأمشي وأفكر في الفتاة نفسها، بطريقتها في المشي، بشعرها، بعينيها، ببدلة "الفتوة" التي كانت ترتديها، بصدرها المرتفع، بساقيها، بصلابتها واعتدادها بنفسها حين كانت تتكلم أو تمشي... في طريق عودتي الى البيت، أمرّ على مئة فلاح وفلاحة يعملون في حقولهم وبساتينهم ولا أنتبه إليهم، أمرّ على مئة حقل قمح ومئة حقل عدس ومئة كرم تين وزيتون، أمرّ على مئة دالية عنب، يمرّ من فوقي ألف عصفور وألف سنونوة، مئة ألف نحلة ومليون فراشة، ولا أنتبه لها، أنا أفكر بتلك الفتاة فقط.
بعد نحو ثلاثين سنة، أستيقظ صباحا، أرتدي حذائي الرياضي وأخرج من بيتي في "فيرفاكس" بولاية فرجينيا بالولايات المتحدة, بينما أولادي نيام، أفكر في امرأة ما وأمشي، أقطع شارع Hill ثم "Ren" ثم Fairchester ثم Eagn ثم Warwick ثم McLean وصولا الى Woodhaven..
أقضي ساعة او ساعتين من المشي في الشوارع بين البيوت والاشجا، أمشي وأمشي، أفكر في تلك المرأة وأمشي.. وحيدا في شوارع وحارات فيرفاكس، اقطع الأشجار والغابات، وأفكر بتلك المرأة، أرى السناجب المنتشرة على يمين ويسار الطرقات وبين الأشجار وكل مكان وأفكر في تلك المرأة، أمشي وأمشي وأفكر بتلك المرأة، تشرق الشمس وأنا أفكر بتلك المرأة، أقطع ثلاثة كيلو مترات وأنا أفكر بتلك المرأة، ألتقط صورا من جهاز الهاتف المحمول للأشجار والسماء والشمس والغيوم وأنا أفكر بتلك المرأة، أقطع خمسة كيلو مترات، أقطع عشرة كيلو مترات، وأنا أمشي وأمشي وأفكر بتلك المرأة، أمشي وأمشي، أشعر بالتعب، أرى الشمس وقد قطعت مسافة بعيدة في مسارها، أشعر بثيابي وقد بللها العرق، أتذكر طفلا أعرفه يعيش في قرية جميلة وبعيدة جداً، طفل كان يفكر بفتاة ما حين كان يمشي، يفكر فيها ولا ينتبه للفلاحين والفلاحات المنتشرين في حقولهم وبساتينهم، لا ينتبه للعصافير والسنونو الذين يعبرونه، لا ينتبه للنحل ولا للفراشات، طفل كان يمشي ويمشي ويمشي ويعود الى البيت أخيرا حين يهده الجوع والتعب..
