بشّار يوسف: دمشق و حارات السّكينة.... هذه أيّامها
كم أعشق هذه الفترة من السّنة... كم أعشق دمشق و حواريها و هي تتزيّن كالعروس في يوم زفافها...
كنت في ما مضى.. أتحيّن الفرصة.. لأمشيها في مخيّلتي.. أعيش اللّحظات السّحريّة و أسعى لتحقيقها.. و كثيراً ما كنت أقف أمام الأضواء الّتي تزيّن جدران البيوت القديمة و جدرانها.. أستمع لها بحنين.. و هي تخبرني حكاياتٍ تعيدني مئات السّنين في سفرٍ مكتوب بمداد القلوب.. و دموع المآقي.. فجدران البيوت القديمة.. كالدّفاتر القديمة.. سطّر عليها سكّانها مذكّراتهم و يوميّاتهم و شغفهم المتزايد بالحبّ و الحياة...
لم أشعر يوماً أنّ هناك فرقاً بين ما هو مسلم و ما هو مسيحي في بلدي..
أعيش فرحة أعياد الميلاد كما لو أنّي مسيحي.. و كثيراً ما كنت أدخل إلى كنائس دمشق عندما أشعر أنّ روحي بحاجةٍ إلى سكينة مفقودة...
فرحة غامرة تجتاحني كلّما رأيت شجرة ميلادٍ... و كلّما لمحت مغارةً مصنوعةً بكثيرٍ من الحبّ وضعت في زاوية شرفةٍ.. أو في ركن حارةٍ ضيّقةٍ من الحواري العتيقة..
لم أجد حرجاً أبداً في أن أزيّن منزلي بزينة الميلاد المجيد.. كما أزيّنه بزينة الأضحى المبارك و الفطر السّعيد... أوليس أنبياؤنا.. ذريّة بعضها من بعض...
لا أخفي سرّاً إن قلت أنّي أحسد أخوتي المسيحيين في طريقة احتفالاتهم الدّينيّة, فما يميّزها هو ذاك الحسّ الرّاقي و الهادئ و الرّوحاني, لا صخب و لا ضوضاء و لا مظاهر غير حضاريّة تعمّ الشّوارع و الحارات, لا أطفال فالتة في الشّوارع و مدن الملاهي دون حسيب أو رقيب, لا شتائم تؤذي الآذان, لا مناظر تفقؤ العيون لا قمامة تملأ السّاحات, و هل هناك أرقى و أجمل من تلك المصابيح المتدليّة فوق رؤوس المارّة, تضفي دفئاً من نوع خاص بعد أن تلفحك رياح كانون الباردة, كنت أمشي تحتها مشدوهاً متمنّياً ألّا ينتهي الطّريق...
إلى كلّ أصدقائي.. و بني بلدي من الطاّئفة المسيحيّة الكريمة.. أهنّئ نفسي و أهنّئكم في هذه الأيّام المباركة بمناسبة قدوم عيد الميلاد المجيد.. و أدعو اللّه العليّ القدير (ربّنا و ربّكم) أن تنجلّي هذه الغمّة.. و أنّ تعمّ المحبّة و السّلام في عيد المحبّة و السّلام... فاللّه محبّة.. اللّه سلام.
أنا المسيحيّ بقدر ما أنا مسلم... و أنا المسلم بقدر ما أنا مسيحيّ رغماً عن أنف كلّ متزمّت متعصّب أفّاق.
عرين العروبة بيتٌ حرام...
