د. مضر بركات: الأرامل والعوانس.. هل نستطيع تقديم حلّ حقيقي لهذه المشكلة العويصة..!!
تابعت تفاعل الكثيرين مع تصريحات القاضي الشرعي (المعراوي) المثيرة للجدل، وجدت أن معظم النقاشات كانت تكتفي بالتركيز على شخص القاضي واختصاصه بدلاً من البحث في أهمية الموضوع ذاته الذي تحدث فيه هذا القاضي الشرعي، والمؤسف أن كافة النقاشات تكاد توحي بعجز ثقافي في مجتمعنا عن إدراك الحقائق بموضوعية، وعجزه عن التفكير في المخاطر والتركيز على البحث عن حلول..
منذ بضعة أسابيع كنت قد تصديتُ بقسوة لتدخل هذا القاضي في مسألة عمل الفتيات في المطاعم حيث أنه ارتكز في تصريحه على مخالفة ذلك للعادات والتقاليد..، واعتبرتُ أن تصريحه كان بمثابة فتوى شرعية من قاضٍ لا يملك الأهلية للإفتاء، كما أن ما قاله لا يتوافق بأي حال مع المنطق والموضوعية في معالجة المشكلات الاقتصادية التي تعاني منها الكثير من الأسر نتيجة غياب الرجال تحت وطأة ظروف الحرب بغض النظر عن أسباب غيابهم.. واعتبرت أن عمل الفتيات والسيدات هو حق دستوري وقانوني ولا يحق لرجل الدين أو غيره التسلط على هذا الحق كما هو الحال في المهلكة الوهابية وغيرها من الدول المتخلفة التي يحكمها الدين، ولا يصح أن السماح باستخدام تشريعاتٍ دينية للتسلط على حقوق المرأة وإهانة حقوقها الإنسانية من منطلق تفسيراتٍ لا مبرر لها سوى التسلّط والعُسف الذكوري باسم الدين..
الحقيقة.. كغيري من العلمانيين، لا أميل إطلاقاً إلى التسامح مع تسلّط الدين على المجتمع، مع ملاحظة أن هذا القاضي الشرعي يمثل سلطة قانونية وليس سلطة تشريعية، وأن المحاكم الشرعية معنية بالحكم في القضايا الشرعية وليس بالفتوى الدينية..، لكن علينا أن ننظر إلى الأمر المطروح اليوم بموضوعية وسوف نلاحظ أن تصدي هذا القاضي لهذه القضية هو نتيجة طبيعية لغياب الاهتمام الحكومي والاجتماعي لدرجةٍ توحي بالعجز عن معالجة مشكلة اجتماعية خطيرة كمشكلة تعاظم نسبة الأرامل والعوانس، ولا يخفى أن كافة الإجراءآت التي اتخذتها الحكومة بهذا الصدد حتى الآن هي إجراءآت قانونية تتلخص في تصفية حقوق الشهيد ومنح تعويضات لأسرته، وهذه الإجراءآت لا ترقى إلى مستوى معالجة النتائج الاجتماعية والاقتصادية الفعلية، كما أن هذه الإجراءآت تقتصر على عائلات شهداء الجيش وبعض القوى الرديفة ولا تشمل عائلات ضحايا هذه الحرب من المدنيين، كما أنها بالتأكيد لا تشمل معالجة مشكلة عائلات الإرهابيين السوريين الذين قتلوا في هذه الحرب أيضاً، ولا يمكن تجاهل مسؤولية الدولة دستورياً عن هذه العائلات..
يجب أن ندرك أن هذه القضية هي إحدى أخطر المشكلات التي بدأنا نعيشها كنتيجة طبيعية لهذه الحرب، وما تزال كل يوم تتسبب بارتفاع أعداد الشهداء التي تجاوزت حتى الآن مئات آلاف من الرجال..، وجراء ذلك بات لدينا مئات آلاف الأرامل اللواتي أضافتهم الحرب إلى مشكلة العنوسة التي كان وما يزال يعاني منها مجتمعنا بنسبة لا يمكن تجاهلها منذ ما قبل هذه الحرب، ويجب الاعتراف بأن الحكومة لم تقدم خلال سنوات طوال أي مبادرات تستحق الذكر في هذا الشأن..
بالنظر إلى المشكلة نرى أن هناك عدة نواحي لا يجوز التهاون في تفنيدها..، لعل أهمها هو ضرورة الإسراع على المستوى الحكومي إلى البحث عن مبادرات تفح الباب باتجاه الحلول المنطقية، على الأقل بالبدء بطرح الأمر للنقاش العام والدراسة من خلال الإعلام لمناقشة هذه المشكلة الخطيرة على أسس موضوعية علمية وعملانية من أجل استنباط حلول مجدية بالمشاركة مع المجتمع الذي يعتبر الطرف المؤهل في هذه الحوارات لمناقشة حساسية العادات والتقاليد، وكذلك مناقشة التأثير الكبير للتشريعات الدينية التي غالباً ستكون عاملاً معيقاً للحلول، علماً أن أي نتائج قد تتمخض عن هذه الحوارات ستكون بمثابة استفتاء شعبي غير رسمي يمكن الاعتماد عليه في اتخاذ الإجراءآت المناسبة فيما بعد..
باختصار.. علينا أن ندرك أن حل هذه المشكلة لا يمكن أن يكون مسؤولية الدولة لوحدها أو المجتمع لوحده، ببساطة لأن المؤسسات الحكومية المعنية لا تبدو على المستوى المطلوب من الكفاءة للتصدي لهذه القضية، كما يبدو أنها لا تملك تشريعاتٍ مناسبة تساعد على اتخاذ إجراءآت بمعزل عن الدعم الشعبي المباشر، وبناءً عليه، إذا تبنّت الدولة رعاية برنامج ندوات اجتماعية حوارية تخصص لها مساحة في الإعلام السوري والصديق، يتم من خلال هذه الندوات الحوارية استقبال شرائح من المجتمع تشارك في النقاش مع مجموعات من مختلف ممثلي المؤسسات الحكومية والسلطات الاجتماعية والمنظمات الإنسانية الدولية المعنية بهذه المشكلة بكافة جوانبها، ولكي نكون موضوعيين، يجب ألا نستثني المؤسسات الدينية على اختلافها (المسيحية والإسلامية وغيرها) من التمثيل في هذه الحوارات، وذلك من منطلق أن دور المؤسسات الدينية في هذه المسألة بالذات يعتبر ضرورياً ولا يمكن تجاهل سطوتها على عادات وتقاليد المجتمع، وأهمية تعاونها في هذه القضية..، وبناءً عليه، يمكن التعويل على هذه الحوارات من أجل كسر معظم الحواجز النفسية والاجتماعية التي تشكل عائقاً يمنع المجتمع من الفهم والاستيعاب والمشاركة الفعالة في الوصول إلى حلول يحمل المجتمع مسؤوليتها من الناحية الأخلاقية والوجدانية، وتحمل الدولة مسؤولية تبنيها إدارياً وقانونياً، ودون شك سوف تتشكل لدى الحكومة عبر هذه الحوارات صورة دقيقة عما يمكن تقديمه من الناحية الاقتصادية لاستثمار دعم المجتمع لتبني هذه الحلول بطريقة تحقق الأهداف الوطنية...
