813 125

 

كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

ميثم محمد: إنه القدر

(1)

لم أكن قد تجاوزت الثانية عشرة من العمر عندما نزلت عائلة ضيوفا على جيران لنا. ضمت هذه العائلة أطفالا صغارا أكبرهم كانت تزيدني أشهرا. كنا جميعا سعداء باللعب في الحديقة الفاصلة بين منزلنا ومنزل جيراننا. وكانت الإبنة الكبرى مسؤولة عن العناية بأصغر أخواتها التي لم تكن قد بلغت الثالثة من عمرها. تأخذها لتلاعبها أثناء انشغال الوالدة. الإبنة الكبرى كانت تحب اللعب كثيرا فكانت تناولني أختها الطفلة لأحملها كي تتمكن هي من اللعب. كنت ألاعب هذه الطفلة حتى لا تبكي وإن بكت كنت أهدهدها حتى تسكن نوبة بكائها. أصبحت الصغيرة  صديقتي. وكلما رأتني كانت تسعى نحوي. وصارت تترك أختها وتأتي إلي. عدت يوما من مشوار لي مع أهلي. لم أجد العائلة في الحي ولم أجد الطفلة. انتظرت يوما ويومين عرفت بعدها أنهم قد غادروا.

(2)

تخرجت من الجامعة، سافرت سنوات قليلة خارج القطر عدت بعدها وأنهيت خدمة العلم ثم التحقت بعمل قريب من منزلي. في هذه الأثناء دعاني صديق لي لحضور حفل زفافه في مدينة أخرى غير مدينتي. لبيت الدعوة . كان المدعوون كثر: شباب وصبايا. ولم أعرف من الحضور أحدا غيره وأخوته. رقص العروسان، وعلى أنغام الدبكة قام الحضور وانضموا إلى العروسين. مد العريس يده وأمسك بيدي، سحبني إلى حلبة الدبكة. اعتذرت لأنني لا أتقن هذا الفن. قال: امشي قربي فقط.  مشيت قربه ندور في الحلبة. وقبل أن أنسحب أحسست بيد أخرى غير يده ممسكة بيدي. كانت يد أجمل فتاة رأيت. توقفت الموسيقى، جلس كل منا في مكانه قبالة الآخر. نتبادل نظرة أو ابتسامة بدون أية كلمة. عزفت الفرقة معزوفة راقصة أخرى. قام أحد الشباب وتوجه صوبها يدعوها للرقص. نظرتْ إلي كأنها تطلب الاذن فرفعتُ حاجبيَّ  مبديا عدم الموافقة. فاعتذرتْ من الشاب. سألت صديقي عنها. أعطاني تفصيلا بسيطا عنها: اسمها ودراستها. لم أكن أريد المزيد. رأيتها تهم بالمغادرة. اقتربت منها مسلما ومودعا. قدمت لها وردة بيضاء وقلت لها: إن شاء الله الحفلة القادمة ستكون حفلتك.

(3)

في اليوم التالي عدت إلى بيتي أمسكت بدليل الهاتف بحثت عن كنيتها. وجدت ثلاثة أسماء فقط يحملون نفس الكنية. اتصلت بالرقم الأول، فأجابني صوت كنت قد سمعت نغمته بالأمس. قلت لها: أنا فلان، أرجو أن تكوني قد سررت بحفلة البارحة. أكدت بأنها سرت. سألتها عن الوردة، قالت بأنها مازالت تحتفظ بها وستبقى. قلت لها: أراك غدا. قالت: نلتقي. طلبت عنوان بيتها وفي اليوم التالي كنت أقرع الباب. تعرفت إلى العائلة ولم يمض وقت طويل حتى طلبت يدها للزواج. خلال فترة الخطوبة اكتشفت أن الطفلة الصغيرة والتي كنت أحملها وألاعبها قبل عشرين سنة من تاريخ الخطوبة والتي غادرت منزل جيراننا مع أهلها ونحن أطفال صغار هي من صارت خطيبتي، وهي اليوم زوجتي وأم أولادي اثلاثة.

ميثم محمود محمد في ذكرى الخطوبة 7 شباط 1991