د. حبيب ابراهيم: جدائل..
تلميذة شقراء كانت... وكان لون شعرها يكتب كل حصّة جدائل تحتاج لمن يفكها كي يعرف أي أنامل رائعة أرّختها..
كنت أعطش عندما أنظر إلى لون بشرة وجهها لأنها تذكرني بلون الماء وهو يمر فوق رصيف من المرمر بعد أن ودّع للتو ثغر النبع.
أراقبها وهي في آخر مقعد في قاعة الدرس كيف تتنقل كفراشة في كل مكان دون أن تزعج أحدا، فتية، ذكية، لمّاحة وفواحة.. إلى حد التباهي المبالغ به والغرور...
إلا أنها مجرد طفلة.
دللّتها كثيرا في الدروس الأولى، وكنت أقطف من وجهها أجمل الألوان كأنني أعزف على ردّات فعلها، فتصدر طيفا لا متناهي من الموسيقى لتفرح النظر.
كانت كنز بهجتي، بكل ما تبديه من خفّة و رقّة و نباهة و ذكاء.
خدشتُ مرّة تلك الإلفة ما بيننا، لست أدري كيف ولا لماذا... شيء ما تعطل بيننا، توقفت عن الزقزقة، ولم تعد تتبدل الألوان على وجنتيها، حيّدت لون عينيها فلم أعد أرى سوى لوحة تضمر ملامح أخفاها الفنان الذي أبدعها.
في نهاية الدوام الطويل جدا غادرنا أنا وزميل لي اعتدنا هو وأنا على رفقة الدرب حيث كنا نمشي بضعة أمتار لنصل إلى موقف الباص الذي يقلنا إلى المدينة، أتى الباص فاستقلته بعض الطالبات وبعض المدرسين الذين لا وسائط شخصية تنقلهم، وكانت ذات الجدائل الشقراء أول الصاعدين بعد أن تخلفت عن الذهاب بسيارة والدها الخاصة.
بضع دقائق من الجلبة مرّت حتى أتى الجابي ليجمع الأجرة من الركاب، حينها بادرت تلميذتي بدعوة الجابي وأنقدته كمية من المال مشيرة إلى الأشخاص الذين قامت بالدفع عنهم، فعددت أكثر من ثلاثة أو أربع مدرسين ومدرسات وبعض الطالبات... و تجاهلتني أنا.
ضحكت في قلبي، وابتسمت في العلن، دفعت أجرة ركوبي في الحافلة و مضينا...
في الأيام اللاحقة كنا نتبادل النظرات الممزوجة بالعتب والحزن والفرح المتبادل بوصول رسائل المحبة غير المعلنة، و كنت أردد في نفسي:
ما أجمل أن تتحول الطفلة فجأة إلى امرأة جميلة.
بعد عقدين و نيف من الزمن عدت أقرأ رسائل الجدائل بعد أن أنضجها العلم والمعرفة والسفر.. هي الآن سيدة لا يمكن أن تكون إلا هكذا من الأناقة والرقي والحسن.. نتبادل نفس الرسائل غير المعلنة عبر وسائل الاتصال الاجتماعي..
أنا أفصح أحيانا عن شوقي... وهي... ما تزال تجامل الكل.. وعني.. لا تدفع.
و أقول في نفسي: ما أجمل أن تكون المرأة دائما طفلة.
