آل العمر في الدريكيش بيت القناطر وذاكرة الشماسنة ووجاهة السرايا
2026.05.16
سيمون خالد علي
ثمة بيوت تقرأ من خلال الحجر الراسخ والسجل المحفوظ والبيت الفسيح الذي يقول لكل عابر هنا يقيم من له شأن. آل العمر في الدريكيش من هذا الصنف.
الدريكيش اسم مشتق من الآرامية السورية القديمة ومعناه المحطة الصغيرة، اذ كانت فعلا محطة من يتنقل بين طرطوس ومصياف، بين الساحل والداخل، بين طرابلس وحمص. وحين دخل العثمانيون سوريا سنة 1516 وجعلوا من بلاد صافيتا قائمقامية تابعة للواء طرابلس الشام، اختاروا الدريكيش مركزا لها. وقد تناوبت الدريكيش وصافيتا على احتضان هذه السلطة قرونا، وكان للدريكيش منها نصيب الاسد في حقب متفرقة. وقد ظل هذا المجال كله موصولا بطرابلس حتى الحادي والثلاثين من اب 1920، حين فصل الجنرال غورو صافيتا عن طرابلس بقراره رقم 318، وهو الفصل الذي اعاد رسم خريطة الصلات الاجتماعية والاقتصادية بين الدريكيش ولبنان وعكار.
المجال الواسع الممتد من سهل عكار الى البيرة ومن تلكلخ الى الشيخ بدر، تعاقبت بيوت السلطة وتنافست على النفوذ. آل سيفا كانوا الاول من 1450 حتى 1640، ثم جاء آل شمسين فأمسكوا بزمام الامور من 1640 حتى 1840، وكانت قوتهم تقوم على الميري والجباية والسلاح وحماية الطرق والعلاقة المتينة بولاة طرابلس. وبجوارهم كان آل حمادة والرسلان وخير بك شركاء في خريطة السلطة المحلية حتى سنة 1858. وبعد سنة 1864 تبدلت ادوات النفوذ وتوسعت دائرة المشاركين فيه، اذ دخل مجال مجلس الدعاوي والادارة اسر جديدة منها آل العباس وآل الحامد وآل بشور وآل اسماعيل يونس وآل ملحم رسلان، مع استمرار دور آل شمسين عبر فروعهم المتعددة من بيت اسكندر وكنج ودرويش وصافي وصقر.
في هذا العهد الشمسيني كانت الدريكيش قصبة مالية تحسب بالارقام ، اذ عمل فيها بعض العوازقة الاسماعيليين في جباية اموال الميري واعمالها الحسابية لدى بيت شمسين، وصار لهم بمرور الوقت ثروة ووجاهة واستقر قسم منهم في الدريكيش والقصيبية.
المرحلة الفارقة حين انشا اسماعيل خير بك حكومته في الدريكيش بين عامي 1854 و1858 وبنى فيها دار السرايا، فصارت تعرف حينها بدريكيش الحكم. كانت السرايا رمزا ماديا للدولة الحاضرة في هذه الجبال، ووجودها حوّل الدريكيش من قصبة حسابات الى مركز ادارة فعلي. وحول هذا المركز نشأت طبقة الاعيان والافندية والاغنياء الذين يبنون بيوتهم من الحجر والقرميد ويستعينون بالبنائين المحترفين. في هذه الفئة يرد اسم آل العمر.
يذكر المؤرخ منير عبد الحميد صقر في كتابه عن تاريخ صافيتا في العهد العثماني ان من امثلة بيوت الافندية والاغنياء في الدريكيش: سرايا اسماعيل خير بك وآل العمر. وللفهم الصحيح لهذه الاهمية لا بد من استحضار الفارق المعماري الحاد الذي كان يفصل بين طبقتين لا تلتقيان: بيت الفلاح كان من الحجر الغشيم والطين، مؤلفا من غرفة كبيرة واحدة وسقفه من الخشب والتراب. اما بيت الوجيه والافندي فكان متعدد الغرف وذا سقف قرميدي يحتاج في بنائه الى بنائين محترفين، وهو النمط الذي دخل الى سوريا ولبنان بعد منتصف القرن التاسع عشر قادما من اليونان والبلقان.
في مطلع القرن العشرين بلغ عدد سكانه الدريكيش نحو 1500 نسمة وجاءت في المرتبة الثانية بعد صافيتا التي بلغت نحو 2500 نسمة. وفيها سنة 1913 بنيت اول مدرسة ابتدائية حكومية للذكور في القضاء، وهي الاولى من بين ثلاث مدارس على مستوى القضاء كله، ثم افتتحت سنة 1914 مدرسة للبنات.
داخل هذه البيئة الجامعة بين الادارة والتعليم والعمارة والوجاهة، تتشكل صورة آل العمر عبر ثلاثة اسماء يمثل كل منها زمن مختلف من الحضور.
الاول هو عبود بك العمر، المعروف ايضا باسم عبود بك افندي. وهو الاسم الذي حفظته الذاكرة العائلية والمحلية مرتبطا بـ بيت القناطر الثلاث في الدريكيش، وبمرحلة الوجاهة العثمانية . يمثل عبود بك البعد العمراني والاجتماعي في تاريخ آل العمر، البيت الحجري الواسع، بقناطره وواجهته، علامة على انتقال النفوذ من الميري والجباية الى الارض والطابو والعمارة. توفي سنة 1918 في مصح بحنس في لبنان، بعيدا عن داره في الدريكيش، حيث قضى مرحلة مرضه الاخيرة في منشأة استشفائية كانت تقصد للعلاج.
والثاني هو عبد الرحيم خضر العمر، وهو الاسم الذي يمثل البعد الثقافي والادبي للعائلة. يرد اسمه ضمن اصحاب الكتابة والشعر والنشاط الثقافي في بلاد صافيتا، في جداول تضم اسماء من بيت شمسين وغيرهم من الكتاب والنساخ والشعراء المحليين. وهذا الحضور يثبت ان آل العمر كان لهم امتداد داخل البيئة الثقافية التي اعتمدت على الكتاتيب، والمشايخ، والنسخ، والشعر، والتعليم الاهلي في اواخر العهد العثماني.
والثالث هو راشد العمر، وهو الاسم الذي يمثل البعد العشائري والسياسي في ملف آل العمر. فقد ورد اسمه في زعامة فخذ الشماسنة من عشيرة الحدادين في قضاء صافيتا، الى جانب محمد انيس شمسين. وهذه المعلومة تضع الاسمين داخل فخذ واحد وبنية عشائرية مشتركة. وتزداد اهمية راشد العمر من خلال ارتباطه بـ برقية الوحدويين الصادرة من اللاذقية في 2 تموز 1936، والموجهة الى وزير الخارجية الفرنسي في باريس، يرفض التقسيم ومقاومة مشروع فصل الساحل عن سوريا.
وتجدر الاشارة الى ضرورة التمييز بين شخصيتين يتقاطع اسماهما ظاهرا ويفترقان جذريا في الحقيقة: عبود بك العمر من الدريكيش المرتبط ببيت القناطر ووفاة مصح بحنس سنة 1918، وعبود بك عبد الرزاق المرعبي الذي ينتمي الى برقايل في عكار ويختلف اختلافا تاما، اذ تتصل اخباره بقصر برقايل والسياسة اللبنانية واغتيال سنة 1958.
---------------------------------------------
المراجع
منير عبد الحميد صقر، تاريخ صافيتا في العهد العثماني 922-1337هـ / 1516-1918م، الطبعة الأولى، 2011.
محمد هواش، عن العلويين ودولتهم المستقلة، الشركة الجديدة للمطابع المتحدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1997.
موقع التاريخ السوري المعاصر، عشيرة الحدادين العلوية في سورية.
بسام عيسى القحط، مقاطعة صافيتا: التاريخ الاجتماعي والاقتصادي 1790-1832م، دمشق: دار الفتاة، 2002.
شادي عبده مرعي، «التمرد العلوي خلال حملة إبراهيم باشا على ولاية طرابلس 31 آذار 1832 – نيسان 1835»، مجلة الشرق الأوسط للعلوم الإنسانية والثقافة، 2024.
Stefan Winter, A History of the ‘Alawis: From Medieval Aleppo to the Turkish Republic, Princeton: Princeton University Press, 2016.
Stefan Winter, The Shiites of Lebanon under Ottoman Rule, 1516–1788, Cambridge: Cambridge University Press, 2010.
سجلات المحكمة الشرعية في طرابلس، وخاصة السجلات المتعلقة بـ صافيتا، بيت شمسين، الالتزام، الميري، دندش الصقر، القدموس، الدريكيش.
عادل إسماعيل، لبنان: وثائق دبلوماسية وقنصلية عن الوثائق الفرنسية.
محمد كرد علي، خطط الشام.
الأمير حيدر الشهابي، الغرر الحسان في أخبار أبناء الزمان.
إبراهيم عورا، تاريخ ولاية سليمان باشا العادل.
الأب إغناطيوس طنوس الخوري، مصطفى بربر آغا.
عزة دروزة، العرب والعروبة.
هاشم عثمان، تاريخ العلويين: وقائع وأحداث.
محمد خونده، تاريخ العلويين وأنسابهم.
فاروق حبلص، تاريخ عكار.
حكمت بك شريف، تاريخ طرابلس.
رفيق بهجت بك ومحمد بهجت التميمي، ولاية بيروت: القسم الشمالي.
عبد العزيز عوض، ولاية سورية.
مسعود ضاهر، الجذور التاريخية للمسألة الطائفية اللبنانية.
فرج توفيق زخور، بربر آغا.
بول هنري بوردو، الليدي ستانهوب في الشرق.