طاهر ربيع معلا.. مدرّس اللغة العربيّة
2025.09.07
محسن سلامة
في الصفّ الثامن عام ١٩٦٢م كانت قاعتي في البهو، الطابق الثاني، من ثانويّة تجهيز بنين طرطوس غرباً.
في اليوم الأوّل من العام المدرسيّ الحصّة الثالثة، دخل المدرّس الجديد، نحيل بعض الشيء، طويل القامة، في محيّاه سكينة، ونور خفيّ يشعّ من عينيه فيهما بشائر الطيبة والمحبّة، وجلال العلم والمعلّم.
ولأنّي في المقعد الأوّل فاض عبق عطر حقيقيّ شفيف من هذه القامة الإنسانيّة الراقية عمّ المكان كلّه.
وقف أمام السبّورة قبالة الجميع، وقال بصوت متّزن هادئ لطيف بشوش: أنا أستاذكم، أستاذ اللغة العربيّة طاهر معلا ربيع.
عمّ القاعة صمت شديد، كأنّ الطير على رؤوس الجميع، ثمّ استدار يكتب على السبّورة بخطّ ناعم دقيق بمهارة خطّاط فنّان في رسم الحروف على طريقة خطّ الرُّقعة الخطّ السهل الواضح الواقعيّ المدرسيّ.
بدأنا نكتب خلفه، الذكيّ المجدّ المجتهد منّا مَنْ بدأ يقلّد الأستاذ في رسم الحروف بهذا الشكل البديع الأخّاذ الساحر.
. قال الشاعر الجزّار:
. ودارُ خرابٍ نزلتُ بها
. ولكنْ نزلتُ إلى السابعه
. فواللّهِ ما نمتُ في أرضِها
. ولا طلعتْ لي بها طالعه
. تساورُها هفواتُ الزمانِ
. فتُصغي بلا أُذُنٍ سامعه
. و أخشى بها أن أُقيمَ الصلاةَ
. فتسجدَ حيطانَها الراكعه
. إذا ما قرأتُ إذا زُلزِلَتْ
. خشيتُ بأن تقرأَ الواقعه
بدأ يقرأ الأبيات بذلك الصوت الرخيم، كأنّ لأرواحنا أفواه تشدو، وقلوب تصغي بعمق شديد، إيقاع صوته الهادئ الشجيّ، وبكلّ عذوبة راح ينقل الأشياء كأنّنا نراها عياناً، يتلوّن بصوته السحريّ كتلوّن تلك الدار ما بين حيطانٍ متصدّعةٍ وسقفٍ متداعٍ،
واللّه كأنّنا لأوّل مرّة نسمع باللغة العربيّة، هذا البيان وهذا السحر وهذا العزف يعكس صور الحياة والأشياء، لم نسمعه من معلّم في حياتنا من قبل، ولا من عربيّ.
وصلتنا رسالة المعلّم من هذا الأداء الفريد العجيب لطاقات اللغة العربيّة، هي تنشأ من همسات هذا الصوت وصف دار خراب، كأنّنا بإيقاع نبرات صوته نلمس لوحة حقيقيّة لدار هجرها سكّانها ولا شيء سوى الوحشة والتوحّش المكانيّ والإنسانيّ.
كأنّ أحدنا في بلاد الغربة، قوافل المهاجرين، تركوا بيوتاً بنوها مدماكاً مدماكاً، ليرموا أنفسهم في المجهول في هذا العالم الذي لا يرحم.
استطاع هذا المدرّس الأسطورة أن يدخل القاع من خلايا ذاكرتنا سنين خلت لأجداد غابوا خلف البحار سعياً وراء لقمة عيش كامنة في فم السبع، وغابت معهم شمس آمالهم وأحلامهم، تذكّرت والد جدّي عيسى عَثَرَتْ به الآمال في مجاهيل أمريكا ومات هناك وحيداً ترك في القلب غصّة وفي العين دمعة.
نعم بمثل هذا المدرّس العظيم تتحوّل النصوص الشعريّة إلى حياة مُعاشة قلباً وقالباً.
ختم الدرس بشاهد للشاعر الياس فرحات في بلاد الغربة يصف المأوى الذي عاش تفاصيله المشابهة:
ننامُ بأكواخٍ خلتْ من أناسها
وقام عليها البوم يبكي وينعبُ
صورة ساخرة، المضحك المبكي، أكواخ هجرها سكّانها ولا مؤنس بها سوى نعيب البوم.
رحمك اللّه أيّها العظيم ابن رجل عظيم من هذه الأمّة من تاريخها المجيد العلّامة الشيخ الجليل القدر والمكانة معلا ربيع.