كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

"الحاج معلا" المسجد والمدرسة والمائدة

سيمون خالد علي

 في قرية بيت الحاج معلا، ضهر رجب، في ريف صافيتا بمحافظة طرطوس، يقوم جامع قديم حمل اسم رجل أصبح اسمه علَماً على القرية كلها، الحاج معلا.
يقع هذا الجامع ضمن حزام من القرى التي شهدت في القرن التاسع عشر نهضة دينية وتعليمية ريفية، إلى جانب جامع الدريكيش، وجامع بيت الشيخ يونس، وزاوية الشيخ عمران الزاوي في ضهر بشير، و مدرسة الطليعي.
وُلد الشيخ معلا نحو سنة 1200 هـ / 1785 م، في زمن كانت فيه قرى الساحل السوري تعيش بين العزلة الجبلية وشُح المؤسسات الدينية.
عائلة عريقة في الشرف والعلم
الشيخ معلا بن الشيخ حسن بن الشيخ حيدر بن الشيخ سعد بن الشيخ محمد...
وتستمر عبر أسماء علماء متعددة تمتد عبر مواضع متفرقة في الساحل والجبل
الشيخ يحيى في سويدة صافيتا، والشيخ غريب في حريصون، والشيخ ميهوب في قلعة العليقة، والشيخ عبد الله في الحطانية، والشيخ محمد المعلم النجراني، حتى تنتهي إلى وتنتهي الرواية النسبية للحاج معلا إلى يحيى المعروف بالبرمكي، المشهور بالتنوخي، الملقب بالكابلي. وهي صيغة تجمع بين الوجاهة العباسية، والامتداد التنوخي الشامي، ولقب كابلي.
خريطة ذاكرة تربط الحاج معلا بشبكة من البيوتات الدينية في الساحل، عبر قرى
سويدة صافيتا، والقصير، وطيرو، و حريصون، وقلعة العليقة، والحطانية وغيرها.
موطنه الأصلي قرية حصين البحر، ثم انتقل منها إلى ضهر رجب، ورافقه في هذه الهجرة ابن أخيه الشيخ سعد، والد الشيخ عبد الكريم سعد الشاعر والقاضي المعروف.
كثيراً من القرى الجبلية في ريف صافيتا تشكلت حول بيت علم أو مقام أو جامع أو مضافة. فحين ينتقل رجل ذو مكانة إلى موضع ويبني فيه مركزاً دينياً وتعليمياً، يتحول اسمه إلى معلم جغرافي. وهذا ما جرى مع الحاج معلا، صار اسمه اسماً للبيت، ثم للقرية، ثم للجامع، ثم للذاكرة الجماعية كلها.
تُمثّل رحلة الحج المحطة الفاصلة في سيرة الحاج معلا.
عزم على أداء فريضة الحج نحو سنة 1246 هـ / 1830 م، اتفق على السفر مع الشيخ محمود حسين من بعمرة، غير أن الأخير عاد من منتصف الطريق لأسباب صحية، وقد توفي بعد ذلك بقليل سنة 1249 هـ ودعا قبل عودته للحاج معلا بالتوفيق والسلامة. ورافقه في الطريق خادمَه أو مرافقه الحاج علي.
واصل الحاج معلا رحلته، وكان الطريق البري إلى الحجاز شاقاً على حجاج القرى الجبلية، يحفّه العطش والمرض ووعورة المسالك وأحياناً هجمات البدو على القوافل. وتحفظ الذاكرة المحلية حادثة محورية في طريق الحج، هي حادثة البئر: حين اشتد العطش على القافلة وشارفت على الهلاك، اهتدى الحاج معلا إلى بئر مطمور كان سبباً في نجاة الحجاج عاد الحاج معلا إلى قريته حاملاً هيبة الرجل المجرَّب الذي عبر الطريق ونجّى القافلة ووصل إلى البيت الحرام.
بعد أداء الفريضة زار مصر، واتصل بخريجي الجامع الأزهر، واستحضر معه أحدهم ليتولى تعليم أبناء منطقته في ضهر رجب. وقد أورد الشيخ محمود الصالح في كتابه "النبأ اليقين عن العلويين" أن الحاج معلا استحضر معه أحد خريجي الجامع الأزهر لتلقّي دروس تجويد القرآن وتعلّم قواعد اللغة العربية على طريقة الأجرومية وغيرها.
كان الأزهر في تلك المرحلة من أبرز مراكز التعليم الإسلامي واللغوي في العالم العربي.
كان يُجوِّد من ماله الخاص لنشر العلم، ويشتري الكتب الدينية والأدبية من مصر ويوزعها على الناس.
بعد عودته من الحج ومصر، سعى الحاج معلا إلى تجسيد مشروعه في بناء قائم. فشيّد جامعاً في قريته تُقام فيه الصلاة والشعائر الدينية، وسعى إلى الحصول على صك أو رخصة رسمية تُجيز إقامة الجامع.
الصك رافقته امتيازات اقتصادية، منها إعفاء أراضٍ بور محيطة بالجامع من ضريبتي المال والعشر، واعتبارها وقفاً لخدمة الجامع. الأرض الموقوفة تعني مورداً دائماً ينفق على المسجد والمعلم والطلاب والضيافة وصيانة البناء.
قام الجامع على أربعة أعمدة متداخلة:
الإذن الرسمي (الصك أو الرخصة) الذي أعطى البناء شرعية ظاهرة.
الوقف الذي حوّل الأرض من مورد زراعي إلى مورد ديني وتعليمي.
التعليم عبر المعلم الأزهري والكتب القادمة من مصر.
الضيافة والمائدة اللتين جعلتا الجامع مركز رعاية.
الجامع مدرسةً، القرآن والأجرومية وبداية التعليم المنظم
مدرسة ريفية مبكرة سبقت التعليم الرسمي الحديث. كان التعليم فيه يقوم على ثلاثة محاور متدرجة:
أولاً: تجويد القرآن الكريم، وهو المادة الأساسية التي قام عليها كل شيء. كان الطالب يتعلم القراءة من النص القرآني، ثم يضبط مخارج الحروف وأحكام التلاوة على يد المعلم الأزهري.
ثانياً: مبادئ اللغة العربية بدءاً بمتن الأجرومية، وهو المدخل الأشهر إلى النحو في المدارس التقليدية. الأجرومية أداة تنقل الطالب من التلقي الشفهي إلى الفهم المنظم، يعرف الفاعل والمفعول والمبتدأ والخبر، ويستطيع تالياً قراءة النص الديني والرسالة والقصيدة والخطبة. في مجتمع يعاني شُح المدارس، كان تعليم الأجرومية عملاً نهضوياً حقيقياً.
ثالثاً: تداول الكتب الدينية والأدبية، إذ كان الحاج معلا يستجلب الكتب من مصر ويوزعها.
تبرز أهمية هذه المدرسة حين تُقارَن بنظيراتها في ريف صافيتا؛ ففي بيت الشيخ يونس أيضاً نجد الجامع والتعليم والقرآن والنحو واستقبال الطلاب. والجامعُ القاسمُ المشترك أن التعليم الديني في الساحل السوري كان مشروعاً عائلياً واجتماعياً منظماً، سبق المدرسة الحكومية الحديثة بعقود.
مائدة أسبوعية التي كان يُقيمها آل الحاج معلا جسراً أصيلاً بين العلم والمجتمع. في الريف الجبلي القديم، المائدة المفتوحة علامة وجاهة ومسؤولية عامة، البيت الذي يُطعم الناس يُعلن أنه بيت خدمة ومن هنا ارتبطت بيوت المشيخة القديمة بالمضافات والمنازل المفتوحة: العلم والضيافة كانا يسيران معاً دائماً.
تحوّل الجامع إلى ذاكرة عائلية وروحية حية. للحاج معلا قبة قديمة ضمن بناء الجامع وسط القرية، تضم مقامه الكريم، وإلى جانبه مقامات أولاده الثلاثة: عبد الرحمن، وعبد الحق، وعبد اللطيف. دفن الحاج معلا وأولاده في نطاق الجامع.
استمرارية الخط العلمي تظهر في شخصية الشيخ عبد اللطيف أحد أبناء الحاج معلا، امتداداً علمياً وروحياً لوالده. و كذلك الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف من رجال العلم والعمل والشعر.
الشيخ عبد القادر الحفيد خطب وهو صغير أمام وفد من طرابلس الشام، فأدهش الحاضرين بفصاحته و هناك كتاب منسوب إلى العائلة بعنوان "في سبيل المجد" لعبد الحميد بن عبد الوهاب الحاج معلا.
وردت مدائح في الحاج معلا وأبنائه، منها ما نُسب إلى الشيخ حسين الاحمد، لان الشعر في المجتمعات الريفية القديمة كان وسيلة توثيق اجتماعي: به تُحفَظ المناقب، وتُثبَّت المكانة، وتنتقل الأخبار من جيل إلى آخر.
الحاج معلا ترك اسمه في اسم القرية وفي ذاكرة العائلة وفي مقام القبة وفي خط تعليمي ديني امتد في أبنائه وأحفاده. صار "بيت الحاج" اسماً لمؤسسة اجتماعية وروحية كاملة سبقت المدرسة الحديثة، ونبعت من داخل المجتمع.
ومن هذا الجامع وأمثاله في الطليعي و بيت الشيخ يونس وبيت الشيخ عمران الزاوي والدريكيش، نستطيع أن نقرأ الفصل الأول من تاريخ النهضة الدينية والتعليمية في الساحل السوري خلال القرن التاسع عشر، نهضة صنعتها القرى بأيدي رجالها، واحتفظت بها الذاكرة الجماعية في الأسماء والمقامات والأغاني والقبب.
المراجع والمصادر
محمود الصالح، النبأ اليقين عن العلويين.
إياس حسن، الحركة الإصلاحية عند العلويين من خلال قراءة تراجم شيوخهم في القرن التاسع عشر.
هاشم عثمان، تاريخ الشيعة في ساحل بلاد الشام الشمالي.
أميل عباس آل معروف، تاريخ العلويين في بلاد الشام.
الرواية المحلية المنقولة عن زين العابدين رمضان وصفحة وسيم حسن حول نسب الحاج معلا ورحلته وجامعه.