كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

على عتبات ذكرى دخول الجيش العربي السوري الى لبنان

علاء الدين تلجبيني

في 31 أيار 1976، وبعد نقاشات حادة استغرقت وقتاً طويلاً، اتخذ حافظ الأسد قراره: سيرسل القوات إلى لبنان.
في الأول من حزيران 1976 دخلت القوات العسكرية السورية إلى لبنان. طبعاً لم يكن هذا التدخل الأول من نوعه، فقد تسللت قوات الصاعقة إلى لبنان منذ مطلع الحرب الأهلية، كما أُرسلت أعداد محدودة من القوات بعد حصول نظام الأسد على موافقة أمريكية وعدم ممانعة إسرائيلية. غير أن التدخل الصريح والعلني والرسمي كان في الأول من حزيران 1976
لو عدنا إلى تلك الفترة وحاولنا قراءة الأمر وفق ظروف زمانه، فما هي الأسباب التي جعلت حافظ الأسد يدخل لبنان ويحارب منظمة التحرير الفلسطينية وينحاز إلى القوى الانعزالية؟ سأورد بعض العوامل والأسباب التي أدت إلى التدخل السوري المباشر في لبنان، على أن يتم الحديث عن التدخل نفسه في 1 حزيران، في ذكرى مرور خمسين عاماً على حدوثه 1 حزيران.
اعتبر البعض أن التدخل، بما حمله من تنسيق مع الإسرائيليين عبر الأمريكيين، مثّل سياسة مختلفة ومعارضة تماماً لصلابة الخطاب البعثي المعهود تجاه إسرائيل والإمبريالية. ورغم أن وزير الخارجية خدام نفى وجود أي تنسيق مع الأطراف الخارجية حيث قال خلال اجتماع وزراء الخارجية العرب في كولومبو في آب 1976: «لم نطلب من أحد تصريحاً بدخول لبنان، ولن نطلب من أحد تصريحاً للخروج منه»، إلّا أن الأسد الأب صرح في مقابلة مع المبعوث الأمريكي ماكفرلين عام 1976 بأن واشنطن شجعت سوريا على دخول لبنان لضبط الأوضاع هناك.
لا يمكن ردّ القرار السوري إلى سبب واحد. فالمؤرخون الذين تناولوا تلك المرحلة قدموا تفسيرات متعددة، بعضها داخلي وبعضها إقليمي ودولي، وربما كان القرار النهائي حصيلة تداخل هذه العوامل جميعها أكثر مما كان نتيجة عامل منفرد.
مسائل تتعلق بالمؤسسة العسكرية في سورية
تحولت المؤسسة العسكرية السورية في مطلع السبعينيات إلى أحد الأعمدة الرئيسية للنظام السياسي. ويرى بعض الباحثين أن هذا التوسع لم يكن مجرد استجابة لاعتبارات الصراع مع إسرائيل، بل كان أيضاً جزءاً من آلية بناء السلطة وتثبيتها. ومن هذا المنظور يمكن فهم التدخل في لبنان بوصفه وسيلة لتوظيف القدرات العسكرية المتنامية للدولة ضمن أدوار خارجية تخدم اعتبارات الأمن والنفوذ والاستقرار الداخلي في آن واحد.
مسائل تتعلق بمفرزات حرب تشرين 1973
بعد خروج مصر تدريجياً من معادلة الصراع العسكري مع إسرائيل، وجدت سوريا نفسها تمتلك جيشاً كبيراً ودوراً إقليمياً آخذًا بالتراجع. ومن هنا يمكن النظر إلى الساحة اللبنانية باعتبارها إحدى الساحات التي سمحت لدمشق بتحويل قوتها العسكرية إلى نفوذ سياسي وإقليمي.
على الصعيد الاقتصادي، يشير مسعود الخوند في موسوعة الحرب اللبنانية إلى أن سوريا واجهت في مطلع عام 1976 ضغوطاً اقتصادية متزايدة تمثلت في توقف ما وصفه بالازدهار المفاجئ الذي شهدته البلاد بعد حرب تشرين، نتيجة تراجع المساعدات النفطية العربية وإيقاف مشاريع استثمارية قُدرت بنحو 500 مليون دولار. كما أدى قرار العراق وقف ضخ نفطه عبر الأراضي السورية إلى خسائر إضافية للاقتصاد السوري. وبحسب المصدر نفسه، ترافقت هذه التطورات مع عودة أعداد من العمال السوريين من لبنان، ولجوء عدد كبير من اللبنانيين إلى سوريا هرباً من الحرب، ما زاد من الضغوط الاجتماعية والاقتصادية. وقد أشار حافظ الأسد في خطاب له بتاريخ 20 تموز 1976 إلى أن موازنة السنة انخفضت من 16.6 مليار ليرة سورية إلى 10 مليارات ليرة.
على الصعيد تصفية الحسابات الداخلية والتي بقيت معلقة منذ أحداث حماه 1964 و لم تجد لها حلا
شهدت سوريا في مطلع عام 1976 تصاعداً في التوترات الأمنية، خصوصاً في مدينة حماة. وكانت هذه الاضطرابات قد جاءت على خلفية اعتقال الشيخ مروان حديد ووفاته لاحقاً في المعتقل، وما تبع ذلك من أعمال عنف واغتيالات استهدفت مسؤولين وعناصر أمن. وفي تلك الفترة كانت مجلة «النذير» الناطقة باسم جماعة الإخوان المسلمين قد أعلنت الثامن من شباط موعداً لانطلاق ما وصفته بـ«النضال العام» ضد النظام، الأمر الذي زاد من مخاوف السلطة من اتساع دائرة المواجهة الداخلية في وقت كانت المنطقة تشهد تحولات سياسية وأمنية متسارعة فكان التوجه نحو لبنان ضرورة لاجهاض اي عمق محتمل لانتفاضة اسشتعر النظام أنها أتية لامحالة.
النظرة السورية للكيان اللبناني (الخاصرة الرخوة)
في 6 كانون الثاني 1976 عقد أركان الجبهة اللبنانية اجتماعاً طرحوا فيه مسألة تقسيم لبنان لحماية الموارنة ومقاومة ضغط الفلسطينيين وحلفائهم من اليسار والمسلمين. فجاء الرد سريعاً في اليوم التالي من وزير الخارجية عبد الحليم خدام: «كان لبنان جزءاً من سوريا ولسوف نعيده لدى أي محاولة فعلية للتقسيم، فلبنان إما أن يكون موحداً وإما أن يعود إلى سوريا». ويعكس هذا الأمر نظرة الحكومات السورية المتعاقبة منذ الاستقلال إلى لبنان ككيان منفصل عن سوريا، وعدم رغبتها لفترة طويلة في إنشاء سفارة بين البلدين.
فرضية تحالف الأقليات
تبقى المسألة الأكثر تعقيداً، والتي اختلف حولها كثير من المؤرخين: هل كان حافظ الأسد يسعى إلى حماية المسيحيين من الزوال عن أرض لبنان انطلاقاً من فكرة «تحالف الأقليات»؟ لقد بدا ذلك واضحاً في خطابه الشهير في 20 تموز 1976، وفي حديثه عن لقائه بكمال جنبلاط وما قاله له الأخير بعد علمه بالتدخل السوري في لبنان: «سوريا تفوت علينا فرصة لن تتكرر». كانت الحركة الوطنية آنذاك قد حاصرت الموارنة، ويقول جوزيف أبو خليل، القيادي الكتائبي، إنه بعد خطاب الأسد في تموز 1976 قال الشيخ بيار الجميل: «لماذا الاحتماء بالغرب أو بالأم الحنون فرنسا، طالما أن سوريا العربية هي الملاذ!».
تبقى مسألة أخيرة، وربما تكون الأكثر جوهرية: هل كان حافظ الأسد مستعداً لأن يسمح لياسر عرفات بالسيطرة على لبنان، وأن يصبح صاحب الكلمة العليا في القضية الفلسطينية؟
بعد مرور خمسين عاماً على ذلك القرار، ما زالت الأسئلة التي أحاطت به حاضرة: هل كان التدخل دفاعاً عن لبنان أم عن النظام السوري؟ هل كان حماية للمسيحيين أم سعياً لمنع قيام دولة فلسطينية داخل دولة لبنانية؟ هل كان دفاعاً عن وحدة لبنان أم تثبيتاً للنفوذ السوري فيه؟ ربما تختلف الإجابات، لكن المؤكد أن قرار الأول من حزيران 1976 كان أحد أكثر القرارات تأثيراً في تاريخ المشرق الحديث."