كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

مروان حديد

بقلم الحموي قيصر
إن القراءة النقدية لسيرة مروان حديد تُمثّل مسألة شائكة في الوجدان المحلي الحموي إذ تحولت شخصيته لدى أطياف واسعة إلى رمز أسطوري يُختزل فيه الخيار العسكري ومواجهة السلطة. وأدى ذلك في الأوساط الثورية والشعبية إلى إحاطة مسيرته بهالة شبه قدسية ترفض التوقف عند الأخطاء التكتيكية والفكرية الحادة التي نجمت عن منهجه والتي أدت عملاً بكلفة إنسانية ومجتمعية على المدينة و على حساب رجال دين حمويين كانوا مدعاة فخر لحماة و للعالم الإسلامي.
أولاً: النهج الدعوي الأصيل في حماة
تميزت حماة لقرون طويلة بنموذج ديني وشرعي فريد قائم على المرجعية الفقهية الراسخة (الشافعية والحنفية) والتصوف الأخلاقي والمجتمعي (ولا سيما الرفاعية والشاذلية) بعيداً عن التسييس العنيف أو الصدام المباشر. وترسخ هذا النهج في حماة منذ القرن الثاني عشر الميلادي (القرن السادس الهجري) على يد علماء ومتصوفة استقروا فيها ونشروا علومهم الروحية كـالشيخ علي بن محمد الإدريسي الحموي (ت 503 هـ) رائد مدرسة الزهد المبكرة والشيخ جندل بن محمد الثعلبي (ت 591 هـ) صاحب أقدم زوايا التربية بالمدينة والشيخ علي بن أبي بكر الهيتي الذي أقام فيها ونشر الطريقة الرفاعية مما جعل حماة حلقة موصولة من التزكية والتصوف الأخلاقي عبر القرون.
وكان العلماء يمثلون الأب الروحي للمدينة معتمدين على الكتاتيب ودروس المساجد وتزكية النفوس وتغليب فقه درء المفاسد وحماية السلم الأهلي.
وقد برزت في هذا المنهج الدعوي قامات وعوائل تاريخية خلال القرن الماضي منها: الشيخ محمد الحامد (المرجع الأول والمجدد) والشيخ سعيد النعسان (المفتي) والشيوخ الكثر من آل عثمان آغا الجابي مراد الشقفة الدندشي الصباغ والكيلاني و عوائل آخرى .
ورغم إعلان الدكتور مصطفى السباعي (ابن مدينة حمص ومؤسس حركة الإخوان المسلمين في سوريا) انخراط الإسلاميين في معترك السياسة ودخول البرلمان.
فإن علماء حماة الدعويين آثروا العزوف والابتعاد عن مسار (الإسلام السياسي) والدخول في اللعبة الحزبية. لقد اعتبر مشايخ حماة أن رسالتهم الأساسية هي حراسة الدين والتربية الأخلاقية والتزكية والحفاظ على التماسك المجتمعي ويرون أن زج المؤسسة الشرعية في التجاذبات السياسية والصراعات على السلطة يُضعف دورها الروحي ويُعرّض المجتمع الحموي لردود فعل أمنية وسياسية هو في غنى عنها.
ثانياً: سيرة مروان حديد ونشأته المغايرة
ولد مروان حديد عام 1934لأسرة متوسطة تعمل في التجارة والزراعة ولم تكن أسرته من بيوتات العلم الشرعي أو التصوف بل كانت ذات توجهات قومية وعلمانية (انتمى أفراد منها للحزب السوري القومي الاجتماعي والحزب الاشتراكي العربي وحزب البعث حتى قبل اندماجهما).
يورد موقع (التاريخ السوري المعاصر) في السيرة التوثيقية لمروان حديد أن أشقاءه (أحمد المحامي وعدنان الصيدلاني وكنعان الضابط ثم السفير) كانوا منتمين للحزب العربي الاشتراكي الذي أسسه أكرم الحوراني.
انخرط مروان في شبابه بـ (حزب الشباب الاشتراكي) برئاسة أكرم الحوراني وشارك في التظاهرات المناهضة للإقطاع مما جعله ثورياً ميدانياً بطبعه.
وقد وثّقت نشاط مروان حديد المبكر وانخراطه في التيار الاشتراكي والحركة القومية بين مذكرات معاصريه ووثائق كتابات الترجمات الإسلامية الرسمية ومنها:
الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين تذكر بوضوح في ترجمة مروان حديد الرسمية نصاً: (نشأ مروان في بيئة حزبية اشتراكية وكان مسؤولاً مالياً عن التنظيم الاشتراكي في ثانوية ابن رشد [بحماة] في الفترة التي سبقت التحاقه بجماعة الإخوان المسلمين).
مذكرات وشهادات (عدنان سعد الدين - المراقب العام الأسبق للإخوان المسلمين في سوريا) وهو ابن حماة ومعاصر لحديد أشار إلى أن مروان حديد نشأ في بيئة عائلية تؤيد التيار الاشتراكي التابع لأكرم الحوراني وكان إخوته ينتمون للحزب العربي الاشتراكي.
أوراق ومذكرات أكرم الحوراني نفسها: تطرق فيها لتفاصيل العمل الحزبي والشبابي في ثانوية ابن رشد بحماة والأحياء الحموية خلال الأربعينيات والخمسينيات وكيف كانت تجتذب الشباب الميدانيين قبل تحولاتهم الفكرية.
لكن تحوله فكرياً حدث أواخر الخمسينيات أثناء دراسته للهندسة الزراعية في مصر (جامعة عين شمس) حيث التقى بالتيار الإسلامي وتأثر عميقاً بكتابات سيد قطب ومفاهيم الحاكمية والجاهلية والتنظيم الصلب ليعود إلى حماة مشحوناً بفكر ثوري يختلف كلياً عن الفقه التربوي لشيوخ المدينة.
ثالثاً: أحداث 1964 والصدام مع علماء حماة
عقب وصول البعث للسلطة عام 1963 رفض حديد منهج الصبر والدعوة السلمية. وتحصن عام 1964 مع مجموعة من الشباب في (جامع السلطان) بحماة وحملوا السلاح مما دفع السلطة لقصف مئذنة الجامع واقتحامه.
أنكر الشيخ محمد الحامد هذا الفعل واعتبره حماقة تفقد الحكمة الشرعية وتجلب دمار المساجد وسفك الدماء ودخول الأمن للبيوت المحافظة دون امتلاك القوة الكافية بينما اعتبر حديد العلماء متمسكين بـ (فقه تقليدي عاجز). ورغم الخلاف الحاد تدخل الشيخ الحامد بمكانته الدينية الكبيرة لإنقاذ حديد والشباب المحاصرين واستصدر عفواً عن حديد ورجاله بعد الحكم عليهم بالإعدام.
رابعاً: تأسيس الطليعة المقاتلة والقطيعة التامة
بعد وفاة الشيخ محمد الحامد عام 1969 خلت الساحة من القامة التي تضبط جموح حديد. فأنشأ تنظيم (الطليعة المقاتلة) الذي حمل تلك التسمية رسمياً في فترة ما بعد وفاته بعيداً عن قيادة الإخوان المسلمين الرسمية وعن علماء حماة وشرع في التدريب على حرب العصابات والاغتيالات.
خامساً: مرحلة السجن والوفاة بالإضراب عن الطعام
خلافاً للروايات الشائعة حول وفاته جراء التعذيب في السجن تشير المصادر التاريخية والتوثيقية للإخوان المسلمين إلى أن مروان حديد دخل في إضراب مفتوح عن الطعام عقب اعتقاله عام 1975 احتجاجاً على محاكمته. وقد خشت السلطات الأمنية حينها تداعيات موته داخل السجن وما قد يجرّه من ردود أفعال واضطرابات واستدعت أسرته (ومنهم شقيقه كنعان) لممارسة ضغوط عائلية عليه لإثنائه عن الإضراب إلا أن محاولاتهم باءت بالفشل لتدهور حالته الصحية ونقله لمستشفى حرستا العسكري حيث توفي في حزيران/يونيو 1976.
(حسب المصدر: الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين).
سادساً: القراءة النقدية ومزالق الرمزية القدسية
إن إبراز حديد كـ (رمز مقدس) يتجاهل أنه تجاوز المرجعية الشرعية لمدينته وتجاهل فتوى كبار علمائها وفقه المقاصد. كما أن خياره العسكري أدخل المدينة في مواجهة غير متكافئة أدت لتدمير حماة عام 1982 وتفكيك بنيتها الدينية. وتكمن الإشكالية في أن تحويل مسيرته إلى مسارٍ يرفض النقد أدى إلى تهميش دور عمالقة العلم الشرعي والتصوف الأصيل الذين بنوا هوية المدينة الأخلاقية والفكرية عبر القرون.