عندما انهارت شبكة الدفاع الجوي السورية التي بُنيت على مدى سنوات
2026.06.09
علاء الدين تلجبيني
متل اليوم ب 9 حزيران 1982 في ساعات قليلة انهارت شبكة الدفاع الجوي السورية التي بُنيت على مدى سنوات.
يقول وزير الدفاع السوري مصطفى طلاس:
(عند اقتراب الساعة من الثانية ظهراً قامت طائرات الفانتوم الإسرائيلية، بقوام 20 إلى 24 طائرة، ومن مسافات بعيدة بإطلاق صواريخ موجهة مضادة للرادار من طرازات مختلفة. وفي الوقت نفسه اشتركت المدفعية بعيدة المدى والصواريخ أرض – أرض من طرازات زئيف بالقصف المركز على كتائب الصواريخ في البقاع، مستهدفة بشكل أساسي محطات رادار الكشف وقيادة نيران هذه الكتائب. شلّ القصف إمكانيات كتائب الصواريخ السورية بشكل مؤقت، بعد حوالي 15 دقيقة دخلت القوة الضاربة الرئيسية، بقوام 40 طائرة تقريباً والمؤلفة من المقاتلات القاذفة من طراز فانتوم وسكاي هوك وكفير، إلى منطقة الصواريخ في البقاع ونفذت الضربات على قواعد الإطلاق ومقرات القيادة للجيش السوري والقوى الحية، مستخدمة القنابل شديدة الانفجار والقنابل العنقودية، واستمرت الغارة من الثانية والربع حتى الثانية وخمس وثلاثين دقيقة،
نشطت طائرات الاستطلاع لمعرفة نتائج الغارات، واكتشفت واقع إمكانيات الكتائب المتبقية، وبناء على ذلك نُفذت الغارة الثانية عند الرابعة إلا ربعاً، واستهدفت مرابض الصواريخ وتراتيب قتال القوات البرية السورية مستخدمة قنابل شديدة الانفجار مع استخدام التشويش الشديد، واستمرت الغارة حوالي نصف ساعة. وحتى المساء كان العدو يبحث عن أي أهداف لم تُدمّر لمهاجمتها، مستهدفاً طريق دمشق – بيروت في منطقة المصنع وشتورا، وأحدث حفراً كبيرة في الطريق لقطع الإمداد).
أنقشع الغبار عن دمار كبير طال معظم المواقع الدفاعية للجيش السوري في البقاع.
أمام هذا الهجوم الاسرائيلي دخلت وحدات الدفاع الجوي السورية المعركة مستخدمة منظومات سام-6 وسام-3 وسام-2، وكانت بطاريات سام-6 تشكل القوة الرئيسية للدفاع الجوي السوري في البقاع."
ثم تدخل الطيران السوري في المعارك بمواجهة الطيران الإسرائيلي القادم من جهة الغرب، واشتبك مع الطائرات الإسرائيلية المتطورة في معركة جوية طاحنة لم يشهدها لبنان من قبل، بين نحو 100 طائرة إسرائيلية من طراز إف-15 وإف-16 وكفير، ونحو 70 طائرة سورية اعتراضية من طراز ميغ.
أُسقطت عشرات الطائرات السورية، وتذكر بعض المصادر أن عددها بلغ 29 طائرة في اليوم الأول وحده، إضافة إلى تدمير عدة مواقع للدفاع الجوي السوري. ومع عدم توفر طائرات إنذار مبكر وأجهزة إلكترونية محمولة، كان الطيران الإسرائيلي يباغت المواقع العسكرية السورية ويدمرها، ما أجبر القوات السورية على إعادة تنظيم انتشارها في الجبل والبقاع، وصولاً إلى وقف إطلاق النار في 11 حزيران.
أفاد أحد الطيارين الإسرائيليين بعد نهاية المعركة أن الطيارين السوريين، ورغم علمهم بعدم امتلاكهم فرصة حقيقية للصمود أمام الطائرات الإسرائيلية القادمة من جهة البحر، استمروا في الإقلاع والاشتباك. ورغم خسائره الكبيرة عاد سلاح الجو السوري بكثافة في اليوم التالي ليخسر عشرات الطائرات الأخرى بواسطة صواريخ سايدويندر، وفق الرواية الإسرائيلية، دون أن تخسر إسرائيل أي طائرة مأهولة.
تم التشويش على الطيارين السوريين وقطع الاتصالات بينهم وبين القواعد الأرضية، كما جرى التشويش على رادارات الطائرات، كان الطيار السوري يسمع الموسيقى في سماعاته بدلاً من أوامر التوجيه القادمة من الأرض. فقد تم التشويش عبر طائرة بوينغ 707 كانت تحلق على ارتفاع شاهق، كما يذكر روبرت فيسك.
على الطريق الدولية أدخلت سوريا 40 دبابة عبر طريق دمشق – بيروت، أعاقت حركتها جموع المدنيين الهاربين من الجحيم، فاستهدفت الطائرات الإسرائيلية رتل الدبابات وسيارات المدنيين، ما أسفر عن احتراق أكثر من مائة مدني في سياراتهم، وفق ما نقل روبرت فيسك عن مراسل وكالة الأسوشيتد برس.
كان رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن في اليوم السابق للمعركة قد أرسل إلى حافظ الأسد عبر الأمريكيين بأنه سوف يتجنب المواجهة مع الجيش السوري، ووجه خطاباً في الكنيست قال فيه: (إننا لا نريد حرباً مع سوريا، ومن هذه المنصة أدعو الرئيس الأسد إلى أن يأمر الجيش السوري بألا يهاجم الجنود الإسرائيليين. إننا لا نريد أن نؤذي أحداً، هدفنا حماية الجليل).
ولكن في الوقت الذي كان فيه بيغن يتكلم، كانت قواته قد طوقت الدفاعات الجوية السورية وتقدمت بحوالي 35 ألف جندي و800 دبابة للاستيلاء على وادي البقاع والوصول إلى طريق دمشق – بيروت. وكانت مطالب بيغن قد تغيرت في اليوم التالي، فأصبح يطالب بسحب الصواريخ السورية التي نُصبت سنة 1981 في لبنان.
يقول الكاتب الإسرائيلي عوزي بنزيمان:
(لقد سمح السوريون لسلاح الجو الإسرائيلي بحرية العمل في لبنان رغم امتلاك السوريين لبطاريات صواريخ مضادة للطائرات، كما سلموا أيضاً بتدمير محطات رادار سورية من قبل الطائرات الإسرائيلية في المراحل الأولى من الحرب. وقد طلب شارون في اليوم الثالث من الهجوم من الحكومة الموافقة على تدمير بطاريات الصواريخ السورية المنصوبة في لبنان، والتي تم تعزيزها بعد الاجتياح بذريعة حماية الجنود الإسرائيليين من هجمات الطائرات السورية، فوافقت الحكومة).
في البقاع وعلى طريق ضهر البيدر كانت تُرى بالعين المجردة كتائب وسرايا الدفاع الجوي المحترقة تتصاعد منها ألسنة اللهب، حيث تمت إبادة لواء دفاع جوي بكامله بمن فيهم قائد اللواء العقيد محمد حرفوش ورئيس أركانه المقدم أنيس صقر وهما في عربة القيادة، وتفحمت جثث ضباط وجنود اللواء في عرباتهم.
تعد معركة البقاع الجوية، أو عملية «ميد كريكيت 19» (Operation Mole Cricket 19)، أكبر المعارك الجوية منذ الحرب الكورية، ومن أكثرها تأثيراً في تطور الحرب الجوية الحديثة. لقد أحرجت الهزيمة كفاءة السلاح السوفييتي الذي كان يشكل العمود الفقري للجيش السوري، وأظهرت تفوقاً تكنولوجياً وإلكترونياً كاسحاً للأسلحة الغربية والإسرائيلية، مما دفع موسكو لاحقاً إلى إرسال وفود عسكرية رفيعة المستوى لتقييم الكارثة وتحديث المنظومات السورية بطرازات أحدث، مثل سام-5.
مصادر
موسوعة المصطلحات والمفاهيم الفلسطينية من تأليف د. محمد اشتيه
حياتي من النكبة الى الثورة نبيل شعث
باتريك سيل الاسد الصراع على الشرق الاوسط
شارون بلدوزر الارهاب الصهيوني عوزي بنزيمان
ويلات وطن روبرت فيسك