كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

السياسةُ الأمنيةُ عقيمةٌ في وظائفها، وكارثيةٌ في نتائجها

مروان حبش

ليست الدولة القوية هي التي تُكْثر من أدوات القمع، ولا التي تجعل القبضةَ الأمنيةَ بديلاً عن السياسة، وإنما هي الدولة التي تستمد قوتها من رضا مواطنيها، ومن شرعية مؤسساتها، ومن قدرتها على إدارة الاختلاف بالحوار والقانون. أما حين تتحول السياسةُ الأمنيةُ إلى المنهج الوحيد في إدارة الشأن العام، فإنها تفقد وظيفتها الطبيعية في حماية المجتمع، وتتحول إلى عامل لإنتاج الأزمات وتعميق الانقسامات، بل وإلى قوة تدفع المجتمع نحو دوامة من العنف والعنف المضاد، لا يَعرف أحدٌ أين تنتهي ولا كم ستستغرق من الزمن حتى تندمل جراحها.
لقد أثبتت تجارب الشعوب أنَّ المقاربة الأمنية، عندما تنفصل عن السياسة وعن العدالة وعن المشاركة الشعبية، تصبح مقاربة عقيمة، مهما امتلكت من وسائل القوة والإكراه. فالأمن الحقيقي لا يقوم على إسكات الأصوات، بل على بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. وعندما يُختزلُ الوطنُ في منظومة أمنية، ويُختزل المواطنُ في كونه موضعاَ للشك والرقابة، تتآكل الثقة، ويتراجع الشعور بالانتماء، وتصبح العلاقة بين السلطة والمجتمع علاقة خوف لا علاقة شراكة.
إنَّ أخطر ما تخلقه السياسات الأمنية المغلقة أنها تُنتج بيئةً خصبةً لتنامي العنف. فحين تُغلق أبواب التعبير السلمي، وتُصادر الحياة السياسية، وتُقيَّد حرية الرأي والتنظيم، فإن الاحتقان يتراكم، ويجد بعضه طريقه إلى أشكال مختلفة من المواجهة. وعندها يدخل المجتمع في دائرة خطيرة يتغذى فيها العنف على العنف، ويصبح كلُّ فعل عنيف مبرراً لفعل أعنف، حتى يتحول الوطن إلى ساحة استنزاف مفتوحة يدفع ثمنَها الجميعُ دون استثناء.
ولا تقف آثار هذه السياسات عند حدود اللحظة السياسية، بل تمتد لعقود طويلة. فهي تترك ندوباً عميقةً في الوعي الجمعي، وتزرع الشكَّ بين أبناء الوطن الواحد، وتفكك الروابطَ الاجتماعيةَ، وتضعف مفهومَ المواطنةٍ لصالح الانتماءات الضيقة والهُويات الفرعية. كما تؤدي إلى هجرة الكفاءات، وانكماش الاقتصاد، وتراجع الاستثمار، وانهيار منظومات التعليم والثقافة، فتغدو الخسائر الوطنية أشمل بكثير من مجرد خسائر أمنية أو سياسية.
إنَّ الأوطان لا تُبنى بالخوف، وإنما بالحرية المسؤولة. ولا تَستقر بالمراقبة الدائمة، وإنما بالمشاركة الشعبية الواسعة. فالمجتمع الذي يشعر أفراده بأنهم شركاء في صناعة القرار، وأنَّ حقوقهم مصانة بالقانون، وأنَّ تداول السلطة يتم بوسائل سلمية وديمقراطية، هو مجتمع أكثر قدرة على حماية نفسه والدفاع عن دولته من أي تهديد داخلي أو خارجي.
ومن هنا، فإنَّ استعادة الشعب لحريته، وممارسة هذه الحرية في إطار نظام ديمقراطي يقوم على سيادة القانون، والتعددية السياسية، واستقلال القضاء، واحترام حقوق الإنسان، ليست مطلباً سياسياً فحسب، بل هي ضرورة وطنية لحماية وحدة البلاد ومستقبلها. فالأحزاب السياسية الحرة، والنقابات المستقلة، ومنظمات المجتمع المدني، والإعلام المسؤول، ليست عوامل ضعف للدولة، وإنما هي مؤسسات تصنع التوازن، وتمنع الاحتقان، وتوفر القنوات السلمية للتعبير عن المصالح والاختلافات.
إن الديمقراطية ليست نقيضاً للأمن، بل هي شرط من شروط الأمن المستدام. فحيث توجد المؤسسات المنتخبة، والرقابة الشعبية، والمساءلة القانونية، تتراجع دوافع العنف، لأن المواطن يجد الوسائل المشروعة للدفاع عن حقوقه والمشاركة في رسم مستقبل وطنه. أما حين تغيب هذه المؤسسات، فإنَّ الفراغ السياسي يتحول تدريجياً إلى فراغ خطير تستغله النزاعات الداخلية والتدخلات الخارجية.
وفي هذا السياق، يصبح الحفاظ على السيادة الوطنية مرتبطاً قبل كل شيء بإصلاح الداخل. فكلما اتسعت المشاركة الوطنية، وازدادت شرعية المؤسسات، ضاقت فرص التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية. أما المجتمعات المنقسمة والمحرومة من أدوات العمل السياسي السلمي، فإنها تصبح أكثر هشاشة أمام الضغوط الإقليمية والدولية، لأنَّ ضعف الجبهة الداخلية يُغري الآخرين بالتدخل واستثمار الأزمات.
إنَّ الوطنية الحقيقية لا تقاس بارتفاع الشعارات، وإنما بمدى الحرص على الإنسان وكرامته وحريته. وكل مشروع يهدف إلى الإضرار بالوطن، أو إلى تمزيق المجتمع، أو إلى تغذية الكراهية والانقسام، هو مشروع مرفوض أخلاقياً ووطنياً، سواء صدر من الداخل أم جاء مدفوعاً من الخارج. كما أنَّ رفض التدخل الخارجي لا يكتمل إلا ببناء عقد اجتماعي جديد يجعل الشعبَ مصدر الشرعية، ويضمن تداول السلطة سلمياً، ويحمي حقوق جميع المواطنين على قدم المساواة.
إنَّ المستقبل لا يُصنع بإعادة إنتاج السياسات التي أثبتت فشلها، وإنما بامتلاك الشجاعة للاعتراف بأنَّ الأمن وحده لا يبني دولة، وأنَّ القوة وحدها لا تصنع استقراراً، وأنَّ المجتمعات لا تُحكم إلى الأبد بمنطق الاستثناء. فالسياسةُ هي المجال الطبيعي لمعالجة الأزمات، والحوارُ هو الطريق الأقصر للمصالحة الوطنية، والديمقراطيةُ هي الإطار الذي يضمن وحدة المجتمع واستقرار الدولة.
لقد آن الأوان للانتقال من منطق إدارة المجتمع بالأدوات الأمنية إلى منطق بناء الدولة بالمواطنة والحرية والعدالة. فهذه هي الطريق التي تحفظ الوطن، وتصون وحدته، وتعيد الثقة بين الدولة ومواطنيها، وتغلق أبواب الفتنة والعنف، وتؤسس لمستقبل يتشارك فيه جميع أبناء الوطن في صناعة حاضرهم ومستقبل أجيالهم. فالدول التي تنتصر لمواطنيها هي وحدها التي تنتصر في التاريخ، أما الدول التي تجعل الأمنَ بديلاً عن السياسة، فإنها قد تؤجل أزماتها، لكنها لا تستطيع أن تمنع انفجارها.
وملخص القول، السياسة الأمنية تتحول إلى أزمة وطنية: والعنفُ يصنع دولةً فاشلةً ومجتمعاً ممزقاً.
وإنَّ استعادة الشعب لحريته والاستقواء به، هو الخيار الأكثر سطوعاً للقضاء على كل من يريد بالوطن ضرراً، وبالشعب شرَّاً.