كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

متصرف وشيوخ الجزء الأول.. من سرايا اللاذقية إلى قرى الجبل

سيمون خالد علي

كيف حاولت الدولة العثمانية أن تصل إلى قرى جبل اللاذقية من سنة 1889 حتى سنة 1893
—
في اليوم الأول من عيد الفطر سنة 1890 دخل على متصرف سنجق اللاذقية في سرايا المدينة وفد يزيد على ستين رجلا من شيوخ قضاء المرقب ومقدميه ووجوهه، يتقدمهم قائمقام القضاء نفسه، جاء الرجال يطلبون مدارس ومساجد ومعلمين وكتبا.
وفي المجلس نفسه تقدم شيخ مسن اسمه م. س فقال للمتصرف إنه بلغ من العمر ما يخشى معه أن يموت قبل أن يرى السلطان، وإنه يريد أن يقبل يد من يمثله في هذه البلاد. ثم بكى ودعا. ووقف إلى جانب المتصرف في ذلك المجلس عالم طرابلسي ألقى دعاء طويلا أبكى الحاضرين. هذه الوقائع من تقرير رفعه المتصرف نفسه في 21 أيار 1890. وبعد أربعة أيام وصلت المتصرفية عريضة موقعة من نحو ستين شيخا من أهل الجبل، قبل أن تنتقل أخبارها إلى المركز.
كان الرجل الجالس في تلك السرايا اسمه محمد ضياء بك. وكان قد قضى عمره كله تقريبا في جهاز الدولة قبل أن يصل إلى هذا الساحل البعيد. أما الشيخ الطرابلسي الذي دعا فهو علي رشيد الميقاتي، ابن بيت علم قديم في طرابلس الشام، وكان يؤدي مهمة الوعظ والتفتيش في الجبل قبل أن يثبت قيده الوظيفي رسميا في أيلول، وأما وفد المرقب فسيدخل اسم واحد من رجاله في أشهر سطر في هذه القصة كلها.
ومن هذا المجلس، ومن مجالس أخرى مثله، خرج مشروع لبناء أربعين مدرسة وأربعين مسجدا في قرى اللاذقية وجبلة والمرقب وصهيون، ممولا في جزء منه من جيب السلطان الخاص، ومتابعا من ضابط في هيئة الأركان. وخرجت معه، في السنوات الأربع التالية، مصادرة عقارات ودعاوى وإجراءات قضائية أثارت اعتراضات حادة من الإرسالية، ومعلمون يساقون من قراهم، وقنصل أمريكي يكتب إلى سفيره في الآستانة، وقنصل فرنسي يشتري أرضا باسمه ليقيم عليها مدرسة، وأسقف الروم يسعى إلى إغلاق مدرستين في القسم الشمالي من نطاق عمل الإرسالية.
كانت تلك لحظة دخلت فيها الدولة إلى الجبل بهذا المزيج من المدرسة والمسجد والوسيط المحلي على نطاق لم يعرفه من قبل.
من مطبخ القصر إلى ساحل بعيد
جمعت آثار أسكدار ترجمة رجل دولة اسمه ضياء الدين محمد أفندي، نشأته في القصر، ثم أمانة المطبخ السلطاني، ثم إدارة مخصوصة سنة 1867، ثم إدارة المعادن سنة 1870، ثم متصرفيات أنطاليا وأورفة واللاذقية.
في إسطنبول أثر مادي يحمل اسمه، سبيل ضياء بك بجوار مقبرة قره جه أحمد في أسكدار، أقامه سنة 1283 للهجرة، 1866 و1867م، حين كان أمين المطبخ السلطاني، تخليدا لزوجته المتوفاة فهمية خانم. ويعرفه بعض ما كتب عن أسكدار بأنه شركسي الأصل.
في سنة 1865 تحفظ وثيقة طبية وصفة دوائية أعدت لضياء بك أمين مطبخ السراي الهمايوني. وفي الصحافة الفرنسية خبر يعدد شخصيات شركسية من محيط السلطان فيذكر بينها ضياء بك رئيس المطابخ. وقد عرفت الدولة العثمانية في تلك العقود أكثر من ضياء بك شركسي.
في أورفة تسجل سالنامة ولاية حلب سنة 1302 للهجرة ضياء بك متصرفا برتبة أولى، وتحفظ وثيقة من آذار 1885 شكاوى رفعها نائب أورفة ومفتيها وبعض أعضاء مجلسها، ومعهم والي حلب حسين جميل، يتهمونه بالإضرار بأعمال الحكومة والتعدي على حقوق الأهالي ويطالبون بعزله. وفي نيغدة نجده في تشرين الثاني 1888 يتابع بنفسه ملف تهريب تبغ كبير، يرسل برقية إلى قيصرية في الرابع من الشهر وأخرى إلى طرابزون في العاشر لملاحقة الفارين.
ذاكرة اللاذقية المكتوبة، ولا سيما ما حفظه يوسف الحكيم في مذكراته، تصف ضياء بأنه كان أميا لا يحسن من الكتابة سوى توقيعه، وأنه حصل على منصبه لأنه كان من أخص خدام السلطان عبد الحميد منذ حداثته. والشق الثاني له ما يسنده في سيرة القصر، أما الأول فيصعب قبوله حرفيا في رجل تظهر إدارته في السناجق وبرقيات يرسلها بنفسه قبل أشهر من انتقاله.
بدأت إجراءات نقله إلى اللاذقية بكتاب مبادلة وظيفية مؤرخ في 11 آذار 1889 بينه وبين أحمد جودت باشا متصرف اللاذقية. مع العلم ان قوائم متصرفي السنجق في سالنامتي ولاية بيروت تجعل تاريخ تعيينه 17 شباط 1890، فمجلس الشيوخ في عيد الفطر يقع بعد ثلاثة أشهر من التاريخ الثاني، وليس بعد أربعة عشر شهرا من الأول.
جبل لا تصل إليه المدينة وحدها
كانت اللاذقية في تلك السنوات إقليما أعيد تركيبه أكثر من مرة في عقد واحد. فقد جاءت ولاية مدحت باشا على سورية في 1879 و1880 بإعادة ضبط للساحل، وأنشئت ولاية بيروت سنة 1888 فانتقل السنجق إليها، ونقل مركز قضاء المرقب إلى بانياس. وصار السنجق أربع وحدات: مركز اللاذقية، وقضاء جبلة، وقضاء المرقب، وقضاء صهيون.
هذا على الورق. أما في الجبل فكانت الدولة حاضرة بطريقة أخرى. المسافة والطريق ومركز القضاء هي التي تحدد سرعة تنفيذ الأمر، وكلما دخل العمل في عمق الجبل احتاج إلى وسيط محلي يترجم القرار إلى علاقة اجتماعية. ولاحظ أحد المبشرين الأمريكيين بعد ذلك بسنوات أن السهول القريبة من مقر الحكومة كانت تسبب لهم مشكلات أكبر، بينما بدا سكان القرى الأعمق أقل اكتراثا بتهديدات الإدارة. وهي ملاحظة خصم يتلقى الضغط، لكنها تنسجم مع منطق المسافة.
ولم تكن المدرسة قبل 1889 قد صارت أداة حكومية واسعة في هذه الجبال على النحو الذي ستبلغه في عهد ضياء. فقد ظل ثقل الإدارة طوال العقود السابقة في الحملة والجباية والحامية والتجنيد، مع وجود محاولات تعليمية متفرقة لم تبلغ حجم المشروع الجديد. وقد تكرر ذلك على مدى عقود: التزام الأعشار الذي يجدد الاحتكاك كل سنة، والحملات على القرى، ومقتل إسماعيل بن عثمان خير بك في صافيتا والدريكيش سنة 1858.
وفي خريف 1889 تظهر هاتان الأداتان في أسبوع واحد. ففي 21 تشرين الأول أقر مجلس الوزراء إنشاء ثماني مدارس ابتدائية ومفتشية جوالة في سنجق اللاذقية، وربط القرار صراحة بمواجهة نشاط المبشرين، وجعل تمويله من حصة معارف السنجق. وبعد سبعة أيام فقط، في 28 تشرين الأول، طلبت مراسلة إلى السرعسكرية ستمئة جندي ومدفعين جبليين من جهة اللاذقية، ومئتين من المشاة مع مقدار من الفرسان من جهة حماة، لاستعادة النظام والقبض على المطلوبين والفارين من الخدمة ونزع الأسلحة وتمكين الجباية.
ثم يأتي الرد المركزي في 20 كانون الثاني 1890 فيسجل اعترافا، إرسال القوات إلى الجبل مرة بعد مرة لم يعط النتيجة المطلوبة، والمطلوب معالجة أعمق وإصلاح أوسع، مع الإشارة إلى النشاط الأجنبي في المنطقة. وبين طلب الجنود في تشرين الأول وهذا الاعتراف في كانون الثاني يقع المفصل الحقيقي في القصة.
حين طلب ضياء في حزيران 1890 مدارس ومساجد لقضاء صهيون، أضاف والي بيروت في 27 حزيران أن هذه المنشآت ينبغي أن تدعم بقوات نظامية تقيم هناك. المدرسة والمسجد والثكنة تظهر في المراسلة نفسها.
ففي 10 كانون الأول 1890 سجل والي بيروت نزاعا في قضاء صهيون قتل فيه خمسة من العرب في صدام مع العلويين، فانتهى الأمر بتسوية دية مجموعها أربعون ألف قرش، ثم أفرج عن المحبوسين. وفي صيف 1891، بعد عريضة رفعها وجهاء علويون إلى حكومة بيروت، حصل مقدمو جبل الكلبية والقرداحة على إعفاء من الخدمة العسكرية مقابل دفع البدل. والدولة التي كانت تطلب ستمئة جندي لضبط الفارين من التجنيد صارت بعد أقل من سنتين تفاوض فئة من المقدمين على إعفاء من التجنيد نفسه.
منذ خمسينيات القرن التاسع عشر كان القس صمويل لايد قد دخل هذه الجبال وأصدر سنة 1853 كتابا عن زيارته للأنصارية والإسماعيلية جعل في عنوانه نفسه غايته، التمهيد لإنشاء مدارس. واشترى في بحمرة ملكا وفتح مدرسة، ثم انتقل ملكه وأبنيته بعد وفاته إلى الإرسالية المشيخية الإصلاحية الأمريكية التي استقرت في اللاذقية.
وفي خريف 1864 افتتحت هذه الإرسالية أربع مدارس بين أهل الجبل، في بحمرة والبور والقرداحة والجنديرية، وكان معلموها كلهم شبانا من أبناء الطائفة نفسها. وفي السنة التالية فتحت مدرسة خامسة في المشيرفة، علمها سليم صالح، وكان متحولا عن الكنيسة الروم الأرثوذكسية. ثم توسعت الشبكة حتى صارت في نيسان 1888 إحدى وعشرين مدرسة في متصرفية اللاذقية، أعيد فتحها كلها بعد أزمة، ولم يبق منها مغلقا غير واحدة في طرطوس.
وكانت لهذه المدارس تواريخ تأسيس ثبتها مديرها هنري إيسون بنفسه في قائمة كتبها إلى مجلسه في أمريكا: جنديرية سنة 1865، والمشيرفة سنة 1865، وستمرخو سنة 1870، وعين اللبن سنة 1876، وإشتبغو سنة 1878. ومدرسة اللدينة أنشئت سنة 1868، واشتريت أرضها وبني عليها سنة 1870، ونقل سندها إلى أسماء المبشرين المقيمين سنة 1877، وأضيفت إليها غرفة علوية وإسطبل سنة 1884.
معنى ذلك أن الدولة، حين قررت في تشرين الأول 1889 بناء ثماني مدارس، كانت تدخل قرى فيها مؤسسة تعليمية عمرها ربع قرن، لها بناء وسند ومعلم محلي وأسرة تسكن المبنى. حتى إن قائمقام القضاء وسائر موظفيه كانوا ينزلون في بيت الإرسالية في اللدينة كلما دعتهم مصالحهم إلى القرية، وهي تفصيلة يسجلها إيسون ليقول إن البناء لم يقم سرا ولا دارت المدرسة في الخفاء.
ولم تكن هذه المدارس قد نجت من الدولة قبل ذلك. ففي سنة 1873 أغلقت الحكومة مدرسة عيسى حوراني في البهلولية، وفي آب من تلك السنة سجن حاكم اللاذقية ثلاثة من معلمي الإرسالية، هم يوسف جديد وداود مخلوف وسليم مخلافي، وقيدوا وأرسلوا من جبلة إلى طرابلس ثم إلى بيروت ثم إلى دمشق. وفي السنة التالية هاجم جنود ليلا بيت الإرسالية في بحمرة، وكانت مدرسة داخلية، فكسروا بابه ودخلوا عنوة واعتقلوا من فيه. ثم جاءت موجة أوسع في 1886 و1887 حين صارت المادة التاسعة والعشرون بعد المئة من نظام المعارف العثماني، الصادر سنة 1869، أداة لإغلاق عشرات المدارس في الدائرة القنصلية لبيروت.
فالجديد في مشروع ضياء أن الإغلاق رافقه هذه المرة بناء شبكة تعليمية ودينية حكومية بديلة.
من ثماني مدارس إلى أربعين
بدأ المشروع صغيرا: ثماني مدارس ومفتش جوال، بقرار خريف 1889. ثم جاء ربيع 1890 فغيره تغييرا كاملا.
ففي عيد الفطر وفد المرقب الذي دخل السرايا. وفي اجتماع آخر، عقد في جبلة أثناء مزاد الأعشار، تكرر الطلب. ورفع ضياء تقريره في 21 أيار 1890 يقدر الحاجة الآنية بثلاث وعشرين مدرسة وخمسة عشر مسجدا، ويقول إن قضاء جبلة وحده يحتاج إحدى وعشرين مدرسة ومثلها مساجد. وفي 3 حزيران عقد مجلس الوزراء محضره فذكر أكثر من ألف من الشيوخ والمقدمين والوجهاء، وقدر كلفة بناء المنشأة الواحدة بنحو أربعة آلاف قرش، وحمل الحجر والكلس على الأهالي، ورتب إعداد الكتب والرسائل وتعيين المعلمين.
وفي 16 حزيران 1890 صدرت الإرادة السلطانية ببناء خمس وعشرين مدرسة وخمسة وعشرين مسجدا في القرى الساحلية. ثم برق ضياء في أواخر الشهر عن نصيرية صهيون، فطلب خمس عشرة مدرسة وعشرة مساجد، وأضاف والي بيروت عزيز باشا طلب الثكنات. وبهذا وصل المشروع إلى صورته المعروفة، أربعون مدرسة وأربعون مسجدا موزعة على الوحدات الأربع، مركز اللاذقية وأقضية جبلة والمرقب وصهيون، بواقع عشر مدارس لكل وحدة.
أما المال فكان العقبة الأولى. حصة معارف السنجق السنوية نحو مئة ألف قرش، ونصفها مخصص أصلا للبناء، بينما تحتاج رواتب المعلمين وحدها إلى نحو مئة وعشرين ألف قرش في السنة. فتدخل السلطان من جيبه الخاص بمئتي ألف قرش خصصت لبناء أربعين مدرسة، بواقع خمسة آلاف قرش للمدرسة الواحدة، وكلف إسماعيل بك من هيئة الأركان بمتابعة الإنشاء. أما المساجد فكانت نفقاتها تسلك قناة مالية أخرى بحسب محاضر المشروع، إلى جانب ما حمل على الأهالي من مواد البناء.
وحين وضعت تعليمات التفتيش لهذا السنجق سنة 1895 كشفت عن تفصيل معماري لم يكن معروفا، فهي تلزم التلاميذ بأداء الصلوات الخمس مع معلميهم في المساجد المنشأة مع المدارس، وتصف في مادتها الثامنة المساجد السلطانية بأنها الموجودة مع المدارس تحت سقف وغطاء واحد. أي أن جزءا من هذه المنشآت كان وحدة مزدوجة تجمع الوظيفتين في بناء واحد، و هذا يفسر كثيرا مما جاء بعد ذلك، من جمع وظيفة المعلم بوظيفة الإمام إلى استمرار معلم في التدريس بمسجد قرية مجاورة حين خرب مكتبه.
في تقرير 22 أيلول 1890 توصية صريحة بمنح شيوخ العلويين رتبا علمية ومدنية وأوسمة، وفي تقرير تشرين الثاني اقتراح مماثل لتسريع تعلقهم بالدولة. وقد نفذ شيء من ذلك، فصدر تكريم لمتصرف اللاذقية ولمفتش المكاتب الابتدائية معا. وأبعد من ذلك أثرا ما تكشفه مراسلة والي بيروت المؤرخة في 14 نيسان 1899: أنه في زمن ضياء اتخذت إجراءات استثنائية تسمح بتعيين أشخاص من العلويين أعضاء فخريين في مجلس إدارة السنجق من غير المرور بالانتخاب، ويقترح الوالي بعد تسع سنوات معالجة مسألة التمثيل بالطريقة التي كانت تطبق في أيامه.
وأوضح مشهد تنفيذي وصلنا من هذا كله هو افتتاح مدرسة القنجرة. فقد اكتمل بناء المدرسة والمسجد في القرية التابعة للاذقية، وجرى الافتتاح الرسمي في 8 تشرين الثاني 1892 بحضور أركان الدولة المحلية المدنيين والعسكريين ووجهاء المنطقة، ومنهم إسماعيل بك. ذبحت الأضاحي ورفعت الأدعية، وسمي المجمع باسم سلطان حميد، ووزعت الكتب والرسائل مجانا على مئة وعشرين طفلا في القرية، ومعها سكر وهدايا، وعين إمام للمسجد ومعلم للمكتب. وكتب ضياء تقريره عن ذلك في اليوم التالي.
رجلان بين السراي والقرية
كان اختيار علي رشيد الميقاتي مدروسا فهو من بيت الميقاتي، من أقدم بيوت العلم في طرابلس الشام، وأبوه محمد رشيد الميقاتي المعروف بالكبير. ويصف رحالة مصري زار طرابلس سنة 1882 خلوته في الجامع المنصوري ومكتبتها وساعات التوقيت فيها. وتذكر تراجم علماء طرابلس أنه ولد سنة 1250 للهجرة، ونشأ في بيت علم، وترأس الجمعية الخيرية الإسلامية منذ عهد مدحت باشا، وأنها كانت تعلم البنين والبنات مجانا من ريع أملاكها.
والأهم من ذلك في هذه القصة أن سالنامة ولاية سوريا لسنة 1300 للهجرة تسجله رئيسا ثانيا للجنة معارف لواء طرابلس. أي أن الرجل الذي أرسل إلى الجبل مفتشا للمكاتب الابتدائية كان قد اشتغل قبل ذلك بسنوات في إدارة المعارف، اختيار المعلم، والتفتيش، والامتحان، والشهادة، وتدبير الموارد. وتعرفه بطاقة أرشيفية لابنه بأنه من علماء طرابلس الشام والرئيس السابق لشعبة المعارف المحلية. ويصفه عبد القادر المغربي بأنه كان أوجه مشايخ طرابلس عند الحكام في ذلك العهد، وأن متصرف طرابلس إبراهيم باشا اتخذ منه وسيطا.
فحين وقف في سرايا اللاذقية في عيد الفطر 1890 يدعو أمام وفد شيوخ الجبل، كان يقف رجل يعرف كيف تدار مصلحة المعارف، ويعرف في الوقت نفسه كيف يخاطب مجلسا من العلماء.
عيّن مفتشا في 27 أيلول 1890. لكن وظيفة التفتيش الجوال نفسها كانت قد أقرت في قرار الخريف السابق، وبقي حاضرا في الكتابة العربية بعد ذلك: ففي السنة الأولى من مجلة المنار سنة 1898 ترد رسالة من الشيخ علي أفندي رشيد الميقاتي ووصف له بأنه من أشهر علماء طرابلس الشام.
وفي الطرف الآخر من هذا المجلس رجل من الجبل نفسه. ففي تقرير 21 أيار 1890 اسم واحد يخص بالذكر ويوصف بأنه من أكبر شيوخ النصيرية: الشيخ علي أفندي المريقيبي.
ويرجح بقوة أنه الشيخ علي بن سلمان المريقب. فالمطابقة تقوم على اجتماع الاسم والنسبة والموضع والزمن والمرتبة الدينية، ثم على صلة مستقلة بضياء تحفظها مصادر محلية، طلب منه سنة 1300 للهجرة أن يؤلف فصنف تجارة الرابحين وتذكرة الناجحين، وبنى في قريته مسجدا تعلوه مئذنة من ماله الخاص قبل أن تبني الحكومة مساجدها، وتذكر عنه الروايات أنه كان يمتنع عن الأكل على موائد الحكام. وهو والد الشيخ صالح العلي الذي سيقود بعد ثلاثين سنة أشهر ثورة في هذا الجبل ضد الفرنسيين.
وتحفظ المصادر المحلية صورة لمجلس جمعه بالمتصرف: وليمة في سرايا اللاذقية، وحديث عن صلاة جمعة صلاها المتصرف في جامع الشيخ بالمريقب مؤتما به.
أما الأهم فيأتي بعد ثلاث سنوات. فالوثائق الإدارية تضع علي سلمان داخل خطاب رسمي عن الدخول في الاعتقاد السني الحنفي. ثم نجده سنة 1311 للهجرة، أي سنة 1893 أو 1894، يوجه أربع عشرة مسألة في كتاب الهفت وكتاب التنبيه وإيضاح المصباح إلى عالم من طبقته هو يوسف علي الخطيب، فيجيبه في رسالة عرفت بموضحة البيان.
الصيغة الإدارية لا تكفي وحدها لوصف ما اعتقده كل شيخ وكل قرية. والدليل الثاني على ذلك من داخل الجهاز نفسه: ففي تحقيق جرى سنة 1901 قال آباء أحد عشر طفلا إن أسماء أولادهم سجلت في دفاتر النفوس في زمن المتصرف السابق على أنهم مهتدون من غير رضاهم، وإنهم لم يغيروا دينهم. وهذا يثبت يثبت أن خانة السجل قد تنفصل عن إرادة المسجلين.
وفي هذا الإطار تقرأ القصة الأشهر في الروايات المحلية عن الكتيب المفقود. فعبد الرحمن الخير، وهو أقدم من كتب تفصيلا عن هذه المرحلة من داخل الجبل سنة 1938، ينسب إلى الشيخ أحمد علي القلع من القطرية أنه أعد كتيبا في الفقه بطلب من المتصرف ثم أجهض المشروع. والوثائق العثمانية تسند نواة الخبر: فمحضر مجلس الوزراء يذكر صراحة إعداد الكتب والرسائل، والتقارير تشترط أن يعرف المعلمون العربية. أما ما أضيف إلى الحكاية بعد ذلك من سنة 1877 ومن النقل إلى قونية انتقل إليه من سيرة رجل آخر أشهر منه: الشاعر والمصلح ضياء باشا، الذي ولي سورية سنة 1877 ثم نقل إلى قونية ثم إلى أضنة ومات فيها سنة 1880.
يتبع في الجزء الثاني:
المعركة على المعلم
المراجع
أرشيف رئاسة الجمهورية التركية، الأرشيف العثماني: MV 48/32، قرار مجلس الوزراء في 21 تشرين الأول 1889؛ وDH.MKT 1670/20 في طلب القوة العسكرية بعد أسبوع؛ وDH.MKT 1603/76 في مبادلة نيغدة واللاذقية سنة 1889.
İ.DH 1182/92449 وİ.MMS 113/4821: عريضة الشيوخ وتقرير محمد ضياء بك المؤرخ في 21 أيار 1890، وفيه مجلس عيد الفطر وذكر الشيخ علي أفندي المريقيبي.
MV 54/37 وİ.DH 1182/92451 وİ.MMS 114/4867: محضر مجلس الوزراء في 3 حزيران 1890، والإرادة السلطانية في 16 حزيران، وبرقيتا صهيون في أواخر الشهر.
Y.PRK.AZN 4/57 وY.PRK.UM 19/70 وY.PRK.UM 19/58: تقارير سنة 1890 في أحوال أهل الجبل والرتب والأوسمة، والتمويل من الجيب الهمايوني، وافتتاح مدرسة القنجرة.
Y.A.HUS 266/97 وMF.MKT 162/54 وMF.MKT 284/20: مراحل الإنجاز بين 1892 و1895، وأمر تعيين المفتشين، وتعليمات التفتيش لسنة 1895.
سالنامات الدولة العلية العثمانية للسنوات 1306 إلى 1314، وسالنامة ولاية بيروت في دفعتها الأولى، وسالنامة ولاية سوريا لسنة 1300 للهجرة في لجنة معارف طرابلس.
Papers Relating to the Foreign Relations of the United States، مجلدات 1888 و1892 و1893 و1907: تقرير القنصل بيسنجر في 26 نيسان 1888، ومراسلات الوزير هيرش في آذار ونيسان 1892 ومعها شهادة هنري إيسون المفصلة وقائمته بتواريخ تأسيس المدارس، ورد والي بيروت إسماعيل كمال، ثم قوائم المؤسسات الأمريكية المعترف بها سنة 1907.
J. M. Balph, Fifty Years of Mission Work in Syria، بيتسبرغ 1913: تاريخ مدارس الإرسالية منذ 1864، وأحداث 1873 و1874، وواقعة جنديرية سنة 1891 بأسماء الموقوفين الأربعة، وأسقف الروم ومدرستا إنكزيك وأوردي، ووصف ما بناه الحاكم من مدارس ومساجد، وخبر وفاته في كانون الأول 1893.
Samuel Lyde, The Ansyreeh and Ismaeleeh، لندن 1853.
يوسف الحكيم، سورية والعهد العثماني: فصل العلويين وقائمة متصرفي اللاذقية وفصل من مآثر المتصرف ضيا بك، وقضية الهنادي وقضية عبد الله عطا الله.
عبد الرحمن الخير، يقظة المسلمين العلويين، حلقات مجلة النهضة الطرطوسية سنة 1938، ومحمد أمين غالب الطويل، تاريخ العلويين، اللاذقية 1924؛ ومحمد كرد علي، خطط الشام.
يوسف علي الخطيب، موضحة البيان في مسائل الشيخ علي بن سلمان الواردة سنة 1311 للهجرة؛ وعلي سلمان المريقب، تجارة الرابحين وتذكرة الناجحين.
سجل عثماني، الجزء الثالث ص239، مدخل ضياء الدين محمد أفندي؛ ودراسات آثار أسكدار في سبيل ضياء بك ومنشأته لفهمية خانم.