يحيى زيدو: ريثما
ريثما ينتهي عصفور الدوري من التقاط الحبوب التي تركها الحصّادون خلفهم
بينما تقوم أنثاه بإطعام فراخها..
ريثما تنهي جارتي الثرثارة حكاياتها الكثيرة أثناء الخبز على التنّور
بينما طفلتها تلهو بلعبتها و تجدل لها ضفيرتها الصغيرة..
ريثما ينتهي جارنا من نثر القمح لدجاجاته قبل أن يسقي مواشيه..
وقبل أن يأتي المساء لتبدأ أسرابٌ من صبايا و شباب مشاوير المساء المعتادة على الدروب الملتوية كأفعى.. و هم يتبادلون إشارات الحب العذري حين يمرّون بمواجهة بعضهم..
ريثما يسدل الليل ملاءته السوداء على القرية الوادعة..
و ريثما يطل قمرٌ من خلف التلال ليسهر مع نجومٍ تتلألأ بينما يرسل ضوءه الفضي لتحيّة الساهرين..
سأكتفي بأشغالي البدائية الصغيرة..
و أتوسّد مقعداً خشبيّاً تحت شجرة التّوت في منتصف الدار..
و أفتح دفتر الذاكرة العتيق..
أبحث فيه عن وجوه أحبّها.. رحلت دون وداع
عن أمكنةٍ ما زالت تسكنني رغم البعاد..
عن أوقاتٍ حميمةٍ تركت نقشاً في الذاكرة
أو وشماً على الروح..
و تكرّست كأيقونة حنينٍ تتجدّد كلما تقدّم وعبَرَنا زمنٌ جديد.
سأبني بيتاً من الوجوه و الأمكنة و الذكريات الحميمة..
يكون موقعه في المسافة الواقعة بين دقات القلب و نوافذ الروح
هناك في المساحة الممتدة بين الوجدان و الضمير
على مفترق الأفكار الواصل بين الوعي و اللاوعي
و أزرع حوله ما بقي من ورد السياج..
و أنثر أغنيات الطفولة ماءً يسقي ما بقي من رائحة الوقت و الأشخاص
على حائط الذكريات..