يحيى زيدو: مسافات مختلفة بيني و بين...
- بيني و بين جاري صاحب القصر مسافةٌ قصيرةٌ من بضعة أمتارٍ، و مسافةٌ أخرى طويلةٌ تُقاس بملايين الدولارات.
مع ذلك كلانا نشترك في مشهدٍ واحدٍ؛ هو-من شرفته-يطلُّ على أملاكه، و أنا-من شرفتي-أطلُّ على قصره و أملاكه معاً.
كأنني أحتلها عنوةً.. فأشعر أنني «الإسكندر» يستولي على بلادٍ جديدةٍ.
- بيني و بين جارتي الجميلة مسافةُ شارعٍ ضيِّقٍ، و حبل غسيلٍ، و نظراتٍ متواطئةٍ، و رغباتٍ مكبوتة.. لكن التابوهات الخانقة تقتلها، فيكتفي كلٌّ منَّا بالإنزواء تحت مظلة مثالياته الزائفة.
- بيني و بين البحر مسافةٌ من اليابسة المغطاة بالرمل.. و تَحَدٍّ قديم.. كلانا يعتقد أنَّه واسع بما يكفي لاحتواء الآخر. بسبب هذا التحدِّي المستمر بَقِيَتْ علاقتنا غير وديَّةٍ حتى اليوم.
بيني و بين السماء مسافةٌ طويلةٌ من الأمنيات، و قليلٌ من الغيوم، و نجمةٌ واحدةٌ، مازلتُ-منذ زمنٍ-أحدِّثها، و أبثُّها نجواي كلما عزَّ الكلام مع البشر.
- بيني و بين الأرض مسافةٌ من البساطة، و العناق الحميم.. و كثيرٌ من الدروب الضيِّقة المُتَعرِّجة.
كلما زرعت على أطرافها وروداً بيداي، نبتت أشواكٌ في وسطها تحت قدماي.
- بيني و بين الليل مسافةُ مساكنةٍ، و مساحةٌ بيضاء للمطلق تعربش عليها ذكرياتٌ و أحلامٌ يبددها دائماً.. بزوغ الفجر.
- بيني و بين النهار مسافاتٌ و محطاتٌ من التعب و العبث، و عابرون تفصلني عنهم أرصفةٌ، و كثيرٌ من التجاهل المقصود.
في النهار تتوه «أنا»ي بين العابرين.. في الليل أبدِّدهم من أجلها.
- بيني و بين الحبِّ مسافة دقة زائدة لقلبٍ مشاكسٍ.. و فكرة مجنونة واحدة؛ مرةً ترقى بي إلى السماء، و مراتٍ ترميني في وديانٍ سحيقةٍ كحجرٍ ساقطٍ من نيزكٍ هَرِمٍ.. فيرتج عليَّ المعنى كلما اكتملت الصورة.
- بيني و بين الحياة مسافةٌ من جدلٍ صاعدٍ و آخر هابطٍ.. و مسافةُ خمسين عاماً من العتب بين طفلٍ صغيرٍ كنتُهُ يوماً، و بين راشدٍ صِرْتُهُ مشغولاً بالحسابات الباردة، و بؤس الانتظار.
- بيني و بين الموت «لا مسافة».. في هذه« اللامسافة» أستمتع بالكلمات، و الموسيقا، و الضوء.. و بما يتيسَّر لي من الحبِّ و اكْتِناهِ المعاني.
و أسعى لتبديد القلق و الوجع، و أرسم مساراتٍ جديدة لأحلامي، و أبرمج خيباتي علَّني أتحكم بمسير الرغبات قبل ارتجاج المعاني حين السقوط.
في هذه «اللامسافة».. أعقل الإمحاء التام بين الخيال و الواقع، بين المعنى و اللامعنى، بين الممكن و الواجب، بين الوجود و العدم..
- في هذه «اللامسافة» بالضبط، أستطيع أن أشهد تحقق «أنا»ي.
فأنتشي بصرختي: يا «أنا»ي هذا «أنا».