كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

د. بهجت سليمان: سلسلة العظماء الخالدين.. جواهر لال نهرو

(سلسلة العظماء الخالدين)

- 3 -

(جواهر لال نهرو)

ولد نهرو في 14 تشرين الثّاني – نوفمبر عام (1889م) لعائلة ثريّة. و في العام (1896م) أمضى ستة أشهر في مدرسة (سانت ماري) للرّهبان، ثم تلقّى في الأعوام (1902- 1904م) تعليماً خاصّاً على يد "الإنكليزيّ" (فيرد نيرن بروكس)؛ ثم اعتباراً من عام (1905م) أرسلته أسرته إلى (بريطانيا) ليدرس القانون، فدرس أوّلاً في مدرسة (هارو) و هي مدرسة مستقلّة للبنين، في (هارو) في  (الكابيتول هيل)، تلاها كليّة (ترينيتي) في جامعة (كامبريدج) في عام (1907م)، و في عام (1910م) حصل على شهادة في القانون من (إنْرِتِمْبِلْ). و بعد أن أنهى دراسته في (بريطانيا) طاف في (أوروبّا) كلّها، إلى أن عاد إلى بلاده (الهند) في العام (1912م) بعد أن أصبح بعيداً نسبيّاً عن ثقافة بلاده الأصليّة، على عكس زوجته التي بقيت هندوسيّة متديّنة.

في (الهند) لم يَمِلْ (نهرو) إلى العمل المهنيّ، و اتّجه إلى السيّاسة، و حضر لأوّل مرّة جلسةً للكونغرس في عام (1912م)؛ و في عام (1916م) قابل (نهرو) (غاندي) لأول مرّة و أعجب به، ثمّ تتلمذ عليه سياسيّاً و دينيّاً، و أصبح مواظباً على دروس و واجبات "اليوغا" و قراءة الكتب الهندوسيّة المقدّسة، و نبذ الملابس الأوروبيّة و ارتدى الملابس الهنديّة، و أقنع والده و بقيّة العائلة بأن يفعلوا ذلك، على رغم أنّ والده كان من المعارضين لـ (غاندي)، حيث كان يؤمن، على عكس (غاندي)، بإمكانيّة أن يكون استقلال (الهند) جزئيّاً.

و في العام (1916م) تزوّج من (كمالا كاول)، و في عام (1918م) أنجبت له طفلته (أنديرا) التي ستصبح لاحقاً (أنديرا غاندي) رئيسة وزراء الهند. و على رغم علاقته المتينة بـ (غاندي)، لم يكنْ (نهرو) متعصّباً للهندوسيّة، و على العكس كانت لديه ميولٌ صريحةٌ إلى الألإكار الاشتراكيّة.

في عام (1919م) انضمّ (نهرو) إلى حزب (غاندي) "سيتاجرا صبحهْ"، و في عام (1920م) اشترك في "حركة عدم التّعاون"؛ و حيث سيصبح لاحقاً شريكاً مؤسّساً في "حركة عدم الانحياز" لكلّ من (جمال عبد النّاصر) و (سوكارنو) و (تيتو).

بين العامين (1024- 1925م) أصبح (نهرو) سكرتيراً عامّا للَجنة "مؤتمر عموم الهند"، و في العام (1927م) تمّ انتخاب (نهرو) العضوَ التّاسع في اللجنة التّنفيذيّة لمؤتمر "الجنسيّات المضطهدة" في (بروكسل)، و في العام نفسه حضر (نهرو) الاحتفال بالذّكرى العاشرة لثورة أكتوبر الرّوسيّة الاشتراكيّة، في (موسكو).

شارك (نهرو) في الاحتجاجات على لجنة (سايمون) [و هي لجنة التّحقيق البرلمانيّة التي شكّلت بقرار من الّلورد بيركينهيد الإنكليزي، "وزير دولة الهند" في بريطانيا، و التي عهد إليها برئاسة السّير (جون سيمون) بدراسة وضع الهند السّياسيّ و إبداء الرّأي في إمكانيّة تعديل نظامها الدّستوريّ. و من الّلافت أنّ هذه الّلجنة لم تكن تحتوي في أعضائها على أيّ عضو هنديّ! هذه و قد رفضها قرار مؤتمر عموم الهند، و قوبلت عند وصولها بمظاهرات جماهيريّة رافضة لها] و تعرّض أثناءها (نهرو) للضّرب بالهراوات من قبل الشّرطة، حيث شارك (نهرو) في المظاهرات التي عمّت الهند احتجاجاً على وصول "لحنة سيمون" في 30 تشرين الثّاني – نوفمبر من عام (1928م)، و كانت تجربة له قاسية، يرويها بنفسه على النّحو التّالي:

      " لقد وصلَ الفرسانُ بسرعةٍ تقريبًا إلى الصفوف الأولى من موكبنا. ونحن صمَدْنا؛ فأمامَ هذا الجمع المحتشد الذي لا يتراجع، شبَّت الخيولُ، بعدَ أنْ توقَّفَت في اللحظة الأخيرة، فأصبحَتْ حوافرُها تضرب الهواءَ فوق رؤوسنا. بعد ذلك، أخذَت الضرباتُ تنهالُ علينا كالمطر، بالهراوات وبعِصِيِّ اللَّثي lathis، حيث اجتمع علينا الشرطةُ بين راجلٍ وفارسٍ موحِّدين جهودَهم ضدنا. كان ذلك وابلاً مروِّعًا من الضربات. (...) وأصابتني الحُمَّى في الحال، فشعرتُ عندئذٍ بنفسي محطَّمًا من الألم ومتعَبًا بصورة فظيعة. كانت الكَدَماتُ والرُّضوضُ تغطِّي جسمي؛ وكان كلُّ بدني يؤلمني"

      " كان الرُّقَباءُ الأوروبيون هم الأكثر حَنَقًا وغيظًا؛ وكان مرؤوسوهم من الهنود يَبْدون ألطفَ ولكنْ عندما أعود فأرى تلك الوجوه المليئة بالكراهية، المتعطِّشة للدماء، التي تكاد تكون وجوهَ مجانين، دون أدنى أثرٍ للرحمة ولا للإنسانية....! من المرجَّح أنْ تُقرأَ الكراهيةُ على وجوهنا أيضًا في ذلك الحين؛ لم تكنْ سلبيَّـتُنا تعني بالتأكيد أنَّ قلوبنا تفيض محبةً تجاه الخصم أو أنَّ قَسَماتِنا تشعُّ جَمالاً "

في عام (1929م) انتخب (نهرو) رئيساً للجنة مؤتمر عموم الهند، ليترأس جلسة (لاهور) عاصمة (البنجاب)؛ و في عام (1930م) شارك (نهرو) في حركة العصيان المدنيّ الذي نُظّم من أجل استقلال الهند، و كان يعود الفضل في ذلك "العصيان" إلى (غاندي) في تمرّد منظّم لتحدّي "الإمبراطورية" علناً، و مع ذلك لم تكن استراتيجيّة دقيقة قد حُدّدت من أجل ذلك. و قد حلّل (نهرو) الوضع الجديد الذي أوجدته قرارات ملاتمر (لاهور) على النّحو التّالي:

      " لقد بدأَت الآلةُ تعمل؛ لكننا كنا ما نزال في الظلام، ولا نعرف بالضبط متى نبدأ ولا من أين نبدأ. فقد كانت اللجنةُ المركزية تمتلك تفويضًا مطلقًا [كارت بلانش] لوضع خطط الحملة أو تنفيذها. إلاَّ أنَّ كلَّ فردٍ كان يَـعْـلَم أنَّ القرار الحقيقي يعود إلى غاندي جي. (...) وكنا رغمَ ذلكَ مستمرِّين في عدم معرفة المكان الذي كنا نذهب إليه. فعلى الرغم من الحماس الذي جرت فيه الجلسةُ، لا أحد كان يستطيع أنْ يقول كيف ستتصرف البلادُ أمام برنامج ناشط. كنا قد احتلَلْنا الجسورَ دون أملٍ بالانسحاب، ولكننا كنا نتقدَّم نحو بلد مجهول".

في عام (1942م) تمّ القبض على (نهرو) أبّان نشاطات "حركة ارحلوا عن الهند"؛ و في عام (1947م) و في 15 من آب- أغسطس، منح (نهرو) شرفاً فريداً و رفيعاً برفع علم الاستقلال في الهند المستقلّة، في (نيودلهي) عندما حصلت (الهند) على الاستقلال؛ و تمّ تعيينه كأوّل رئيس للوزراء في الحكومة المؤقّتة، و مفوّضاً رئيسياً في المؤتمر القوميّ الهنديّ، ثمّ تمّ انتخابه كأوّل رئيس للوزراء في (الهند) بع الاستقلال.

توفّي (نهرو) في 27 أيّار – مايو عام 1964م. شهدت (الهند) في عهد الزّعيم (جواهر لال نهرو) تطورات حضاريّة سريعة فأسّس العديد من المنشآت العلميّة كمؤسّسات الهند للعلوم الطّبيّة، و المؤسّسات الهنديّة للتّكنولوجيا، كما ساه مساهمات باقية في إرساء معالم "الدّيموقراطيّة البرلمانيّة"، و العلمانيّة و الّليبراليّة بما يتناسب مع تعدد الشّعوب و القوميّات و الأديان الهندية المختلفة.

أولى (نهرو) اهتمامات خاصّة تشريعيّة و تنظيميّة و إداريّة في مجال الاهتمام بالفقراء و المحرومين في (الهند)، و أصبحت سيرته و أعماله و مؤلّفاته السّياسيّة و الاقتصاديّة و الاجتماعيّة، مراجع استرشاديّة في صناعة و صياغة السّياسات التي ما زالت تؤثّر في الاتّجاهات الرّئيسة و الاستراتيجيّة لتوجّهات (الهند) العامّة الاقتصاديّة و الاجتماعيّة و السّياسيّة و الدّوليّة حتّى اليوم. و قد كان لمدّة ولايته الطّويلة أثراً في استقرار الاستراتيجيّات العامّة في سياسات (الهند) الدّاخليّة و الخارجيّة على السّواء.

قليلون هم الذين يعرفون حجم الزّعيم و المناضل الكبير من أجل استقلال (الهند) و تحرّرها من الاستعمار الإنكليزيّ (جواهر لالْ نهرو).

و كذلك قليلون الذين يعرفون ذلك الاقتران النّضاليّ بين مخلّص (الهند) (غاندي) و بين (جواهر لالْ نهرو) أبو (الهند) الحديثة، حتّى أنّنا يمكن لنا القول بأنّ درجة عالية من التّلازم النّضاليّ النّادر في التّاريخ هي التي جمعت بين "المعلّم" (غاندي) و المُريد (نهرو)، في قضيّة هي من أقدس و أعظم و أجلّ القضايا المصيريّة الإنسانيّة، و هي التّحرّر من الاستعمار الأجنبيّ.

-------

 - القرن العشرون: قَرْنُ العمالقة الذين أبدعوا بصناعة التاريخ.. بدَأَ و مَرَّ ب:

لينين             

و ماو تسي تونغ                

و نهرو                 

و تيتو                   

و هوشي منه                     

و جمال عبد الناصر                      

و فيديل كاسترو                        

و حافظ الأسد                          

و هواري بومدين                            

و الإمام ا لخميني                              

و مانديلا                                

و تشافيز                                  

و السيّد حسن نصرالله..

- وقد رحلت أجسادُهُم جميعاً، وبقيَتْ أرواحُهُم.. ما عدا رَمْزٍ أسطوريٍ واحد، هو سيّدُ المقاومة، أطالَ اللهُ عُمْرَهُ.

- و بَدأَ  القرنُ الحادي والعشرون، بِعملاقٍ لا ثاني له حتى اليوم، هو: أسد بلاد الشام: الرئيس بشار الأسد.

في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني
وفاة المفكر والناقد والمترجم السوري حنا عبود
من ذكريات دمشق "شريفو ترك الفن وصار يعمل في السياسة"