كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

د. بهجت سليمان: سلسلة العظماء الخالدين.. فيديل كاسترو

{سلسلةُ العظماء الخالدين}

-7-

(ڤيديل كاسترو)

ولد فيدِل أليخاندرو (كاسترو) في 13 آب – أغسطس من العام (1926م)، بالقرب من (بيران) الواقعة في مقاطعة (أورينت) شرق (كوبا)، لوالدين مهاجرين من (أسبانيا)، في أسرةٍ من المزارعين الأثرياء من ملّاكي الأراضي. و هو الإبن الثالث من ستة أولاد، بما في ذلك شقيقيه (راؤول) و (رامون)، وثلاث شقيقات. كان والده من الأثرياء و صاحب مزرعة للسكر، و كانت والدة (كاسترو) خادمة لزوجة أبيه الأولى. و في سن 17، اعترف الوالد بـ(فيدل) رسمياً، و تم تغيير اسمه من (روز) لـ (كاسترو).
تلقى (كاسترو) تعليمه في مدارس "اليسوعية" الداخلية الخاصة، وترعرع في أسرةٍ غنية وسط فقر الشعب الكوبي، وكان من الموهوبين فكريا.
تمرد (كاسترو) منذ صغره على حالة الترف التي كان يعيشها بعد ما صُدم بالتناقض الكبير بين رغد العيش في أحضان عائلته و بين قسوة العيش و الفقر في مجتمعه.
في عام (1945م) التحق بجامعة (هافانا)، حيث درس "القانون".
في عام (1947م)، أصبح (كاسترو) متعاطفاً بشدّة و حماس مع قضايا "العدالة الاجتماعية"، فسافر إلى جمهورية "الدومينيكان" للانضمام الى الحملة لمحاولة الإطاحة بالدكتاتور (رافاييل تروخيو) و لكن "الانقلاب" فشل قبل أن يبدأ، إلا أن هذا الحادث لن يضعف من حماس (كاسترو) للإصلاح الثوريّ.
بعد فترة وجيزة من عودته إلى الجامعة في (هافانا)، انضم كاسترو لحزب (Ortodoxo)، وهو حزب سياسي للشيوعية تأسس لإصلاح الفساد الحكومي في (كوبا). كانت أهدافه القومية، هي الاستقلال الاقتصادي، و الإصلاحات الاجتماعية، و كان مؤسسه ، المرشح الرئاسي الكوبي (ادواردو) (Chibas)، الذي خسر الانتخابات في عام (1948م).
في عام 1948، تزوج (كاسترو)، و كانت زوجته من عائلة ثرية في كوبا. كان يسعي بطموحاته السياسية كمرشح للحصول على مقعد في البرلمان الكوبي؛ إلا أن الانقلاب الذي قاده (فولغينسيو باتيستا) عمل على إلغاء الانتخابات البرلمانية المزمع عقدها آنذاك.
تخرّج (كاسترو) من الجامعة في العام (1950م) و عمل كمحامٍ.
أثناء وجوده في جامعة (هافانا)، تشبّع (كاسترو) بالمناخ السّياسيّ القوميّ الكوبيّ، و بالاشتراكيّة، و بمعاداة الإمبرياليّة.

سمى (باتيستا) نفسه بالدكتاتور، وعزّز سلطته مع الجيش والنخبة الاقتصادية في (كوبا) و حصن حكومته التي تعترف بها (الولايات المتحدة).
وقف كاسترو مع زملائه أعضاء حزب (Ortodoxo) حيث كان يتوقع أن يفوز في الانتخابات عام (1952م)، و نظم تمرّداً في 26 تموز - يوليو (1953م).
توجّه (كاسترو) و معه حوالي (150) من انصاره و هاجموا ثكنة (مونكادا) في مدينة (سنتياغو دي كوبا) [ثاني أكبر مدينة في كوبا، بعد هافانا] في محاولة للإطاحة بـ(باتيستا)، و لكن الهجوم فشل و اعتقل (كاسترو)، و حوكم و أدين و حكم عليه بالسجن لمدة (15) عاما و مع ذلك، عزّز هذا الحادث المعارضة المستمرة للحكومة مما جعل (كاسترو) مشهوراً في جميع أنحاء (كوبا).
أطلق سراح (كاسترو) في أيّار – مايو عام (1955م)، و نُفي إلى (المكسيك)، حيث ينتظره هناك أخوه (راؤول) و رفاقه فيما كانوا يلمّون الشّمل إعداداً للثّورة.
في (المكسيك) كان إرنستو تشي (غيفارا) قد التحق بالثّوّار ليتعرّف على (كاسترو)، و ليصبح، مع رفاقه و من معه، جُزءاً من "المجموعة الثّوريّة".
وضع (فيدل كاسترو) و (إرنستو تش غيفارا)، مع رفاقهما، استراتيجية جديدة لإسقاط نظام (باتيستا) على أساس حرب العصابات. و أعتقد (غيفارا) أن محنة الفقراء في أمريكا اللاتينية لايمكن معالجتها إلا من خلال ثورة عنيفة، و لذلك انضم إلى مجموعة كاسترو و أصبح من المقربين المهمين إليه، وقام (كاسترو) بصياغة المعتقدات السياسية للحركة الثّوريّة النّاشئة.
في يوم 2 كانون الأوّل - ديسمبر (1956م)، عاد (كاسترو) مع رفاقه من (المكسيك) الى (كوبا) على متن قارب شراعيّ يحمل (80) مسلحاً. و فور وصوله تحرك (كاسترو) عسكرياً، و استطاع (40) من مجموع الـ(80) رجلاً الانسحاب إلى الجبال، بعد أن تعرضوا لهجوم غير متوقع من جيش (باتيستا) عند نزولهم على الشاطىء و دخولهم (كوبا).

تمكن (كاسترو) و شقيقه (راؤول)، و (غيفارا) و رفاق لهم آخرون من الفرار في سلسلة جبال (سييرا مايسترا) على طول الساحل الجنوبي الشرقي للجزيرة.

عمل (كاسترو) من جديد على ترتيب صفوفه و بدأ مع رفاقه بشن "حرب عصابات" من الجبال على الحكومة الكوبية. و ابتداء من عام (1958م) و على مدى عامين، شنّ ثوّار (كاسترو) "حرب عصابات" ضد حكومة (باتيستا)، و استطاع تنظيم "جماعات المقاومة" في المدن و البلدات الصغيرة في جميع أنحاء (كوبا)، كما انه كان قادراً على تنظيم "حكومة موازية"، و إجراء بعض الإصلاحات الزراعيه في المحافظات "المحرّرة" و السيطرة علي الإنتاج الزراعي و التصنيع. شنت قوات (كاسترو) سلسلة من الحملات العسكرية الناجحة في جميع أنحاء (كوبا)، و بسبب جهود (كاسترو)، وفقدان الدعم الشعبي لقوات (باتيستا) و فرار الجنود النّظاميين من قوات "الدّكتاتور" علي نطاق واسع من الجيش)، و بتأييد شعبي لـ(كاسترو)، و انضمام رجال "القوات المسلحة الكوبية، النّظاميّة" إلى صفوفه، استطاع (كاسترو) أن يشكل ضغطاً على حكومة (هافانا)، فانهارت حكومة (باتيستا) مما اضطر "رئيس الحكومة" و "رئيس الجمهورية" إلى الهرب من العاصمة في 1 كانون الثّاني – يناير عام (1959م)، على إثر إضراب عام و شامل جاء تلبية لخطاب (فيدل كاسترو)؛ ثم دخلت قواته إلى العاصمة (هافانا) بقيادة (إرنستو تشي غيفارا)، حيث كان عدد المقاتلين الذين دخلوا تحت أمرة (غيفارا) ثلاثمائة. كان كاسترو في سن ال (32) عاماً عندما اختتم بنجاح حملة حرب العصابات الكلاسيكية للسيطرة على (كوبا).

تمّ إنشاء حكومة جديدة، بقيادة (خوسيه ميرو كاردونا) رئيساً للوزراء، و سرعان ما وصل (كاسترو) إلى (هافانا) مع الحشود بالهتاف، و تولى منصب رئيس الأركان في الجيش. في شباط - فبراير (1959م)، استقالت وزارة (ميرو) فجأة، وأدى (كاسترو) اليمين الدستوري لمنصب رئيس الوزراء. في عام (1961م) قطعت (الولايات المتحدة) علاقاتها الدبلوماسية مع الحكومة الكوبية الثّوريّة الجديدة. في 16 كانون الثّاني - يناير من العام (1961م)، أعلن (كاسترو) رسميا أن كوبا دولة اشتراكية. في اليوم التالي، اجتاح (كوبا) أكثر من (1400) مقاتلاً من "المنفيين الكوبيين" في "خليج الخنازير"، في محاولة لقلب نظام الحكم، و انتهى التوغل بالكوارث؛ حيث قتل المئات من "المتمردين" و المرتزقة و ألقي القبض على نحو (1000) منهم، على رغم أن (الولايات المتحدة) نفت أي تورط لها؛ و تم الكشف عن أن "المنفيين الكوبيين" تم تدريبهم من قبل "وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكيّة"، و أنهم مسلحين بأسلحة من (الولايات المتحدة)؛ كما كشف أرشيف "الأمن القومي الأمريكيّ" أن (الولايات المتحدة) بدأت التخطيط لقلب نظام حكم (كاسترو) في وقت مبكر من شهر تشرين الأوّل - أكتوبر من العام (1959م). في نيسان - أبريل عام (1961م) وقع غزو "خليج الخنازير" و الذي كان عبارة عن محاولة انقلابية من قبل "وكالة المخابرات المركزية الأمريكيّة"، و التي انتهت بالفشل.

كان (كاسترو) قادراً على الاستفادة من هذا "الحادث" لتعزيز سلطته ومواصلة تعزيز مخطّطاته السّياسيّة. ففي 1 أيّار - مايو عام (1961م) ، أعلن "وضع حدّ للانتخابات الديمقراطية" في (كوبا)! و ندّد بالإمبريالية الأمريكية. ثم في نهاية العام، أعلن (كاسترو) نفسه كمتبنٍّ للماركسية اللينينية، و أعلن أن "الحكومة الكوبية" اعتمدت السياسات الاقتصادية و السياسية "الشيوعية". في 7 شباط - فبراير عام (1962م)، فرضت (الولايات المتحدة) الحصار الاقتصادي الكامل على (كوبا) و هي السياسة التي لا تزال حتى يومنا هذا. كثف (كاسترو) علاقاته مع (الاتحاد السوفيتي) من خلال قبول المزيد من المساعدات الاقتصادية والعسكرية.

في أكتوبر عام (1962م)، أدى الاعتماد المتزايد على المساعدات "السوفيتية" لـ(كاسترو) بأن أصبح العالم على شفا أندلاع حرب نووية؛ و أدّت الرغبة "السوفييتيّة" في ردع الغزو الأمريكي لكوبا، أن قام رئيس الوزراء السوفيتي آنذاك (نيكيتا خروتشوف) بنشر صواريخ نووية في (كوبا)، علي بعد 90 ميلاً، فقط، قبالة سواحل ولاية (فلوريدا) الأمريكيّة، حيث بررت هذه الخطوة بأنّها ردٌّ على الصواريخ الأمريكية (كوكب المشتري) المنتشرة في (تركيا). و اكتشفت طائرة استطلاع أمريكية U2 بناء قاعدة صواريخ "سوفييتيّة"، و ردّ الرئيس (كينيدي) بالمطالبة بإزالة الصواريخ، و أعطيت أوامر للبحرية الامريكية لتفتيش أي سفينة متجهة الى "الجزيرة" (كوبا).
في (27) تشرين الأوّل - أكتوبر من العام (1962م)، بعث الرئيس الكوبي (كاسترو) برسالة خطية للرئيس السوفييتي يحثه فيها على شنّ هجوم نووي على (الولايات المتحدة) و لكن (الاتحاد السوفييتي) لم يستجب لهذا الطلب. و رضخ (الاتحاد السوفييتي) لإزالة الصواريخ المنشورة في (كوبا) شريطة أن تتعهد (الولايات المتحدة) بعدم غزو (كوبا)، و التخلص من الصواريخ البالستية الأمريكية في (تركيا). مما أدى لاستتباب الأمن وزوال الخطر. و لكنّ العلاقة بين (الولايات المتحدة) و (كوبا) اتّسمتْ بالعدائية، واستمرت (الولايات المتحدة) بمحاولاتها لاغتيال (كاسترو).
أصبح (كاسترو) منذ حينه أحد النجوم اللامعة في عصر الحرب الباردة.
في عام 1970، أعلن (كاسترو) نفسه بأنه المتحدث الرئيسي لبلدان العالم الثالث من خلال توفير الدعم العسكري للقوات الموالية للاتحاد السوفيتي في أنغولا وإثيوبيا واليمن.
في عام (1975م) ، أرسل (15) ألف جنديّ إلى (أنغولا) لمساعدة القوات "الأنغولية" المدعومة من "السوفييت". و في عام  (1977م) أرسل قوات أخرى إلى (أثيوبيا) لدعم نظام الرئيس الماركسي (مانغستو هيلا ميريام).
كان لانهيار "المعسكر الاشتراكي" عام (1991م) أثرٌ كبيرٌ على اوضاع (كوبا) الاقتصادية بخاصّة، إلا أن بعض المحللين يرون أن (كوبا) تمكنت من التقليل من آثاره؛ فقد كان (كاسترو) بارعاً جداً في السنوات الأخيرة ، حيث أنه أستطاع السيطرة على الحكومة خلال الأوقات الاقتصادية العصيبة. و ضغط على (الولايات المتحدة) لرفع الحصار الاقتصادي، و لكنها رفضت.
اضطرّ (كاسترو) لاعتماد نظام "الاقتصاد الحر"، كإضافةٍ مرحليّة أو تاكتيكيّة، إلى جانب القطاع العامّ. فقام بتشجيع الاستثمار الدولي وتشجيع السياحة، وزار الولايات المتحدة في عام (1996م)، و دعا المنفيين الكوبيين الذين يعيشون هناك إلي العودة إلى كوبا لبدء الأعمال التجارية. 

صمد نظام (فيدل كاسترو) حتّى رحيله إلى العالم الآخر (أكثر من نصف قرن) أمام غطرسة (الولايات المتحدة) و عدائها المباشر لكوبا، ناهيكَ عن الحصار الاقتصادي المطلق الذي فرضته على بلاده؛ و استمر نظام (كاسترو) حتى بعد سقوط الأنظمة الشيوعية في دول الاتحاد السوفيتي وأوروبا الشرقية عام (1991م).
كان لنظام (كاسترو) الفضل الكبير في الانتقال بـ (كوبا) من نظام اجتماعيّ راكد و مجتمع متأخّر إلى مجتمع علميّ، حيث افتتح (10،000) عشرة آلاف مدرسه جديدة، و زيادة في محو الأمية إلى (98) في المئة. و تمتع الكوبيون بنظام الرعاية الصحية الشامل، حيث انخفض معدل الوفيّات نتيجةً لرفع مستوى المعيشة للمواطن الكوبيّ.
و بينما كانت "الأنظمة الشيوعية" تنهار حول العالم، نجح الزعيم الكوبي (فيدل كاسترو) في الحفاظ على الأعلام الحمراء ترفرف على أبواب عدوه الأكبر، (الولايات المتحدة الأمريكية).
تعرض (كاسترو) لمحاولات كثيرة من الاغتيالات و القتل و من التدخلات الامريكية، و تحول "الرجل" إلى مثال أمام بلدان و قيادات أخرى في أمريكا اللاتينية و غيرها.
و ذكرت عدة تقارير استخباراتيّة و غيرها ان (الولايات المتحدة) حاكت اكثر من (600) ستمائة مؤامرة لاغتيال (كاسترو) إلا انه ظل زعيماً عالميّاً شيوعيّاً هناك في قلب "القارّة الأمريكيّة"، و على قبالة سواحل (الولايات المتّحدة) نفسها ، بينما تعاقب على حكم (الولايات المتحدة) رؤساءٌ عديدون!
رحل الزّعيم الكبير (فيدلْ كاسترو) عن عالمنا، منذ أيّام قليلة، في السّادس و العشرين من شهر تشرين الثّاني – نوفمبر من هذا العام (2016م)، و كان رحيله بمثابة غياب أحد آخر قادة و عظماء القرن العشرين.. السّالف منذ عهدٍ قريب.

في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني
وفاة المفكر والناقد والمترجم السوري حنا عبود
من ذكريات دمشق "شريفو ترك الفن وصار يعمل في السياسة"