كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

بين العالَم الواقعيّ والعالَم المُتخيَّل على هامش نّص لـ(أحمد غانـم)

أحمد عزيز الحسين
كان الصديقُ الرّاحل أحمد غانم ( 1951-1922) قد نشر في صفحته الفيسبوكية نصّاً سرديّاً مكثّفاً، وكنتُ كتبْتُ تعليقاً نقديّاً مطوَّلاً عنه، ونشرته في صفحتي، وقد قامتِ الصديقة "ثناء المحمد" بنشر النّصِّ والتّعليقِ معاً اليوم في "ملتقى الحق الخير والجمال" الذي تشرف عليه، فوجدت الفرصةَ سانحةً لإعادة نشر النص والتّعليق معاً تحيةً لروح صديقي الراحل الذي غادرنا منذ عام ونيف بعد أن ترك نتاجاً فكريّاً ثرّاً جديراً بالاحتفاء، وإعادة القراءة والنقاش من جديد.
النّـــــــــــــــصُّ 
(المطـــــرُ والمــــــرآةُ)
نافذتي مرآة. أنظر من خلالها الى المطر يهطل في الخارج وتتحرك حباته كاللؤلؤ المنثور؛ فيحضرني هوغو:
"البكاء في قلبي
كما المطر فوق المدينة".
وارى بجعات تشايكوفسكي ترقص على فالسات ستراوس. وفي الوقت نفسه أشاهد حوت هرمان ملفيل وهو يقفز بجبروته وينفث زفيره عالياً.
لست أدري كيف استحضرَتْ مرآتي تلك الكائنات المنقرضة بكل قبحها وتشوهاتها وهي تحمل رؤوساً بشرية مقطوعةً لأطفال ويافعين! وحين حاولتُ الخروج من الكابوس عرضتْ مرآتي ( وكأنها أدركتْ مدى الضيق الذي سيطر على مشاعري) صورةَ كفيفٍ تبّينْتُه فإذا هو المعرّي في رحلته يعرض فيلماّ ملوناً للجنة والنار.
كانت الساعة قد أعلنت الثامنة. فأسدلت ستائر نافذتي وخرجتُ إلى عملي. شغّلتُ ماسحات الزجاج فأخذتْ تزيح تلك القطرات التي شكلت عقوداّ من اللؤلؤ على زجاج سيارتي. وكان هوغو يسير على الرصيف الأيسر تحت المطر وهو يتمتم بكلمات . واستغلتْ بجعاتُ تشايكوفسكي الوقت فبالغتْ في رقصها الجميل في برك المياه التي تجمعت في الساحات. ولم أندهش لرؤية حوت ملفيل وهو يقفز عابراً شوارع المدينة. إلا أنّ ما أدهشني لدرجة أني كدْتُ أكذِّب عينيَّ رؤية المعرِّي مبصراً وهو يعزف ستراوس. وأحد الكائنات المنقرضة يحتزُّ رأسه دون أن يتوقف عن العزف.
التّعليــــــــــــقُ 
هذا نصٌّ سرديٌّ باذخٌ يقدم رؤيةً جماليّة للإنسانِ المتوتِّر والمأزوم والذي يسعى إلى فهم ذاته، وووعي الكونِ والوجودِ من حوله، وهو لا يُقدِّمُ لنا متناً ينهضُ على حكايةٍ مسرودةٍ يمكن أنْ نعثرَ عليها في حيّزنا الواقعيّ الذي نعيشُ فيه، بل يتناسجُ مع مجموعةٍ من النصوصُ الأدبيةِ والفنيةِ، ويستحضرُ شخصياتٍ تاريخيةً ومُتخيَّلةً تمحورتْ حيواتها، أونصوصُها الإبداعيةُ، حول آليّةِ تحقيقِ الإنسانِ لذاتهِ وهويّتهِ على الأرض، وانشغلتْ بالكيفيّةِ التي تمّ بها ذلكَ؛ وأوّلها الشّاعرُ والأديبُ الفرنسيّ هوغو الذي استعار منه الكاتبُ نصّاً أقام من خلاله نوعاً من الموازنة بين الحلمِ والواقعِ، أو بينَ ما يعتملُ في ذاتهِ من انفعالٍ وحزنٍ، وبين ما يتجلّى في الطبيعةِ من ظواهرَ طبيعيّةٍ اعتبرها الكاتبُ معادلا موضوعياًّ لما يصخبُ في داخلهِ من انفعالاتٍ وتوتُّراتٍ لم تُفضِ إلى تكوينِ ذاتٍ معافاةٍ نتيجةً لوجودها في سياقٍ مأزومٍ؛ ولذا لم تكنْ حبّاتُ المطرِ التي شاهدها الكاتبُ ( أو ساردُه) على زجاجِ نافذتهِ، على ما فيها من جمالٍ، سوى مقابلٍ رمزيٍّ للدُّموعِ التي امتلأتْ بها عيناهُ، ولم يُتحْ لها أن تنداحَ وتسيلَ، بل بقيتْ حبيسةَ محجريهِ في دلالةٍ واضحةٍ على أنّه لم يُحسِن التّخلُّصَ من انفعالاتهِ الخبيئةِ، بل بقيَ مشحوناً ومتوتِّراً، وظلَّ رهين التّقلُّبِ بين الواقعِ المأزومِ والحلمِ الورديِّ الذي كان يطمحُ إلى تحقيقه.
كما استحضرَ الكاتبُ أيضاً حوتَ هرمان ملفيل (موبي ديك) بوصفهِ رمزاً للقوّة العاتيةِ التي حاول إهاب في رواية (ملفيل) ترويضَها، والتّحكُّمَ بها، وإخضاعَها لسطوته، وتحقيقَ ذاتِهِ من خلالها مع أنه دفع حياته ثمناً لقاء ذلك، وكذلك فعل حينَ استحضرَ (بحيرة البجع) لـ(تشايكوفسكي) التي انشغل صاحبُها بسؤال الذّاتِ والهويّةِ، وكيفيّةِ تحقيقهما في الوجود، وظلّ مهموماً بهما إلى أن رحل، كما فعل أيضاً حين مدّ يديهِ إلى (رسالة الغفران) للمعرّي، التي انشغلتْ بثنائيّاتِ الخير والشّرّ، والذّاتِ والآخرِ، وآليّةِ تحقيقِِ الإنسانِ لذاتهِ في عالم متوحِّشٍ ومضطّربٍ؛ فكافأ صاحبُها الأخيارَ بدخول الجنّةِ، وحكم على المسيئينَ بدخول النّارِ، ولكنّه لم يحظَ بالاستقرارُ والراحةِ في قبرهِ حتى بعد رحيله؛ إذ بقي جثمانُهُ متعالقاً في عالم متوحِّشٍ يحكمهُ العنفُ والتّطرُّفُ.
والملاحظُ أنّ الكاتب استطاعَ، من خلال ما قام به من تعالُقٍ نصيٍّ وتاريخيٍّ، تشكيلَ نصٍّ سرديٍّ ينهضُ على اللامعقول والأسطرةُ والخرافةِ، وعلى المزجِ بين الحلمِ والواقعِ، مؤكِّداً أنّ عالمنا الواقعيّ أصبح يتجاوز بلامعقوليتهِ العالَمَ المتخيَّلَ، وأمسَيْنا أسيرِي قانونهِ الذي لا يُعِير اهتماماً للمعقولِ، بل يحتفي بكلّ ما يناهض العقلَ واللامعقولَ، ويؤيِّد الخرافةَ والتّوحُّشَ والعنفَ.

وقد يكونُ الملمحُ الوحيدُ الذي يدلُّ على تفاؤل الكاتب في نصِّه أنّ الحياةَ بقيتْ صاخبةً ومستمرّةً في اندياحها، وظلَّ المطرُ (رمزُ الخصبِ والانبعاثِ) يهطلُ في نصّهِ السّرديِّ مانحاً الحياةَ للناس، كما بقيتْ بجعاتُ (تشايكوفسكي) ترقصُ محتفيةً بالحياة، وظلتْ فالساتُ شتراوس تعبِّر عن مخزونِ فرحٍ لا ينضبُ، وبقي أبوالعلاء المعرِّي مصرّاً في النصِّ، رغم قطعِ رأسه، على أنّ الحياةَ لا يمكنُ أنْ تتوقّف أو تُصادَر، وأنّه سيبقى يعزف إيذاناً بأنّ رؤيته الجماليّة للحياةِ والواقعِ ستبقى حيّةً في ضمائرنا رغمَ جيوشِ الظّلامِ الحالكِ التي تحاصرنا من كل حدْبٍ وصوبٍ.

في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني
وفاة المفكر والناقد والمترجم السوري حنا عبود
من ذكريات دمشق "شريفو ترك الفن وصار يعمل في السياسة"