آمال عوّاد رضوان: الإحجامُ لغةٌ تتأرجحُ بين المَحْو والحضور!
2017.02.03
أقام نادي حيفا الثقافي برعاية االمجلس الملي الأرثوذكسي الوطني/ حيفا أمسية أدبية، وذلك بتاريخ 26-1-2017 في قاعةكنيسةالقديس يوحناالمعمدانالارثوذكسيةفيحيفالإشهار ومناقشة رواية "الحاجة كريستينا" للكاتبد.عاطفأبوسيف، وبعد أن رحّب بالحضور المحامي فؤاد نقارة رئيس نادي حيفا الثقافي، تولى عرافة الأمسية الكاتب سهيل عطالله، وتحدث عن الرواية كلّ من: د. منار مخّول، وسلمى جبران، وحسن عبادي، وخلود سرية، وفي نهاية الأمسية أجاب المحتفى به عاطف أبوسيف عن أسئلة طرحها الحضور، ثمّ شكر المنظمين والمتحدثين والحضور، وثمّ التقاط الصور التذكارية!
مداخلة الأديب سهيل عطالله: مدرسة في مخيم ومخيم في مدرسة، المدرسة غزة هاشم والمخيم جباليا، في مخيم جباليا تتحدث فلسطين عن نفسها، من جباليا المجبولة بحبّ الوطن يأتينا هذا المساء فارس من فرسان الكلمة، أهلًا بالكاتب الفلسطينيّ المبدع عاطف أبو سيف. لقد ايقظت الرواية فيّ أحاسيس وطنيّة، تزدان بلوحاتٍ او جداريّاتٍ تُوثق حياتنا الفلسطينيّة هنا وهناك، ففي هذه الرواية تختصر فلسطين نفسها، وعلى صفحاتها وسطورها وبين سطورها نجد غزة هاشم بأهلها الخيّرين الطيّبين، تُقاوم الغزاة مُصرّة على اعتناق الحياة، وفيها توثيق صادق لحياة الفلسطينيّين أينما كانوا وأينما حطّت بهم الرحال والأحوال.
الشخصيّة المركزيّة المحوريّة هي الحاجة كريستينا، وكريستانا هذه كانت فضّة الصغيرة اليافاويّة التي غادرت يافاها إلى لندن للعلاج، وهناك اعتمدت كريستينا اسمًا مستعارًا بديلًا، ففي أواخر خمسينات القرن الماضي تدفع الأقدار كرستينا للعودة، ليس إلى يافا بل إلى المخيم في غزة، حيث تعيش طوال حياتها حتى تأتي سيّارة الصليب الأحمر وتنقلها إلى حاضرة الإنجليز، وذلك إبان العدوان الإسرائيليّ على غزة عام 2009، ومن يقرأ الكتاب يجد كاتبه يربط ما بين حياة فضة وبين ما حلّ بفلسطين، بدءًا من إضراب عامّ 1936 وهو عام مولدها مرورًا بالنكبة وما بَعدها. في الكتاب سرد للمآسي التي تتعرّض لها النساء الفلسطينيّات اللواتي فقدن ويفقدن آباءَهنّ وأزواجهنّ وأطفالهنّ وأشقّاءهنّ، للبقاء وحيدات في وجه عواصف الحياة وشدائدها، ومثال هذا البقاء نجده مُصوّرًا في حياة فضّة التي فقدت أهلها كسائر الفلسطينيّين المُهجَّرين المطرودين المُطارَدين، ففي الرواية يعيش الفلسطينيّ بين عالميْن: عالم الموت والاستشهاد كحصيلة لويلات القتل والتهجير، وعالم أمل استرداد الوطن، وفي هذا الأمل تأكيد لنا ولغيرنا. إنّ الموت لا يُلغي فلسطين من ذاكرة أهلها، فهي باقية في غزة وأخواتها، باقية بمجالس رجالها ونسائها، الأمر الذي يتجسّد بموت المُسنّ الفلسطينيّ الذي اصطحب معه مذياعه الصغير ليسمع أخبار الأهل والوطن.
عاطف أبو سيف يُصوّرُ الوطن، فيستهلّ روايته بالحديث عن الشبح في بحر غزة، والشبح يتكرّر ظهوره واحتجابه كإشارةٍ حيّة لمسلسل الحرب، والمعارك القادمة لتي يحترفها ويشنّها الطغاة المُتجبّرون على أبناء فلسطين من وقت لآخر، وهذا المسلسل تتكرّر حلقاته في شخص الحاجة العائدة أوّلًا كصغيرة من لندن إلى المخيّم، وثمّ من المخيم وهي مُسنّة إلى لندن، ومنها إلى المخيّم في نهاية المطاف.
بين عودة الحاجة الجدّة من جهة، وعودة الحفيدة ابنة ياسر ابن الجدّة من جهة أخرى، نشهد مسلسلًا واضحًا يرسم أملًا لعودة الأجيال إلى الوطن الفلسطينيّ، وفي هاتيْن العودتيْن توثيقٌ للماضي الفلسطينيّ، من خلال تعزيزه في واقعنا الحاضر المُلفِت، والمُلاحَظ أنّ مبدعَنا عاطف أبو سيف يُقدّم لنا جداريّة، على صدرها تتصدّر شخصيّة المرأة، ففي المخيّم تقوم مجالس الرجال التي لا تكتمل إلّا بمجالس النساء، فالنساء هنّ صانعات الحياة وصائنات الذاكرة، ومن أرحامهنّ تخرج قوافل الشهداء، إنّهنّ الشجاعات صاحبات الرأي والمقارعات لجنود الاحتلال، فكرستينا وصفيّة ونبيلة وسلطانة وسهيلة وغيرهنّ من المنتفضات الصامدات، كنّ يجمعن الحجارة الصغيرة ويكوّمنها في الأزقّة، ليلتقطها شباب غزّة ومخيّمها ليقذفوا بها جنود الاحتلال، وكنّ يُوزّعن رؤوس البصل المهروس على الشباب لشمّه وحماية عيونهم من سموم قنابل الغاز، وعلى صدر هذه الجداريّة نشهد وحدة الفلسطينيّين بانصهار طوائفهم في مزيج قوميّ واحد، تندمج فيه مسيحيّة سلطانة مع إسلام صديقتها فضّة (كرستينا).
قارئ هذه الرواية يجد نفسه في محضر ملف يختصر تضاريس فلسطين، حيث يتجلبب الغزّيّون بحبّ الوطن، تحدّيّا للغزاة من يهود ومستوطنين ووصوليّين عرب، كانت فضة تسمع عن قبائحهم وتشكيلاتهم الفئويّة الحزبيّة الرخيصة، وذلك ليس دفاعًا عن فلسطين، بل حُبّا بالتسلط وعشق الأنا، كما وأشير إلى تغيير الأسماء في حياتنا عند العرب وتحديدًا الفلسطينيّين فالأمر مألوف، فإنّ جورج الإنجليزيّ صديق أهل فضّة اليافاويّة، والذي نقلها معه إلى عاصمة بلاده للعلاج وهي ابنة إحدى عشرة سنة، فقد رأى جورج وجوب تحويل جنسيّتها بإعلانه بأنّها ابنته من أمّ فلسطينيّة، فحوّل الاسم فضّة إلى كرستينا لتكون مقبولة في البيئة البريطانيّة الجديدة، هذا الأمر كثير الحدوث في (إسرائيل) تمامًا كما يحدث لبائع الفلافل العربيّ في تل أبيب، حيث يُغيّر اسمه من محمد إلى شلومو، وذاك العربيّ الذي صادق ورافق فتاة يهوديّة سرعان ما يُغيّر اسمه من جعفر إلى داني أو حايم، هكذا تتغيّر الأسماء عشيّة اندماجنا في بيئة غريبة، لكن تغيير الأسماء هذا لا يُغيّر ذاكرتنا الوطنيّة ولا دمنا العربيّ الفلسطينيّ المُتدفّق في عروقنا.
اسم فضّة تجوز فيه اللفظتان: فِضّة تلك المصنوعة من نفيس المعادن، والتي لم تعتمر سكوتًا ولو كان هذا من ذهب، وفَضّة في مَحكيّتنا فَضّة وفي فصحانا تعني الثابتة على صخور الوطن وعلى مبادئ لا تندثر.
مداخلة د. منار مخولي:الحاجّة كرستينا–عاطف أبو سيف
1. قراءة الرواية من منطلق سوسيولوجيّ وليس نقدًا أدبيّ.يتطرّق النقد الأدبيّ إلى مسائل اللغة والتركيبة الفنّيّة وما إلى ذلك. تعاملي مع الرواية كنصّ تاريخيّ يحوي بداخله ترسّبات اجتماعيّة وسياسيّة وثقافيّة.
2. مواضيع للنقاش
i. المحو الفلسطينيّ المتبادل:
· مع العلم أنّ الفلسطينيّين في إسرائيل محو فلسطينيّي 1967 حتى عام 1987 بشكل كلّي تقريبًا، لكن منذ الانتفاضة الأولى هناك حضور قويّ لفلسطينيّي 1967 كشخصيّات رئيسيّة في أحداث الروايات – وأيضًا مكانيًّا – حيث توجد روايات تحكي احداث الانتفاضة الأولى في الضفة الغربيّة وقطاع غزة، وهذا غير مسبوق قبل عام 1987.
· محو "الفلسطيني الآخر": لا وجود لشخصيّات فلسطينيّة من الداخل في هذه الرواية. حتى لا توجد شخصيّات فلسطينيّة من الضفة الغربيّة! الواقع ضيّق جدّا ومحصور في قطاع غزة.ماذا يقول محو فلسطينيّو الضفة الغربية، وأيضا فلسطينيّو 1948 من رواية الحاجة كرستينا عن الهُويّة الفلسطينيّة في عام 2017؟
ii. الإحجام:إنها رواية عن القدر والمصير والحظ.الإحجامأيضاموضوعة(theme)فيالأدبالفلسطينيفيإسرائيلفيسنواتال-1970.أكبرمثالعلىذلكروايةالمتشائلالتيكانتتناديبالإحجاموتفضيلالجلوسعلىالخازوقمنالعملالمُقدم.لكن خطاب الإحجام تغيّر بعد الانتفاضة الأولى، أيضا في كتابة إميل حبيبي نفسه الذي حذّر من الإحجام في رواية اخطية.
الإحجام هو الموضوع الأساسي في رواية الحاجّة كرستينا – مغلّف في السياق الفلسطينيّ (من النكبة وحتى اليوم). بشكل عام، يمكن القول أنّ بهذه الرواية لم يفعل بطلها أيّ شيء! هناك إحجام (passive) واستسلام في تصرّف أغلبيّة شخصيّات الرواية. مثلا كرستينا، الشخصيّة الرئيسيّة في الرواية، تأخذها الحياة وتقذفها في كلّ اتجاه، دون أية مقاومة من طرف البطلة:
1. تقريبا جميع الشخصيّات المقدمة (active or proactive) الذين قاومت إسرائيل تُقتل أو تموت أو تسجن: زوج كرستينا وابنها.
2. الشخصية التي قاومت ذكورة المجتمع الفلسطيني والتي طرحت خطاب ونضال نسوي جديد – قُتل حبيبها بقصف إسرائيلي.
3. في اللحظة التي قاومت فيها كرستينا قدرها – تموت غرقًا في نهاية الرواية.
يعكس لنا هذا التصوير مدى التعاسة والأسى اللذين يسيطران على كل شيء في غزة. لكن، ما هي الرسالة التي يحاول أن يبعثها الراوي من خلال هذا التصوير للشخصيّات؟
iii. النوستالجيا والثقافة المتجمدة:
· في الروايات الفلسطينيّة داخلإسرائيلأتى الحنين (النوستالجيا) مربوطا بالفوكلور–وشكّل مجموعة روايات الحنين- الفولكلوريّة. تجمع هذه الروايات مُرَكّبيْن متناقضيْن: الحنين (الذي يعكس الانقطاع)، والفولكلور (الذي يحيى بالاستمرارية)، ومعًا فهما يعكسان التحوّل في الخطاب الفلسطينيّ من الإحجام الى الإقبال. محاولة لقلب الإحجام الى إقبال جماعيّ.
· النوستالجيا في الأدب الفلسطينيّ في إسرائيل تأتي في سياق البحث عن الهُويّة في الماضي. لكن رواية الحجّة كرستينا تعطي الانطباع، إنّها فقط وقوف على الأطلال وأخذها على أنّها الوضع القائم.في رواية الحاجة كرستينا الثقافة الفلسطينيّة مُتجمّدة في نوستالجيا الوقوف على أطلال فلسطين ما قبل النكبة. لم تنتج فلسطين، حسبما تصوّر هذه الرواية، أيّ أدب أو ثقافة منذ النكبة والتي يمكن ذكرها. إنّ التصوير الملتزم لا يسطّح الرواية الثقافيّة فحسب، بل والتجربة الإنسانيّة إلى معيار واحد – وهو السياسيّ، الاحتلال.
iv. الهُويّة المزدوجة:
مداخلة سلمى جبران:أُباركلكولنابهذهالرّوايةالإنسانيّةالرّائعةوكقارئةأنتقيفيالروايةماأُريدمنمشاهدالجمالوالتميُّزوالإبداع!"يحُطُّالشّبَحظِلَّهُعلىغزّةعدّةأسابيعويأسُرعقولومخيّلَةالنّاسويستثيرُخوفَهُم،فيأتيالعدوانوالدّمارليحتلَّمحلقصّةالشّبَح،فارضًاواقِعًاوتراكُمًاكبيرًامنالألموالرعبوالحزنوالدُّموع.كمااختفىالشّبَحتختفيالحاجّةكرستيناتحتَغبارٍكثيفنثرتْهُعجلاتالجيبالذيأقلَّها،مختصرًاالمسافةوالزّمنبينهاوبينَأهلِهافيالمخيَّم،وتاركًاظلامًاكثيفًاحولاختفائهاومساحةكبيرةمنالأخباروالتحليلوالتفصيلوالرّغَباتوالمواقف". "كانالنّاسيتلهَّوْنوينشغلونعنالألمبالحديثعنه،والاقترابمنهأكثربملامسته.هكذانفعلفيمرّاتٍكثيرةحيننشعُربالعجْزوقلّةالحيلة،ندفعالعجزإلىأقصىمداه.فعلناجمعناللّافعل" (ص24).
ماأصدقوأبدعأننبحثعنالألموراءالحدَثوالبريقفيالألموالألمفيالبريقخوفًامنفقدانه!منالبدايةنرىعاطفأبوسيفيُحيكُروايَتَهُمنأعماقنفوسالنّاسحيثُيرسوالشُّعوربهاويُحيِّدُالشِّعارلكييرىونرىمعهُأبعَدَمنهُ.الحاجّةكرستينااسميدمجُبينَعالَمَيْن،عالَمٍ غريبوعالَمٍقريبفيهِنورٌيشِعُّويخبومتنقِّلًابينالزّمانوالمكان،بينَيافاولندنوبينيافاوغزّةوبينالطّفولةالبريئةوالصِّباالزّاخربالحياةوالحياةالممتلِئةبنعمةالحِكمةوالحُبّوصراعالبقاء.ينتقلبناعاطفمنمكانٍإلىمكانومنزمانٍإلىزمانبخِفَّةٍتضاهيالأساطيروالحكاياتالشّعبيّةهيالحياة.
يناقشُالنّاسقصّةاختفاءالحجّةفتخرجُالمُسلَّماتوالشِّعارات:الخيانة،الهرب،التّفكيرالفردَويبالنّجاة،التّداخُلبينالفردوالمجموع،فتكونالغَلَبَةللشُّعوروللحياةوللفردفيقولون: "حياتهاوهيحُرّةفيها" (ص28)،والحاجّة"تسيرعلىحافّةالجدولوتموتُمنَالعطش" (ص33).وهيلاهناولاهناكتتأرجحُبينَأزمنةوأمكنةسنواتِهاالسّبعينوتكتسبكلَّالألوانوكلَّالمشاعربأناهاالفردوأناهاالمجموعلتكتشفَفكرة"الطّريقالوحيد".
الصوَرالتيوصَفَتْالمخيّمبكلدقائقِهِووصَفَتْيافاالجميلةوتهجيرَهاوتدميرَهاوالموتالمحتومفيها،تُغْنيالقارئعنمليونشعار.بحثُالحاجّةعنالانتماءوجذوةحبِّهاالتيلاتنطفئوتفكيُرهاالحُرّووعيُهايافاومشاعرُهاالمتدفِّقةجعَلَتْهاعونًالذاتِها،فقدَّستالحياةمنخلالوالديْهااللذَيْندهستهُماعجلاتُالاجتياحوالدَّمارالتيعمِلَتْضدَّالحياة،وبقيلهامنهماالاسمَانومدلولُهما! "قسوةلايُمكنأنيعرفَهاعلىحقيقتِهاإلّامنعَرَفَكيْفَيُمكنُلهُأنينتقِلَمنبيتٍجميلفيمدينةيجلسُالبحْرُتحتَأقدامِها،ويُداعِبُأَخْمَصَيْهابِرِقَّةوتهمِسُريحُهالخَصَاصِنوافِذِها،إلىخيمةٍستتحوَّلُإلىبيتٍمتَهَتِّك"!(ص63)ماأروعوأبدعروايةفلسطينيّةيسودُفيهاالشّعورليدحرَالشِّعاروتتعطَّرُسطورُهابلُغةِالشِّعر!!الشّخصياتتترجَّلُمنَالرِّوايةفتُصبِحُالأسطورةحكايةوالحكايةواقِعًااسمُهُحياةوعونيومنصوروفضّةوجورجوكلّنساءمجلسالحجّة.
فضّةفيلندناختصَرَتالزّمَنوجَنَتْخِبرةًوحِكمةًتعادِلُأضعافَعُمْرِها،فنمافيترابهذهالخِبرةحنينٌأسطوريّحوَّلَرائحةَشجرةالتّمرحِنّةإلىبخّورمقدَّسوملحُبحرِيافاأصبَحَحُلْوًا!
موتيفالّلاخَياريظهرجليًّافيكلّمراحلوزواياالرّوايةويتحوَّلإلىخَيارِالبَقاءفتصبحُالمسافةبينَالواقعوالحُلُمواهيةًوترجعالحجّةلتكونكماكانتواحدةًمنالمُخيّم،ولقاؤهامعيوسفحوَّلَالقضيّةبكاملِهاإلىروايةيتألَّمُفيهايوسفعندمايرىبيتَهُالمسلوبويحتميبمخابئهِوتتألَّمُهيمعهُ.يوسفالأسطوريّاليافاويّالجميلالذيربّماكانَذاتَاليوسففي"راكبالرّيح"ليحيىيخلِف،وخلقنَسَبًابينالرّوائيَّيْن،أحبَّفضّةوأحبَّتْهُفتحوَّلَلاخَيارالتشَرُّدإلىخَيارِالحياةوأصبحَ"قلبفضّةيهروِلُفيالشّارِعِفَرِحًا"متتبِّعًايوسف.وهكذاتنتفضُمعظمُالشخصيّاتفيالرّوايةوتصبحجزءًامنحياتنا!
التّداخُلالإيمانيفيالرّوايةموتيفآخرنتجَعنلاخَيار،فاتّجَهَنحْوَالعُلاوارتقى،فارتقتبهِالنّاسبشخصيّةفضّة.
موتيفالاختفاءلميكنكالحَجَرِالذييسقُطفيالقاع،إنّماكالدّوائرِالتيتتكوَّنُبسببهِعلىسطحِالماء،فمنهامنيتلاشىويموت،ومنهامنينطلِقُخارِجَالدّائرةويرويالمدىويعيشُهُ:اختفاءفضّةعلَّمَهاالحياة،واختفاءوالديهاأدّىإلىالزّوال،واختفاءابنِهاحوّلَهُإلىأيْقونة،واختفاءيوسفحوَّلَهُإلىأسطورةحتّىبعدَموتِهِفانتصَبَواقفًافوقَنَعْشِهِ!!وأيقوناتفضّةتحوَّلَتْإلىتعويذاتٍوشواهِدَأملتنتظررجعتَها،رجعةأهلِها،رجعةزوجِها،رجعةابنِهاورجعةالرّوح!! (ص140)وكلهذهالتعويذاتتردَّدَتْعلىألحانباخفيمعزوفة"عذاباتالقِدّيسماثيو"
...وهذاماحوَّلَهاإلىحجرالرّحىفيمجلسالنِّساءوفيالمخيّم.
تبدأُالرّوايةصورةمجرَّدةلخارطةالبِلاد،ورُوَيْدًارُوَيْدًاتمتلئهذهالخارِطةبالنّاسوالبيوتوكلّأنواعالنّباتاتوالأشجاروالصّخوروالشّمسوالقمروالمَطَروالحياة...مجلسالنِّساءكانَعامرًابالحواروالتفكيروالتّعبير،ومعذلكدارَبينَفضّةوصفيّةصديقتِهابالروحصمتٌقويٌّعميق،بدَّلَالضّجيجالذيلميحمِترابَالوطن،ورفَعَالألمإلىمصافّالإنسانيّةوربّماإلىمصافّالألوهيّة..معكلّمصائبصفيَّةونبيلةوفضّةوكلّكوارثالتّهجيروالدّماروالموت،استعمَلْنَالرّصاصلفكِّالحَسَد،ولمتفكِّرْنَبالقتالوالانتقام!!لقاءاتالنّساءوحواراتُهُنّتحوَّلتْإلىلقاءاتٍتُعيدُنسْجَحكاياتِشعبٍمشرَّدوتعيمايدورُحولَها،فتتعلّقسهيلةبالرّمزجمالعبدالنّاصر.كانتفضّةتبعثالطُّمأنينةفيالحارةوفيالمخيَّم،وكانتمَصدرَالحكمةوالبديهة،وماأجملصورةتخبئَتِهاللفتىمنارتحتَكُرسيِّهاوتغطيَتِهِبتنّورتِهاالطويلةالواسعة.
أمّامجلسالرجالفكانَبكاءًعلىالأطلالوعلىالبُطولاتِالضائعة!حسنالصيّاد،زوجصفيّة،كانَأكثرَالحضورصمتًافهوأبىأنيزورَيافاويرىالخراب،وأرادَأنيحتفِظَبصورةيافاكماكانت.
كانَغيابفضّة/كرستيناجزءًامنالغيابالجَمْعيالذيتزخربِهِالحكاية،ذوكانَالانتظارأقسىمنالغيابنفسِهِ.
وهكذايتدفَّقُالحنينفيكلِّمساربوطُرُقاتِالروايةويأبىأنيجِفّ.والحنينتدفَّقَأيضًافيلندن: "الزمنلايمُرّنحنُفقطنبتَعِدُعنهُ" (ص234).فيعودتهاإلىلَندَنشَعَرَتْبحنينٍيخنُقُالروح،ولكنَّهُيتحدّىاللاخَيار.رجوعُهاإلىغزّةبعدموتجورجكانَباللاخيار،ولكنَّهااختارَتْالبقاءفيغزّةرغمموتكلّعائلتِها،فحوّلتكلالحارةإلىعائلتِها،حتّىاعتبرَهاأهلُالحيّ"رجُلًا"!وحينَكانتعودتُهاإلىلَندَنلاخياريّة–إنقاذَهاكمواطنةبريطانيّة-وجدَتْنفسَهاوحنينَهاهناك،فكانتعودةًإلىالصِّبافيوطنٍغريب.ولكنْاشتعَلَالحنينفيداخِلِها،فكانتالعودةُالأخيرةغامضةًحتّىلمعَتْحفيدتُهافيحضنالمخيَّم،لتعودإلىحضنِشبابِها،وكانت"رحلةبينَنقطتيْن،واحدةنعرِفُهاوالثّانيةنجهلُها" (ص247)أمّاالمسيرفيهذهالرّحلةفهولبُّالحكايةبامتياز،فقدأعادَهاالحنينإلىغزّةسابحةًفيالبحربعدَأنهاجمواسفينتَها-سفينةالحرّيّة.
"لايوجدلدىالنّاسِخَيارآخرإلّاأنيواصلوادربَهَمالمُضنيفيالبحثعنشُعاعِالنّور،فيالبحثعنِاستقراريجمعُبينَالرّغبةفيتغييرالواقعوالخوفمنأيِّواقعٍجديد"!(ص249).قارِبحسناختفى/ماتوعادبلَفْتَةٍطيِّبةمنكرستيناوعندماأدرَكَذلككتَبَاسمَهاعليه.موقع"وينالحجّة"يظلّسؤالًا،وربّمايتحوَّلاسمُهُإلى"وينالبَلَد"!!!
مداخلة حسن عبادي:إنّها رواية تُصوّر حكايةفضّة-الفتاة اليافاويّة التي تغادر إلى لندن للعلاج أبان النكبة التي تقع بغيابها لتعيش في لندن باسم كريستينا، لتضطر للعودة إلى مخيم للاجئين في غزة أواخر خمسينات القرن الماضي، لتعيش هناك طوال حياتها حتى يأتي جيب لاندروفر و"يخطفها"، لتنتقل إلى لندن خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2009.تدور أحداث الرواية في يافا الذاكرة المشتهاة ومخيّماتاللاجئين في قطاعغزة ولندن في محور البحث عن الهوية.للمرأة الفلسطينية حضور مميز بطوليّيصوّر الفقدان الدائم الذي تعانيه، فقدان الأب والزوج والطفل والأخ، فقدانه كأسير أو مفقود أو شهيد، وفضة/ كريستينا تفقد أهلها وأسرتها بالكامل ساعة التهجير، ثم تفقد زوجها الشهيد فابنها ياسر "المفقود"، فتصاب العائلة الفلسطينية بتعويذة ولعنة الغياب المستمرّة، من غياب عائلة بطلتنا إلى غيابها عن يافا وعن المخيّملاحقًا، ليصبح الغياب الفرديّ جزء من الغياب الجمعيّ فتصرخ " شو إلنا بغزة" (ص 201)، لأنّ عقلها يعيش في يافا أو لندن أو في انتظار ابنها "المفقود" ياسر.
يصوّر عاطف حياة المخيم ومآسيه، ويُسلط الضوء على المعاناة اليوميّة للاجئين وظروفهم الحياتية الصعبة، خاصّة زمن الحرب والعدوان الاسرائيليّ، فيصف حالة الرازحين تحت القصف بعيدًا عن الشعارات، كلّ مع قصته الشخصية، ليُؤنسن الوجع والألم والمُصاب الفرديّ الشخصيّ، مما يذكرني بخالد جمعة وكتابه "في الحرب .. بعيدًا عن الحرب". ويصوّر عاطف صراع أبناء المخيّم اليومي في البحث عن الهوية ، فقلبها المعلق هناك دفعها للبحث عن حياتها هنا من أجل أن تكتشف كيف يمكن لها أن تجد الطريق إلى هناك (ص 247) حاذيًا حذو مريد البرغوثي في روايتيه "رأيت رام الله" و"ولدت هناك، ولدت هنا".
ينتقد عاطف النظرة النمطيّة والتأطيريّة المفروضة علينا، وعلى تصرّفاتنا اليوميّة التي تصبح تابوهات لا يمكن الخروج عن نصّها، ويتساءل بجرأة: "هل يمكن لهويتنا أن تفرض علينا نمطًا معينا من التصرف ؟ هل يجب أن تتّخذ هيئة وشكلًا محدّدين يتناسبان مع هُويّتنا (ص 229) لتثبيت وقوقعة "الهُنا" ؟ فتتحدّى بطلته كل أعراف القبيلة المتوارثة صارخةً "أنا من هنا". يتناول عاطف موضوع الحنين في كلّ المراحل، الحنين الذي يخنق الروح، فلا شيء يُشبع الحنين إذا استبدّ بنا ونحن في الغربة. ويروّح عن نفسه بقصّ قصّته وروايته، فكثيرًا ما نحتاج أن نروي لشخص غريب حكايتنا حتى نفهمها، وخلال السرد نكتشف الكثير من بواطن الغموض الذي كنا لا نفهمه قبل ذلك! يتحدّث كل من أبطاله لتفريغ الذاكرة من شحنة مُرعبة من الصور والأحداث والتداعيات وعلاج للتنفيس عن الكتمان والاحتقان، فأن تتذكر كل شيء مع التفاصيل الدقيقة شيء سيّئ للقلب، لكنه جيد للروح، ويتطرّق عاطف في روايته لصراع الهويّة وقضيّة المواطنة والوطنيّة صارخًا: "ماذا يعني كلّ شخص حين يقول كلمة وطن؟" (ص231)، يتطرّق لوكالة الغوث دورها وتداعياتها، يتطرّق للمعاناة والتغلّب عليها والبطولة، ويتطرّق إلى الاحتراب والاقتتال بين الأخوة في قطاع غزة قائلًا وبأعلى صوته: " نتقاتل من يحرس بوابة السجن لإسرائيل"! (ص 264).
أوافق عاطف بأنه كي تكونِ أديبًا عليك أن تكون مثقّفًا، وعاطف نِعمَ المُثقّف، فأخذني معه بسلاسة ولباقة، ولكن بتكلّف وتصنّع مبتذل لا يخدم النص، إلى عالمه - من معزوفة "الجمال النائم" لتشايكوفسكي ومعزوفة "عذابات القديس ماثيو" لباخ ورائعة مايكل أنجلو "الخلق". ليست الرواية بالتاريخيّة رغم أنّ كاتبها "درس" التاريخ الشفويّ لأهله ومن تهجّر قسرًا من يافا، و"درس" جغرافيّة فلسطين وقراها، وحارات لندن مدينة الضباب وتمرّس بهما، فكانا أرضيّة خصبة للرواية وأثْرَياها جدّا. كاتبنا يُجنّد وبكثرة أسلوب الاسترجاع والاستحضارflashback))، أي انقطاع التسلسل المكانيّ أو الزمنيّ للرواية لاستحضار مشاهد ماضية لتلقي الضوء على موقف ما، وكانت هذه التقنيّة مقصورة أصلًا على السينما، فوظفها الكتّاب لاحقًا في كلّ مجالات الأدب، ووظّف هذه التقنيّة في حينه الروائيّ نجيب محفوظ في روايته "اللص والكلاب". يُكثر عاطف من رسم السيناريوهات وتفصيلها على مدار الرواية، بدل أن يتركها للقارئ لينمّي عنصر التشويق عنده. كاتبنا يحب التكرار المُمِلّ أحيانا، ولكن ينهي روايته بعودة كريستينا بنت ياسر ابن الحاجة كريستينا إلى المخيم فجأة ودون سابق انذار. لماذا لم تُعِدها يا عاطف إلى يافا المشتهاة التي ما زالت تنتظر؟ّ!