ميثم محمد: المباهاة بالتكاثر
روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:" تناكحوا تناسلوا تكاثروا، تكثروا، فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة". غير أني لم أجد في هذا الحديث ما يجعلني أصدق نسبته إلى النبي الكريم إذ أنه مناف للعقل والمنطق، وحجتي في ذلك أمور ثلاثة:
1- مخالفته لما نص عليه القرآن
2- مخالفته لفكر النبي
3- مخالفته لبلاغة النبي
أولا- مخالفته لما نص عليه القرآن:
====================
نقلا عن السيد أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: خطب النبيّ (صلى الله عليه وآله) بمنى فقال: "أيّها الناس، ما جاءكم عنّي يوافق كتاب الله فأنا قلته، وما جاءكم يخالف كتاب الله، فلم أقله". اعتمادا على هذا الميزان سأبين التناقض بين هذا الحديث وما أوردته سورة التكاثر وهو قوله تعالى: "أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ" ولكي لا يكون رفضي لهذا الحديث اعتباطيا سأسوق هنا بعض التفاسير لهذه الآية:
1- أضواء البيان: ألهاكم: أي: شغلكم، ولهاه: تلهيه، أي علله، ومنه قول امرئ القيس:
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع
فألهيتها عن ذي تمائم محول
أي: شغلتها.
التكاثر: المكاثرة. (لم يذكر هنا في أي شيء كانت المكاثرة التي ألهتهم).
2- التفسير الميسر: شغلكم عن طاعة الله التفاخر بكثرة الأموال والأولاد.
3- تفسير الجلالين: (ألهاكم) شغلكم عن طاعة الله
(التكاثر) التفاخر بالأموال والأولاد والرجال.
4- تفسير الطبري: ألهاكم أيها الناس المباهاة بكثرة المال والعدد عن طاعة ربكم، وعما ينجيكم من سخطه عليكم.
5- الجامع لأحكام القرآن: أي شغلكم المباهاة بكثرة المال والعدد عن طاعة الله، حتى متم ودفنتم في المقابر.
6- تفسير القرآن العظيم: شغلكم حب الدنيا ونعيمها وزهرتها عن طلب الآخرة وابتغائها، وتمادى بكم ذلك حتى جاءكم الموت وزرتم المقابر، وصرتم من أهلها.
7- تفسير البغوي: شغلتكم المباهاة والمفاخرة والمكاثرة بكثرة المال والعدد عن طاعة ربكم وما ينجيكم من سخطه.
8- التحرير والتنوير: شغلكم عما يجب عليكم الاشتغال به: لأن اللهو شغل يصرف عن تحصيل أمر مهم.
9- البحر المحيط: إنكم تكاثرتم بالأحياء حتى استوعبتم عددهم، و قطعتم بالتكاثر والمفاخرة بالأموال والأولاد والعدد أعماركم حتى متم. كل هذه التفاسير تؤكد أن اللهو هو مضيعة للوقت وهو أمر مذموم وأن التلهي بالتكاثر حصراً أمر غير محمود فهو يصرف الناس عن القيام بالواجبات والطاعات، وهنا يأتي السؤال المهم: كيف يمكن أن أصدق أن النبي يدعو الناسَ إلى التكاثر بهذه العشوائية وهو يعلم أن فِعلَهم سيحرمهم من القيام بالواجبات وسيلقى الذمَّ في نهاية المطاف؟ وأهم من ذلك كيف يتباهى باللهو وبكثرة العدد؟
ثانيا: مخالفته لفكر النبي
==============
يعلم النبي صلوات الله عليه وآله أن كثرة العدد ليست بفضيلة. فهل يتباهى بالكثرة وهو يعلم أيضا أنها مذمومة؟ هذا ما أكده سبحانه في أكثر من مناسبة بقوله: "أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ" و "أَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ" و "أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ" و "أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ" و "أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ" و "أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ" و "أَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ" و "أَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ" و "وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ". وأن "أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ" و "أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ" و "أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ" و "لَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً".
ثالثا- مخالفته لبلاغة النبي ومنطقه:
====================
من الأحاديث الصحيحة والمروية عن النبي والتي تحث على الزواج قوله عليه السلام:
1- "من استطاع منكم الباءة فليتزوج"
2- " تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس"
3- "إياكم وخضراء الدمن" من يقارن هذه الأحاديث الثلاثة مع حديث: "تناكحوا تناسلوا تكاثروا تكثروا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة" يجد هناك تناقضا بينه وبينها بل ضعف في متن الحديث وإنشائه:
أ- الزواج عند النبي قضية اختيارية لا إلزام فيها لقوله عليه السلام: "من استطاع" وهو في هذا بعيد كل البعد عما جاء في حديث " المباهاة بالتكاثر....".
ب- في جميع أحاديثه التي تتعلق بالزواج كان النبي يحث على انتقاء واختيار الزوجة المناسبة وفق معايير علمية وأخلاقية دقيقة ليكون المواليد على قدر من الصحة والأخلاق بل لم يكن يشغله أصلا كثرة الأولاد والعيال.
ج- إن أحاديث النبي بمجملها غاية في دقة اللفظ والتعبير مليئة بالحكم والمواعظ، إلّا أننا في حديث "المباهاة بالتكاثر" نجد ضعفا لغويا وإنشائيا لا ترقى مفرداته وكلماته وطريقة صياغته بأي شكل من الأشكال إلى كلام نبي معروف عنه الفصاحة والبلاغة والحجة والمنطق والبيان.
باختصار، لن يتباهى الرسول بما ننتجه من النسل بل بما ننتجه من العقل.