"وأمّا الزبد فيذهب هباء" ـ هل حقاً كان بورقيبة يمتّ بأيِّ صلة لسلالة "الحكام العرب"؟
كنت في العاشرة من عمري لمّا فتحت أول مدرسةابتدائية في دشرة "الذهيبات" حيث ولدت. وقانونياً لم يكن مسموحاً لي بالالتحاق بتلك المدرسة. غير أن بورقيبة سنَّ في تلك السنة، سنة 1960، قانوناً يسمح لأبناء الأرياف بالدخول إلى المدارس حتى وإن تجاوزوا السن القانونية. وهكذا أنقذني بورقيبة من الجهل والأمية اللذين كانا قدر كل أبناء دشرتي. وفي السابعة عشرة من عمري نلت الشهادة الإعدادية بامتياز فمنحني بورقيبة في قصر قرطاج بمناسبة يوم العلم جائزة كان لها أثر كبير في تطوري الفكري والثقافي (...): ثلاثة كتب هامة هي "روح الشرائع" لمونتسكيو و"الأم" لمكسيم غوركي، و "الأب غوريو" لبلزاك. (...). وقبل أن أبلغ العشرين كنت قد أصبحت متعاطفاً مع الأفكار اليسارية والماركسية التي فُتِن بها أبناء جيلي. وفي ربيع 1974 حُكم عليَّ بعامين سجناً بتهمة توزيع مناشير معادية للنظام. غير أني لم أمكث في السجن إلا أربعة أشهر. فقد أصدر الرئيس بورقيبة بشأني وبشأن 40 طالباً عفواً رئاسياً وذلك بمناسبة عيد الجمهورية. وقبل إطلاق سراحنا استقبلنا (الرئيس) بحضور الطاهر بلخوجة وزير الداخلية آنذاك.
وفي الحوار القصير الذي دار بيني وبينه خلال ذلك اللقاء الذي نقلته وسائل الإعلام السمعية والبصرية، وبّخني الرئيس بورقيبة قائلاً: "كيف تدّعي أنك ماركسيّ ـ لينينيّ وأنت لم تقرأ "رأس المال" لكارل ماركس؟!".
من كتاب: حسّونة مصباحي "رحلة في زمن بورقيبة":...