د. إليان مسعد: الآرامي التائه الكاتب والروائي عبد الرحمن منيف يترجل في دمشق (1933-2004)
أنهى الآرامي التائه عبد الرحمن منيف جولانه في بلاد الشام وباديتها، ابتدأها بولادته بعمّان 1933 من والد من السفوح الشمالية لهضبة نجد بالجزيرة العربية وأم من الفرات الأوسط بالعراق. درس في بغداد الحقوق لمدة سنة عام1955 ليُطرد بعدها على أرضية النضال ضد حلف بغداد كبعثي إلى الأردن ثمَّ إلى القاهرة، ثمَّ سافر عام 1958 إلى يوغسلافيا ليتابع دراسته هناك وحصل على دكتوراه بالاقتصاد من بلغراد بأطروحة حول اقتصاد النفط، واستمرّ نضاله ضمن صفوف حزب البعث العربي الاشتراكي وحضر المؤتمر القومي الخامس عام 1962 في حمص كعضو قيادة قومية، هذا المؤتمر التاريخي الهام الذي قرر الموقف من الانفصال وحضّر لثورتي البعث في العراق وسوريا، ولمّا كان الاتجاه اليميني غير متوافق مع التوجهات اليسارية للروائي عبد الرحمن منيف فقد آثر أن يقطع علاقته التنظيمية مع البعث دون أن يقطع مع أفكار وتراث النهضة التي ابتدأت منذ 1724 بعد ترجمة القداس على يد مطران دمشق من البيزنطية الى العربية. وراحلنا متزوج من دمشقية السيدة سعاد القوادري التي أكمل بها حلقة جولانه في بلاد الشام.إنّ قصة حياته في أعوامها السبعين وجولانه على أرض بلاد الشام التي اختصرت قصة استيطان كل القبائل منذ القدم (الأكاد والآشور والأموريين والآراميين والكلدان والسوتو والأخلامو والعابيرو) لسوريا والمشابه تمامًا لجولان القبائل الحديثة في بادية الشام والتي تستقر لاحقًا (كلب وشمّر والموالي والنعيم والحديديين وعنزة والفواعرة والعقيدات وعرب الصليب تغلب وطيئ تنوخ والغساسنة...) هذه الوسادة الفريدة في تاريخ العالم التي فرضها المناخ والجغرافيا والاقتصاد في بلاد الشام انتجت وخرّجت إبراهيم الخليل الآرامي التائه من حرّان الذي استقر في سوريا الجنوبية هذه الوسادة نفسها هي التي أنجبت تجربة هذا الروائي الكبير، فما إن أنهى علاقته بالسياسة عام 1962 وسحبت منه الجنسية السعودية حتى استقر وعمل في الشركة السورية للنفط حتى عام 1973، بعدها غادر إلى لبنان ليعمل في مجلّة (البلاغ) اللبنانية وليتحفنا عام 1974 بعمله الروائي المدهش (الأشجار واغتيال مرزوق) ثم يغادر لبنان عام 1975 إلى بغداد ليتولى رئاسة تحرير مجلة (النفط والتنمية) حتى عام 1981 حين غادر العراق إلى فرنسا متفرّغًا كلية للكتابة وليمطرنا بعدها بسيل من الروايات، وليختار دمشق بشكل نهائي مستقرًّا ومنهيًا جولانه، وذلك حتى وفاته عام 2004، فبعد (الأشجار واغتيال مرزوق) هناك (قصة حب مجوسية) ثم (حين تركنا الجسر) فقصة (النهايات) ثم (سباق المسافات الطويلة) وبعدها (عالم بلا خرائط) بالاشتراك مع جبرا إبراهيم جبرا فخماسيته الملحمية (مدن الملح) (التيه) وبعدها (الأخدود) و(تقاسيم الليل والنهار) و(المنبت) و(بادية الظلمات) ثم (الآن هنا أو شرق المتوسط مرة أخرى)، ثم يدخل مجال التنظير السياسي والفني في عمله الرائع (الديمقراطية أولاً الديمقراطية دائمًا) و(رحلة الحياة والفن) ثم ملحمته العراقية الخالدة ثلاثية (أرض السواد) ثم (سيرة مدينة) و(لوعة الغياب) و(عروة الزمان الباهي) و(رحلة ضوء بين الثقافة والسياسة)، وعاجلته الوفاة وهو يحضّر لعدة أعمال ، وكنا ننتظر سماع رأيه بما يجري في العراق. وممّا لاشكّ فيه أنّه سيبقى بيننا بما ترك من هذا الكمّ الكبير من الأعمال كشامي شامل مع خصوصية نهضويّة لها نكهة بلاد الشام وتجواله بها، يقدّس الحرية والإنسان وينهل من مشاريع النهضة ويتعلّم من هزائمها، وطلب مني ذات مرة قبيل وفاته وثائق ومراجع عن مدحت باشا العظم، فقد كان يرى فيه مثالاً للأجنبي الذي استوطن واستعرب وارتبط بمصير بلاد الشام وأبنائها، وخير مثال خطبته الشهيرة باللاذقية والتي أدّت إلى عزله ثم اغتياله، و منيف كان يعدّ شيئًا ما عن سوريا مشابهًا لثلاثيته التي أعدّها عن العراق (أرض السواد) لكن قصوره الكلوي غدر به.
إنّه شاهد صادق على العصر أكثر بكثير من مستحاثاتنا المحنطة التي يستخرجها ويتحفنا بها أحمد منصور على قناة (الجزيرة) وأقصد بعض الساسة السابقين الذين أخجل حين أتذكر كيف حكموا او رئيسوا هذه البلاد، وكما كان شاهدًا أصيلاً وصادقًا على عصرنا فقد كان روائيًا فنانًا أعاد تشكيل الرمال والذهب في وجدان البشر ببلاد الشام والرافدين و البادية السورية ، كما أن كتابه (ذاكرة مدينة) أستعيده بإعادة قراءته لأجد نفسي فيه فنقول له أنّ الوطن في الفخ يقول الألم هذه لحظته، كنا نقول تذكرنا بعنترة العبسي يا رجل، فيجيب أين عنترة العبسي مني الآن، أقول له الآن لقد ترجّل عن حصانه عنترة فيردف انه المصلوب إلى رمحه فمن يرعب الرَّعاع بقلمه، رسم لنفسه الغفوة الاخيرة متكئًا فوق الجراح وعلى ظل اعماله التي لم تكتمل بعد هنا في دمشق وعن دمشق التي هي شرق المتوسط بامتياز، وغفا قريبًا من مدن ملحنا نحن، يبحث عن الأسرار ليعرّيها. ارحل يا رجل ترجّل وارحل لتلتقي (بكرام الشوام) الذين سبقوك (إدوار سعيد، فدوى طوقان، محمد شكري، إحسان عباس، كمال خيربك، يوسف الخال، زكي الأرسوزي، غشان كنفاني وكمال ناصر انطون مقدسي وميشيل عفلق بدوي الجبل الكواكبي وفرح انطون اليازجي وسعادة...) ولتلتقي بكل الغرباء مثلنا كما قال جدُّنا (بدأ الإسلام غريبًا في المدينة، وسيبقى غريبًا حتى مجيء عيسى ابن مريم فطوبى للغرباء من أمّتي).
عرفناك بالهزيع الأخير من مناحة المنطقة التي أحببناها في هذا الزمن الرديء ولم تفتنا صرامة نقدك غير المتساهل الحاد والملتزم الذي تختلط عنده الأرض بالرفاق وبالحرية نعم استقلت من الحزب مبكرًا فمزاج المبدع غير مزاج السياسي، فالأضواء البراقة متروكة للآخرين. ومطلوب منّا ومنك شهادة عن النخبة التي تخط تاريخها من أجل الجموع وحين تنخرط بلعبة المستقبل تغترب عن المجموع. لقد كنت ذاكرتنا وهمّك الوحيد الناس نختلف معك حول أزمة المبدعين والمثقفين في أنّ الفصام بين الذات التاريخية المكونة لنا وحالة الجغرافيا والاقتصاد التي أنتجها من جهة والذات الدينية الخرافية البعيدة الماورائية الأخرى هي سبب الأزمة، وكان رأيك دون تزمت أن المبدع العربي مشروع مريض طالما أنّ كتابته ليست شهادة على القتلة وزمنهم، لذا لم أرَ عبد الرحمن منيف مهتمًا مثلنا بتاريخنا الجيوسياسي من ناحية رغم أنّه عاشها بجولانه وتجربته، لكني بذات الوقت لم أعاينه مصابًا بلوثة الحداثة والموضة. كان رمزًا للإنسان الأصيل وصوتًا لنخبة معاكسة، غريبًا شامخًا في لغته، كان آراميًا تائهًا بامتياز استقرّ بدمشق التي أحبّته واحتضنته، وقد عبّرت عن ذلك زوجته سعاد القوادري في مأتمه قائلة كما اولاده عزة وياسر وهاني وليلى: (عبد الرحمن سيبقى بيته وفيًا للقيم التي عاش ثم رحل وهو يدافع عنها) وكذلك ستبقى دمشق.
سالته مداعبا ذات مرة هل حدث أن قرأ حاكم أو سلطان عربي شيئا من أعمالك ؟ اجاب منيف : لا يجب ان نقرأ له أنا متأكد أن الحاكم العربي يعتبر نفسه أكبر من الرواية وأهم منها، وليس لديه الوقت للاهتمام بأمرها، لكن هناك الكثير من الخيرين، والخيرين بين قوسين، يقرأوا الروايات بغية تحريض الحاكم وتوصيل رسائل معينة له لترتيب وضع معين، وأنا متأكد من أن الحاكم، أي حاكم، عندما يقرأ رواية ربما يتحسن، بل من المحتمل أن يتغير، فمثلا عندما قرأ قيصر روسيا رواية دوستويفسكي " ذكريات من بيوت الموتى " أخذ يبكي وأمر بإيقاف الجلد الذي كان سائداً آنذاك في السجون الروسية، وأنا لا أطمح، ولا أتوقع أن يصل الحكام العرب إلى هذا المستوى، لكني مع ذلك مطالب بإيصال هذه الرسالة.