الدور الإقتصادي للأقليات في بلاد الشام عام 1830
في عام 1830, لدى انفتاح دمشق على أوروبا و تأسيس البيوت التجارية البريطانية في بلاد الشام,
كان في دمشق 36 بيتاً للتجارة يديرها مسلمون يتاجرون مع أوروبا, برساميل تتراوح بين 20 مليون و 25 مليون قرش, و كان رأسمال البيوت الثمانية الأولى يزيد عن مليون قرش.
و بالإضافة إلى هؤلاء, كان هناك 29 مسيحياً منخرطين في التجارة الخارجية برأسمال يتراوح بين 4.5 مليون و 5.5 مليون قرش.
كان هناك أيضاً 24 بيتاً يهودياً برأسمال يتراوح بين 16 مليوناً و 18 مليوناً من القروش. و كان رأسمال كل من البيوت التسعة يتراوح بين 1 مليون و 1.5 مليون قرش. و كانت أسرة "الفارحي" المعروفة تضم أكثر الصرافيين نفوذاً في دمشق, تسهم أيضاً في نمو هذه التجارة الكبيرة.
و لكن في عام 1879 لاحظ القنصل الانكليزي جاكو "أن ثروات المدينة و ريفها المجاور, التي كانت فيما مضى موزعة بين 50 إلى 60 شخصاً من المسلمين و المسيحيين و اليهود, أصبحت اليوم في قبضة 12 من الأسر المسلمة تشكل جزءاً من الحكومة المحلية, أو ترتبط بها على نحو ما".
و هكذا يبدو بعد انسحاب المصريين عام 1840, و تشكيل مجلس ولاية دمشق, أسهم تشكيل هذا المجلس, الذي أقصى عنه المسيحيون و اليهود في احتكار النشاط الاقتصادي للمدينة من قبل عائلات الأعيان (12), التي أصبحت جزءاً من المجلس بعد الإصلاحات. و قد توصلت هذه العائلات, عن طريق المجلس, إلى إزاحة المنافسين المسيحيين و اليهود.
و هكذا فإنه كان للإصلاحات هذا التأثير المتناقض الذي أشرنا إليه فيما سبق:
فبدلاً من أن تحمي الأقليات, و تنظر إليها بصفتها مساوية لبقية رعايا الامبراطورية, وفقاً لإعلان مرسوم "غولخانه", فإن هذه الأقليات استبعدت سياسياً في البداية (مع العلم أنها لم تملك حقوقاً سياسية), ثم أقصيت اقتصادياً, مما جعلها تلتفت نحو القناصل الأوروبيين لحمايتها.
لقد نوهنا في فصل سابق بأن اقتصاد الامبراطورية له سماته الخاصة, و لا سيما المتعلقة بعمل "الأقليات", و صلتهم بالحياة الإقتصادية بصورة عامة. و لما كان دين الدولة هو الإسلام الحنفي, فإن الأقليات في الإمبراطورية لم تكن تستطيع الدخول إلى المجال السياسي الذي كان مقصوراً على المسلمين. و هذا الغياب من مجال عام بالذات, هو الذي أتاح للمسيحيين و اليهود تحصيل وظائف اقتصادية بالغة الأهمية في التجارة, و الحرف, و الصيرفة, و إقراض الخاصة و الدولة على حد سواء.
و لكن هذه الأقليات, بالرغم من تمتعها بهذه الأهمية في المجال الإقتصادي, فإنها لم تكن تستطيع التأثير في سياسة الدولة لأنها كانت مبعدة عنها. و قد بدأ هذا الوضع في التغير في فترة الإصلاحات, حين تغير دور الأعيان المسلمين أيضاً.
ذلك أن هؤلاء أصبحوا بعد الإصلاحات موظفين لدى دولة تريد تشديد المركزية و تنظيم المجتمع على أسس جديدة, و هكذا وجدوا أنفسهم فجأة في منافسة مع أفراد الأقليات, الذين استندوا إلى مرسوم "غولخانه" 1839, و طالبوا بنفس الحقوق السياسية – الإقتصادية التي يحصل عليها المسلمون.
حينئذ بدأ الأعيان باستخدام كل الوسائل الممكنة لإبعاد الأقليات عن المجلس, و إضعاف أهميتهم الاقتصادية تدريجياً.
هنا يكمن التناقض. ففي الوقت الذي توقفت الدولة عن النظر إلى الأقليات بصفتها طوائف ذات وضع خاص, ضعفت القدرات الاقتصادية لهذه الفئات إلى حد كبير.
إعداد نبيل الحموي: من كتاب (الاقتصاد السياسي لدمشق خلال القرن 19) زهير غزال, ترجمة ملكة أبيض
الجمل