د. أحمد الخميسي: جواز سفرنا إلي المستقبل
أنشئ المجمع العلمي في القاهرة 20 أغسطس 1798 بمرسوم من نابليون بونابرت وكان مقر المجمع في دار أحد بكوات المماليك بالقاهرة وأهدافه العمل على التقدم العلمي ونشر المعرفة والعلم، ولم تتوقف بعد ذلك الجهود المصرية على هذا الطريق، وشغلت قضية نشر العلم المفكرين بل والأدباء، وفي عام 1930 دعا سلامة موسى لإيجاد حركة علمية شعبية في مصر وإنشاء مجمع مصري للثقافة العلمية يضم المهتمين بالعلوم. وفي عام 1959 نشر نجيب محفوظ روايته "أولاد حارتنا"، وكتب فيها على لسان إحدى شخصياتها:" إن العلم قادر على كل شيء.. وقد يتمكن يوما من تشييد المباني، وتوفير الرزق لأولاد حارتنا كافة".
وبعد انقضاء أكثر من مئتي عام على إنشاء المجمع العلمي نجد أن الوعي العام، الجماهيري، واقع بأكمله في قبضة الجهل والشعوذة والخرافات التي تفاجئنا وتصدمنا ممزقة كل صور التقدم الوردية. لدي ذلك الوعي الجماهيري هناك "جن" شرير يسكن أحد البيوت هو الذي تسبب في إحراق ثمانية منازل في أسيوط في أبريل الحالي.
ويروى أحد المصابين أنه حاول الاستعانة بالمشايخ لاخراج الجن لكنهم طلبوا أموالا طائلة، وبعضهم رفض، وتدخل البعض منهم وفشل فلاذ بالهرب! إلا أن هناك نوعا آخر من الجن، مهذب ومحترم ويراعي ظروف الناس! يدلنا على ذلك ما نشرته جريدة اليوم السابع في 9 فبراير العام الماضي عن فتاة ادعت أن الجن عاشرها، لكن المعالجة الروحانية منى النمر طمأنت الفتاة وأهلها والجريدة أن: "الجن قد يعاشر الفتاة لكنه لا يؤثر على غشاء بكارتها" ! إنه إذن جن شريف عفيف ينال حظه من المتعة من دون أن يؤذي أحدا! في الوقت ذاته تغمرنا من كل ناحية إعلانات المشعوذين على مدار اليوم في القنوات التلفزيونية.
محتالون يدعون القدرة على إزالة السحر بأنواعه، وجلب الحبيب، وفك النحس، وتحرير السجين، فضلا عن علاج الأمراض المستعصية مع اعطاء الأولوية للحالات الجنسية، ويتضمن معظم تلك الاعلانات الدعاية لزيوت ومراهم وأعشاب وغير ذلك من منتجات بدون ترخيص من وزارة الصحة ولاعلاقة لها بالطب.
في معظم الحالات يكون العلاج بالتلفون مقابل كروت شحن موبايلات!! ويصف أولئك الدجالون أنفسهم بصفات باهرة مثل "قاهر الجن"، و"صاحب الكرامات"، أما الشيخة زينب فإنها" مشهود لها بالمصداقية". وبلغت الوقاحة بأحدهم درجة الاعلان عن أنه " وضع حدا نهائيا لمرض السرطان"! ومعظم القنوات التي تحترف الترويج لهذا الدجل تبث إرسالها من خارج مصر من القمر الفرنسي. وفي يناير من هذا العام أعلن عاطف يعقوب رئيس جهاز حماية المستهلك عن إحالة قناة " تايم كوميدي" وقناة " تايم دراما" إلي النيابة العامة علي ذمة 4 قضايا لارتكابهما جريمة الإعلان المضلل.
لكن الدجل يتمادى ويتفشى مستغلا اتساع نطاق الجهل وصولا إلي الإعلان عن"تخليص الانسان من الالحاد ب 25 جنيه"! أي أنهم بلغوا درجة بيع صكوك الايمان بأسعار متهاودة! ولاشك أن السبب الرئيسي في رواج تلك الشعوذة هو الأمية التي يقدر جهاز الاحصاء المركزي أنها تطال نسبة 7, 29 % من سكان مصر أي ثلث الشعب! ناهيك عن الأمية الثقافية.
هذا بينما لا تقدم الحكومة مشروعا لمحو غول الأمية، ولا تصدر مجلات علمية ذات شأن، ولاتدعم البحث العلمي، وتتجاهل قدرات وطاقة مئة وعشرين ألف باحث وعالم مصري في مختلف المجالات، أما ميزانية البحث العلمي في مصر فإنها لا تتجاوز نسبة واحد بالمئة من الناتج القومي، بينما تبلغ هذه الميزانية في إسرائيل إلي أربعة ونصف في المئة. وتنفق إسرائيل على العلم مقدار ما تنفقه الدول العربية مجتمعة! الأسوأ من كل ذلك أن الحكومة لا تفكر في إطلاق قناة تلفزيونية مختصة في العلوم، تبسطها وتقدمها للناس فتزيح جزءا من الظلام الفكري الذي يخيم على العقول والأرواح. ويظل أي حديث عن " التنوير" محض أمنيات لا تأثير لها في الواقع من دون محو الأمية، ومن دون إنشاء قنوات تلفزيونية علمية، وإصدار مجلات علمية، بل وإجبار الصحف إن لزم الأمر على إفساح مجال للأبواب العلمية الصغيرة.
الناس أحوج مايكونوا إلي النور، والنور بأيدينا، ليس بعيدا عنا، يلوح ويختفي. منذ أيام قليلة رأيت هذا النور حين قرأت عن تسعة طلاب بكلية الهندسة بجامعة بنها، ومقر الكلية في شبرا، قاموا بتصميم سيارة تسير بالكهرباء وشاركوا بها بنجاح في مسابقات دولية. أما طلاب هندسة جامعة القاهرة فقد تمكنوا العام الماضي من تصميم سيارة أخرى" هجين" تسير بالكهرباء والغاز. لاحقا شاهدت برنامجا تلفزيونيا استضاف بعض أولئك الطلاب. كانوا يتحدثون وفي عيونهم بريق الإلهام والأمل العظيمين الذي تلمحه في عيون الشعراء الحالمين. ألم يقل ألبرت اينشتين مؤسس نظرية النسبية إن"عنصر الشعر قائم في كل تفكير علمي.. وإن العلم والفن يقطعان نفس المجرى الفكري"؟!. أظن أنه الحلم نفسه لدي العلماء والفنانين، الحلم بواقع آخر أقرب ما يكون إلي السحر، مختلفا وجميلا.
عندما يسألون شخصا من أنت؟ فإنه يظهر بطاقة أو جواز سفر، لكن حينما يسألون شعباً من أنت؟ فإن وثائقه التي يبرزها هي علماؤه وكتابه وشعراؤه. ونحن نريد لعلمائنا وكتابنا أن يكونوا جواز سفرنا إلي المستقبل، بعيدا عن حكايات الجن العفيف والجن الشرير وفك السحر وكسر عين العزول بحبة البركة.
***
جريدة الدستور المصرية - الثلاثاء 25 أبريل 2017