المثقف المأجور
2026.03.06
أنس حمدون
نشر الدكتور برهان غليون في موقع العربي الجديد بتاريخ 2 مارس 2026 مقالاً بعنوان: "سورية على مفترق.. مراجعة أم هروب إلى الأمام؟".
وقد أثار المقال نقاشاً واسعاً لا يستحقه، لأن النقاش لم ينصبّ على مضمونه بقدر ما انصرف إلى موقع صاحبه الرمزي في المشهد الفكري والسياسي السوري.
فبرهان غليون ليس معلقاً سياسياً عابراً. هو أحد أبرز الباحثين السوريين في علم الاجتماع السياسي، وأستاذ في جامعة السوربون، وصاحب إنتاج فكري طويل حول الدولة والسلطة والمجتمع في العالم العربي.
كما لعب دوراً سياسياً بارزاً مع اندلاع الثورة السورية عندما تولّى رئاسة المجلس الوطني السوري، أول إطار سياسي كبير للمعارضة في لحظة حاسمة من تاريخ الثورة السورية.
إلا أن أداءه الكارثي، وفشله الذي لم يراجعه حتى اليوم، جعلاه أحد أبرز رموز الفشل السياسي الذي دفع البلاد إلى الانزلاق نحو العنف في تلك المرحلة.
وبعد سقوط نظام الأسد، تحوّل أيضاً إلى أحد أبرز الأصوات التي تبنّت خطاب «أعطوهم فرصة»، وهو الخطاب الذي دعا إلى تعليق النقد ومنح السلطة الجديدة فسحة زمنية لإثبات قدرتها على الحكم، تحت ذريعة أن أي مواجهة مبكرة معها قد تعرقل الاستقرار أو تعيد البلاد إلى الفوضى.
لهذا السبب لا يمكن قراءة مقاله الأخير بوصفه مجرد رأي عابر. ما يكتبه غليون يُقرأ دائماً بوصفه تعبيراً عن موقع فكري ونخبوي في الحياة السياسية السورية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط ما الذي يقوله المقال، بل لماذا يُقال الآن؟
فالكثير من الوقائع التي يشير إليها المقال اليوم لم تظهر فجأة. لكن المفاجئ هو لحظة الوعي التي نزلت الآن على الدكتور برهان غليون، ولعلها من بركات الشهر الفضيل.
طبيعة السلطة التي تشكّلت بعد سقوط النظام لم تكن لغزاً منذ البداية: مؤتمر النصر، الإعلان الدستوري، مهزلة الحوار الوطني، تعطيل العدالة الانتقالية، مجازر الساحل والسويداء،و تغوّل شبكات الولاء و الفساد داخل الدولة. وقائع متتالية كشفت طبيعة المسار الذي كان يتشكل.
لم تكن هذه أحداثاً ملتبسة تحتاج سنوات لاكتشاف معناها. كانت وقائع واضحة تشير إلى نموذج سلطة يتشكل أمام أعيننا خارج منطق الدولة والمؤسسات.
ومع ذلك، لم نشهد آنذاك موقفاً نقدياً واضحاً من كثير من النخب التي بدأت اليوم تتحدث بلغة التحذير.
وهنا يظهر السؤال الجوهري: لماذا الآن؟
الجواب الأقرب إلى الواقع يرتبط بتغيّر المزاج العام. فالتوقعات الاقتصادية التي رافقت سقوط النظام السابق كانت مرتفعة إلى حد غير مسبوق.
وُعد السوريون بانفراج سريع، باستثمارات ضخمة، وبانتقال اقتصادي سريع يفتح أفقاً جديداً بعد سنوات الحرب الطويلة.
لكن مع مرور الوقت اتّسعت الفجوة بين الوعود والواقع. الضغوط المعيشية والبطالة وتباطؤ الاستثمارات عمّقت الإحباط، بينما تكشّف وجه السلطة الحقيقي: منظومة جباية وفساد تبيع الامتيازات، وتدير الدولة بمحاصصة بين الفاسدين، وتتعامل مع السلطة كغنيمة تتقاسمها مرتزقة جشعة.
مع هذا التحول في المزاج الشعبي بدأت نبرة النقد ترتفع. لكن هذا النقد ما يزال أدنى من حجم الوقائع، ويُقدَّم كما لو أن المشكلات خطرٌ قادم لا واقعٌ قائم. إنه خطاب إصلاحي صادر من داخل المنظومة، لا من خارجها، يحذّر من الانحرافات من دون أن يجرؤ على تسمية طبيعة البنية التي أنتجتها.
لكن هذه الملاحظة تقود إلى مسألة أعمق بكثير من مقال أو كاتب. إنها تتعلق بدور النخب نفسها.
هل وظيفة النخب أن تقود الرأي العام أم أن تتبع المزاج الشعبي؟
ما يظهر في الحالة السورية أن جزءاً كبيراً من النخب لا يتقدم المزاج العام، بل يتحرك بعده.
عندما كان المزاج الشعبي يميل إلى القبول بالسلطة الجديدة والرهان عليها، ظهرت تفسيرات نظرية تبرّر هذا الاصطفاف. وعندما بدأ المزاج يتغير، بدأت النبرة النقدية تظهر.
بهذا المعنى لا تسبق النظرية الواقع، بل تُستخدم لتبريره. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.
فالنخب في أي مجتمع لا يُفترض أن تكون مرآة للرأي العام، بل بوصلة فكرية. وظيفتها أن ترى المخاطر قبل أن تتحول إلى وقائع مكتملة، وأن تقول ما يجب قوله حتى عندما يكون الرأي العام في الاتجاه المعاكس.
النخب التي تنتظر اكتمال الحدث كي تتحدث عنه لا تمارس دورها الحقيقي. عندها تتحول من قوة تفسير وقيادة إلى مجرد مؤشر على اتجاه الريح.
وفي هذا السياق يمكن قراءة مسار برهان غليون بوصفه مثالاً على هذه الإشكالية. حضر مع صعود ربيع دمشق، وتراجع مع أفوله، ثم عاد مع الثورة السورية، وخفت صوته خلال سنوات الفشل الطويلة، ليظهر مجدداً بعد سقوط النظام، وها هو يعود مع تغيّر المزاج الشعبي. مسار أقرب إلى سلوك مؤثر يواكب كل ترند أكثر مما يشبه مسار مفكر يقود الرأي العام.
السؤال هنا ليس إدانة شخصية بقدر ما هو سؤال بنيوي: هل نحن أمام مسار فكري ثابت، أم أمام تموضع يتغير مع تغير اللحظة السياسية؟
هذه الإشكالية لا تخص غليون وحده. إنها تعكس أزمة أوسع تتعلق باستقلالية الفكر نفسه في المجال العام العربي.
وعند هذه النقطة تبرز المشكلة الأعمق: استقلالية الفكر نفسه. فعندما يصبح المفكر أو المثقف أسير المناخ السياسي السائد، أو رضا الرأي العام، أو شبكات الدعم و التمويل التي تحيط به، يفقد الفكر استقلاله ويتحوّل القلم من أداة نقد إلى أداة تموضع أو ارتزاق.
وعندها لا يعود المثقف فاعلاً حراً في المجال العام، بل يقترب من نموذج المثقف المأجور الذي يكيّف خطابه وفق ميزان القبول السياسي لا وفق ميزان الحقيقة.
وفي هذا السياق أيضاً، يبرز ملف آخر لا يقل أهمية عن مراجعة مواقف السلطة نفسها: مراجعة موقف النخب التي تبنّت خطاب “أعطوهم فرصة”.
ففكرة إعطاء السلطة الجديدة فرصة لم تكن بالضرورة فكرة خاطئة في ذاتها. كان من الممكن الدفاع عنها بوصفها موقفاً حذراً: ترك المجال لتجربة الحكم مع الاستمرار في مراقبة الأخطاء والتنبيه إليها.
كان يمكن لمن تبنّى هذا الموقف أن يقول بوضوح: نعم، عليهم أن يحكموا، لكن الأخطاء تُسمّى منذ لحظة وقوعها ويُدان كل انحراف بلا مواربة.
غير أن ما حدث كان العكس تماماً: خطاب تبريري بدأ بتبرير التفرد بالحكم والقرار، ثم انحدر سريعاً إلى أسفل المدارك، حتى بلغ حدّ تبرير القتل والمجازر الطائفية والفساد وغياب العدالة.
وفي هذا السياق تحوّلت عبارة «أعطوهم فرصة» إلى غطاء للصمت عن أخطاء واضحة منذ البداية، بل وأحياناً إلى أداة ضغط على كل من حاول توجيه نقد مبكر للمسار القائم.
كثير من الأصوات التي حذّرت من الانحرافات الأولى قوبلت باتهامات جاهزة: العدميّة، التشاؤم، التخريب، أو الرغبة في إفشال التجربة. وبدل أن يُناقَش النقد بجدية، جرى تصويره كعداء لأي أمل بالتغيير أو كتهديد للاستقرار.
و النخب التي تبنّت خطاب “أعطوهم فرصة” ليست معنية اليوم فقط بمراجعة تقييمها للسلطة، بل أيضاً بمراجعة الطريقة التي استخدمت بها هذا الشعار.
لأن تحويل الدعوة إلى إعطاء فرصة إلى دعوة للصمت عن الأخطاء لم يكن موقفاً حذراً، بل كان تنازلاً عن الدور النقدي الذي يفترض أن تمارسه النخب.
النخب ليست مطالبة بإدارة العلاقات العامة للسلطة، بل بمراقبتها ونقدها منذ اللحظة الأولى.
ومع ذلك تبقى المراجعات الفكرية أمراً مرحباً به دائماً. لا أحد معصوم من الخطأ، والقدرة على إعادة النظر في المواقف علامة نضج فكري وسياسي. لكن المراجعة الحقيقية لا تبدأ من اللحظة الراهنة فقط.
المراجعة الصادقة تعني العودة إلى المسار كاملاً: إلى الإعلان الدستوري، إلى مهزلة الحوار الوطني، إلى المجازر التي وقعت، إلى الانحرافات التي ظهرت في بنية السلطة منذ اللحظة الأولى.
من دون هذه المراجعة الشاملة، تبقى المراجعة جزئية ومتأخرة، وتبقى أيضاً موضع شك، لا تستحق أي قدر من المصداقية.
فالاعتراف بالخطأ ليس مجرد تعديل في الخطاب، بل مواجهة كاملة مع الماضي. وهذه المواجهة هي الاختبار الحقيقي لأي مراجعة فكرية.
المشكلة في النهاية ليست في تغيّر المواقف، بل في أن يحدث هذا التغيّر بعد أن يصبح كل شيء واضحاً. فالنخب التي تصل دائماً بعد الحدث لا تصنع التاريخ؛ هي فقط تقدّم خدمة ما بعد البيع!