خالد محمد جزماتي: ابن مدينة حماة البار الدكتور.. أديب جميل نصور
الدكتور أديب نصور: هو من الجيل الثاني لرجال عصر النهضة، و أحد القلائل الذين حصلوا على شهادة دكتوراه في علوم القانون والاقتصاد السياسي، فقد سبقه الدكتور محسن البرازي بشهادته عام 1929- 1930، والدكتور محمد السراج عام 1935، فيما هو نالها عام 1946 من جامعة "أكسفورد" البريطانية.
وُلد الدكتور أديب نصور عام 1917 في مدينة حماة بحي المدينة، لأسرة كريمة تعمل في جميع المجالات الوطنية لنهضة الأمة، وتعلن التمسك بعروبتها، فأبوه الدكتور جميل نصور الذي تخرج طبيبا من الجامعة العثمانية الطبية في استامبول، وساهم مبكرا في حماة في نهضة المجتمع، وأمه السيدة "فدوى نصر الله" ذات الثقافة الأدبية المميزة في زمانها.
ولقد تعلم في حماة مبادىء القراءة والكتابة، ولكن أيامه الحاسمة في العلم والتعلم جرت منذ عام 1925 وكان عمره ثماني سنوات، حيث تسلم رئاسة مطرانية حماة للروم الأرثوذكس المطران أغناطيوس حريكة (1894-1969) فرعاه أفضل رعاية، وتشرب منه حليب الوطنية الصافي، ولما أصبح يافعا اشترك مع أقرانه (وكانوا طلابا) مثل عبد الكريم زهور عدي في المظاهرات الطلابية ضد سلطات الانتداب الفرنسية لأسباب كثيرة وحسب توجيهات القوى الوطنية.
انتسب الى الجامعة الأمريكية في بيروت، حيث نال منها شهادة الحقوق بتفوق، وهذا ما أهلة لمتابعة دراسته في بريطانيا بجامعة "اكسفورد" فتفوق فيها على أقرانه ونال شهادة دكتوراه في الاقتصاد السياسي عام 1946.
كانت أيام دراسته في مختلف المراحل والأمكنة حافلة بالنشاط الوطني السياسي، وكان خطيبا لامعا، واشتهر بشجاعته ومواقفه الوطنية الرائعة ضد الاحتلال الفرنسي ودعوته لوحدة الوطنية، والتبشير بوجوب العمل العربي المشترك.
وكانت صلاته في مدينته حماة قوية مع جميع رجالاتها الذين يعملون في الشأن العام وفي السياسة، وكان محافظاً في نشاطاته الانتخابية، فقد تم ترشيحه نائبا عن حماة ضمن لائحة عبد الرحمن العظم عام 1947، التي ضمت بالاضافة الى العظم ونصور الدكتور محمد السراج والشيخ محمود الشقفة، وقد نجح أربعة من قائمة عبدر الرحمن العظم وهم:
عبد الرحمن العظم - محمد السراج - محمود الشقفة - أديب نصور (مع حفظ الألقاب)، أما النائب الخامس عن مدينة حماة فكان من القائمة الأخرى المنافسة، حيث نجح زعيمها أكرم الحورني.
وفي هذا المجلس جرت أحداث جسيمة في المنطقة كحرب فلسطين عام 1948 بعد اعلان الصهاينة عن قيام دولتهم في أيار من ذلك العام. و كان نشاط النائب الدكتور أثناء نيابته التي استمرت تسعة عشر شهرا حافلة بالنشاطات المختلفة، محلية واقليمية ودولية.
وكتب مقالات عظيمة في الصحافة المحلية والعربية سجل من خلالها اّراؤه العظيمة في تكوين الدولة ومؤسساتها المختلفة، ولو استعرضنا بعضا من اّرائه، لقدرنا مسوى تفكيره العظيم.
وكمثال على ذلك محاضرته التي ألقاها بتاريخ 7 اّذار 1949 في النادي الأدبي بدمشق، ثم ألقاها مرة أخرى في الجامعة الأمريكية ببيروت يوم 17 اّذار 1949، وكان عنوان تلك المحاضرة هو: "نحو اشتراكية فاضلة"، وقد ابتدأها بقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب "لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لأخذت من الأغنياء فضول أموالهم فرددتها على الفقراء".
ثم كتب: مبادىء وشروط الاشتراكية الفاضلة السمحاء: 1- الايمان بالله واعتبار الناس جميعا أخوة في الله. 2- النظر الى الانسان على أنه كائن حي روحي ذو شخصية كريمة وارادة ينبغي أن نؤمن حاجاته المادية دون الغاء الحرية والحاجات الروحية العميقة. 3- الأرض وخيراتها أعطاها الله للبشر كافة ليعيشوا عليها جميعا. 4- غاية الدولة اسعاد الشعب والخير العام في تعميم الخيرات. 5- الناس متساوون في الكرامة الانسانية، متفاوتون في المواهب، فيجب أن تتساوى الفرص لهم جميعا، وأن يكون هناك حد أدنى من العيش الكريم للجميع، وأن يكون التفاوت فوق الحد الأدنى حسب المواهب. 6- الملكية الفردية مؤسسة طبيعية نافعة، لذلك كان من الخير أن يملك كل مواطن شيئا، أن لا يملك كثيرا. 7- الغاء الفقر والعوز والهوان بتوفير العمل لجميع القادرين، ورعاية الشيخوخة والطفولة والمرض وكل حالات العجز، واخراج الفقير المسكين من حالة الفقر والمسكنة الى حالة تليق بكرامة الانسان. 8- يجب أن ينخفض الغنى الى أدنى مراتب الغني، لأن خيرات الأرض محدودة، والثروات الضخمة عند البعض تعني حرمان الاّخرين. 9- التطور والتدرج نحو الاشتراكية خير من الثورة والطفرة. 10- الافادة من التفكير الاشتراكي العالمي وربطه بالفكر العربي القديم، وعلى الأخص بمؤسسة الزكاة وتجربة عمر بن الخطاب الجريئة في صدر الاسلام لتجيء اشتراكيتنا منسجمة مع تقاليدنا العربية وخصائص امتنا. انتهت المحاضرة
وعندما حدثت مأساة فلسطين قال في المؤتمر الدولي البرلماني الذي انعقد في استوكهلم بتاريخ 8 ايلول 1949 من كلمة طويلة ألقاها أذكر منها قوله: "اني أعتبر نشوء اسرائيل مأساة من الدرجة الأولى وحدثا
مفجعا تبكي له الملائكة".
لقد كان الدكتور أديب نصور في مسيرته الوطنية في حماة ضمن توجيهات وتأثيرات المطران الوطني الكبير أغناطيوس حريكة من حيث التعاون مع رجال الكتلة الوطنية، وساهم في تأسيس "نادي الرابطة الفنية بحماة" وجعل أعضاء ذلك النادي منه رئيسا فخريا للنادي، حيث أغنى النادي بمحاضراته المتتابعة والوطنية بامتياز.
وساهم في انشاء مكتبة النادي العظيمة، وعندما تسلم المجاهد الكبير سامي السراج دار الكتب الوطنية بحماة عام 1952، أصبح الدكتور أديب نصور من أبرز المحاضرين، وكان السراج يصر على تقديمه ليحاضر بأروع الكلام وأحلى الجمل المعبرة عن مكانة الرجل المعرفية والوطنية الصادقة.
ولقد سافر الى بيروت حيث تعاقدت معه الجامعة الأمريكية، وبقي فيها محاضرا في القانون، ثم شاءت الظروف باستدعائه الى ليبيا ليكونا أستاذا محاضرا في ليبيا، يدرس القانون في جامعتها، وبقي هناك حوالي عشر سنوات.
وكان الدكتور أديب نصور متقنا للغتين الفرنسية والانكليزية كتابة ولفظا، ثم تعلم اللغة الألمانية وعمره خمس وستون عاما.
تزوج من السيدة الدكتورة "ماري صبري" زميلته في الجامعة الأمريكية، وقد تقلدت ادارة " كلية بيروت للبنات التابعة للجامعة الأمريكية". ومن ميزات هذه الزوجة العظيمة أنها كانت تحاكية في حبه للثقافة والفنون.
عاش الدكتور أديب نصور عمرا طويلا كان صديقا حميما للمثقفين ولو كانوا خصوما له في السياسة وأيام الانتخابات في مدينته حماة ، فكان صديقا حميما للأستاذ عبد الكريم زهور عدي وللدكتور فيصل الركبي وللمحامي الرائع حافظ طيفور، حيث أمضيا بعض الوقت في مكتب واحد مقابل مقهى الروضة.
عرفته عن بُعد أيام الانفصال عندما جرت انتخابات عام 1961-1962 وكان مرشحا ضمن اللائحة المؤتلفة وكان أعضاؤها من السادة: عبد الرحمن العظم - رئيف الملقي - عبد الله البرازي - مصطفى الصيرفي - نعسان عروانه - هارون خطاب - أديب نصور - وقد فشلت هذه القائمة في تلك الانتخابات.
ونجحت القائمة المنافسة من حزب البعث العربي الاشتراكي وهم: أكرم الحوراني - مصطفى حمدون - عبد الغني قنوت - محمد عطورة - عبد العزيز عثمان - محمد علي عدي - خليل كلاس... وهؤلاء كانوا أصدقاؤه، ولقد سمعت ثناءاً حسنا من بعضهم ومدحا عظيما من الدكتور فيصل الركبي ومن علي عدي ومن محمد عطورة، لشخصية الدكتور أديب نصور.
عندما كان يغترب عن حماة، كان الحنين يأخذه ويشد على نفسه بشكل يؤئر عليه بشدة عظيمة، وهكذا بعد مديد من العمر وتحديدا في عام 1989 فألف مؤلفه "دولة العرب والمنازل والأوطان" يها قول فيه:
(مدينة على ضفاف العاصي تدعى حماة، وحي عتيق من أحيائها هو حي "المدينة"، ذلك هو موطني الأول، فإذا ما عدت يوما، أو حُمل جثماني الى تلك الديار، فإنما هي قطعة من حماة ترد الى حماة حفنة من ترابها، كأس من ماء عاصيها، نبات من زرع واديها ، وكلمة من كلماتها في ضمير الزمان).
غادرنا الدكتور أديب نصور الى الاّخرة عام 2007 مخلفا وراءه السمعة الاجتماعية الطيبة، والسلوك القدوة في الوطنية الصادقة، وهو الذي صرح في أوربا غير هياب ولا وجل، أن القوى الخفية في الغرب هي التي خذلت العرب وأنشأت ما يسمى بدولة اسرائيل.
ولقد ترك لنا ارثا ثقافيا عظيما مثل كتابه: "مقدمة لدراسة الفكر السياسي العربي في مائة عام"، وكتابه "قبل فوات الأوان" ثم "رجل الدولة" و "نحو الدولة الفاضلة" و "أفلاطون" و "وطنيون وأوطان". وله أبحاث كثيرة صدرت عن الجامعة الأمريكية ومقالات كثيرة جدا في الصحف السورية والعربية ذاعت شهرتها في زمانها.
ونهاية كلامي عن هذه الشخصية الوطنية العربية المسيحية الفذة، أن على الأجيال التي تعيش هذه الأيام الصعبة والتي فيها تكاثرت الفتن والطعن في تاريخنا الحديث، أن تبحث عن محاولات رجالات عصر النهضة في انشاء الدولة العربية الواحدة، والتي لو قُيض لها النجاح، لأنهت الهيمنة الوحشية من ضواري الغرب المتصهين على شعوب العالم المظلومة.
معلومات إضافية: بتاريخ 23 كانون الثاني 1948م، قام الدكتور أديب نصور بالقاء حديث هام من إذاعة دمشق تحت عنوان "حيَّ على الفلاح" قال فيه: "قبل ساعات معدودات كنت في حفلة تكريم صاحب الغبطة بطريرك الروم الكاثوليك، بطريرك انطاكية واورشليم والاسكندرية وسائر المشرق، وكان بين الخطباء صاحب الفضيلة الأستاذ مصطفى السباعي المرشد العام للأخوان المسلمين. وكم كان جميلا أن يشترك الشيخ الكبير في تكريم الكاهن الكبير.
وهأنذا أُدعى الى الكلام في ذكرى المولد النبوي الكريم، وان هذه الظروف السعيدة والمصادفات تشير ببلاغة الى الحقيقة التاريخية الكبرى، وهي أن المودة تزداد بين أفراد وجماعات وأن الإخاء ينمو ويكتمل في عهود الحرية. تأملوا أيها المستمعون الكرام كيف كانت حالنا في الدولة العثمانية وزمن الانتداب، عداء بين المسلمين والنصارى، وتنافر بين السنة والشيعة، وخصومة عمياء بين الروم الأرثوذكس والكاثوليك.
ولقد تذكرون كيف قسموا المسلمين الى سنيين وعلويين ودروز، ليقيموا دولة في دمشق وأخرى في اللاذقية ، ودولة ثالثة في السويداء. هذا في عهد الاحتلال والحكم الغريب، أما في عهد الحرية والحكم العربي الخالص، فما خبرنا غير الالفة والوئام والتعاطف والوفاء الجميل. عرفنا ذلك في عهد معاوية بن أبي سفيان حين أقام الدولة الأموية على العصبية العربية واتخذ طبيبه الخاص ووزير المال من النصارى.
ثم يتابع الحديث عن الملك فيصل وعهد شكري القوتلي الى أن يقول: "ونسمع الأذان العربي الجميل مع الفجر، ونسمع أصداء الأجراس عند كل مساء، الا أن دمشق الخالدة لتتسع لجميع المذاهب والأديان وتضم مختلف التقاليد في الحياة العربية ويزداد الغنى. واني لأذكر بهذه المناسبة وأنا المسيحي كم كان يؤثر فيّ أذان الفجر اذا انطلق من الجامع الكبير في حي المدينة بحماة. لقد أخذت ذات صباح بتلك الأغنية الخالدة ترفعها الأرض الى السماء فقلت قصيدة أسوق ما حضرني من أبياتها:
في مطلع الفجر أنفاس الدجى انحدرت ** نشوى محملة بالعطر والنغم صوت المؤذن من أعلى منارته ** يجري فيؤنس من في الليل لم ينم ويبعث الأمل المعسول منسجما ** مع رقة الصبح في أشهى من الحلم ما أروع الدين والايمان ممتثل ** وما أجلّ بلالا في ذرى الحرم غنى فرددت الأجيال أغنية * تذكي على الدهر نار الحب في النسم للحلم أفضل من علم ومن حكم ** سذاجة قصى غاية الحكم
هذا ما أوحاه أذان الفجر الى عربي من النصارى في عمر الأطفال، فماذا توحي الينا جميعا ذكرى مولد الرسول العربي العظيم. انها تذكرنا بالوثبة العربية الكبرى التي تمثلت في شخص محمد بن عبد الله، وفي حياة محمد تذكرنا كيف كانت جزيرة العرب مسرحا للقبائل المتنافرة والبيوت المتناثرة والنشاط المبدد والقوى الضائعة ، فما أن ظهرت دعوة الرسول العربي حتى تكونت أمة وأخرجت للناس وألفت القلوب على الاسلام ، فاذا بالجزيرة الخاملة تتمخض بالفكرة الكبيرة، وتتوثب وتندفع قبائلها الى الشام والعراق، وتقوم الى كسرى، فما يبقى ايوان كسرى، وتقوم الى قيصر فينهدم ما تبقى من مجد قيصر.
وان العرب ليتقدمون نحو مشرق الأرض ويطوون ما وراء النهر طيا، وانهم ليتطلعون الى السماء وتحدثهم هممهم بامتلاك ناصية الشمس، لكن للشمس مكرا ودهاء، هي ذي تخادع العرب وتلتوي سائرة نحو المغرب، وان العرب ليلحقون بها ويجدون في أثرها، حتى اذا ضمها البحر واحتواها الماء وجدوا أنفسهم في الأندلس، لم يبلغوا الشمس لكنهم جروا الذيول على السحاب.
هذه قوة الايمان تُنشىء الأُمم وتبتدي الحضارات وتبني الأمجاد، وان المرء حين يتأمل في مشاكل العرب وأحوالهم الحاضرة وظروفهم العصيبة ليوقن بأنا لا نستطيع أن ننهض بواجب العروبة ولا نستطيع أن نلعب دورنا التاريخي في القرن العشرين ما لم نؤمن بالله وبقومنا العرب وبأنفسنا كما اّمن أصحاب محمد ، وكما آمنت أمة محمد.
انقاذ بيت المقدس واسترجاع انطاكية وتحرير القاهرة وبغداد وعدن والبحرين والشمال الأفريقي وانتظام هذه الأقطار جميعا في دولة عربية كبرى وتزيينها بالحضارة والثقافة والعمران وتجميلها بالفضائل والاّداب، هذه مطالب جسيمة تحتاج في تحقيقها الى جيل بطولة وهدى شبيه بجيل عمر وعلي وخالد بن الوليد.
أيها العرب بادية وحاضرة، ومن أعالي الفرات الى أقاصي اليمن، أيها الجيل الجديد من العرب، اّمن بفكرة كبيرة واجر وراءها في الحياة، اّمن بقومك وبامكانيات القوم، اّمن بأن للعرب رسالة فذة فريدة في التاريخ، اّمن بالهك وبنفسك وتحدث مرة ثانية يا زمن.
ان ذكرى مولد الرسول العربي لتدعونا الى هذا الايمان، انها لتدفعنا دفعا الى أمثال تلك الفعال والمكرمات، و ان هذه الدعوى لتأتينا مع كل فجر اذ ينطلق الأذان العلوي بذلك النداء البعيد العميق، حي على الفلاح، حي على الفلاح".
انتهى الحديث الاذاعي للدكتور أديب نصور بتاريخ 23 كانون الثاني 1948.
__ المراجع: - وطنيون وأوطان - د.أديب نصور. - نحو الدولة الفاضلة - د.أديب نصور.
- مقالة بعنوان: أديب نصور نبراس الجيل الصاعد لعمار هواش. - ومعلومات أدلى بها الدكتور راتب سكر لمدونة وطن.
- معلومات شخصية قديمة من الدكتور فيصل الركبي.