38 عاماً على وفاة محسن عباس.. قصص من الذاكرة
2021.02.04
كتب بشار عباس:
قصص من أجل الذاكرة
(1)
ولد أبي المرحوم محسن عباس في قرية حمين التابعة لطرطوس عام 1913، وأنهى دراسته في مدرسة اللاييك في بيروت عام 1931 ثم حصل على إجازة في الحقوق وأخرى في اللغة العربية عام 1934، ذلك أنه استطاع اختصار سنة من الدراسة الجامعية عندما تقدم إلى السنة التحضيرية في كلية الآداب في ايلول من عام 1931 الذي حصل فيه على البكالوريا، حيث أن الأنظمة كانت تسمح بذلك، في 1934 عمل محامياً في اللاذقية وفي عام 1936 عُين قاضياً.
أمضى حياته قاضياً، حيث خدم في اللاذقية وحلب ثم دير الزور ثم حلب فحمص فالقاهرة وأخيراً دمشق التي تقاعد فيها عام 1973 بعد أن وصل إلى رئاسة المحكمة العليا، ثم عمل بعد تقاعده محامياً 1973 – 1982 ، وفي جميع هذه المدن بنى صداقات، وكان يحب الناس ويسره استقبالهم وخدمتهم والتعاطف معهم.
(2)
في 27 آذار 1936 أسس مع مجموعة من رفاقه المثقفين العلويين "رابطة الشباب العلوي المسلم"، وكان أمين سر الرابطة، وقد قامت الرابطة بنشاط كبير ضد انفصال دولة العلويين عن سورية، ووجهت بياناً مطولاً أرسلته إلى هاشم الأتاسي بصفته رئيساً للوفد السوري المفاوض في باريس في 7 نيسان عام 1936، تضمن شجب محاولة فصل الساحل السوري عن سورية، وأعلنت تأييد الرابطة للكتلة الوطنية، في مسعاها لوحدة جميع أجزاء سورية والحصول على الاستقلال التام.
(3)
كان والدي المرحوم محسن عباس رئيساً لمحكمة الاستئناف في حمص (1953-1959) وكان خالي شوقي مرهج يأتي من طرطوس ليزورنا، وأحب مرةً أن يحضر لنا "تنكة" مليئة بالسمك، فطلب منه والدي عدم تكرار ذلك، فاعترض خالي قائلاً: ولكنه بيت أختي، فأجابه والدي: أنا أعرف أنه بيت أختك ولكن الجيران لا يعرفون.
(4)
وصل إلى سمعه أن بعض الأقارب يستغلون اسمه مدعين أنهم قادرين على التدخل في القضايا التي يقضي فيها، فمنعهم من دخول بيته، بل وإن أحدهم تجرأ على إيصال رسالة له من أحد المتخاصمين أنه مستعد لدفع مبلغ كبير جداً إذا حسمت القضية لصالحه، فقال له: سأعتبر نفسي لم أسمع ما قلته، ولكن في المرة القادمة سأضعك في السجن، وأرجو أن لا تزورني مرة أخرى.
(5)
على الرغم من أن راتب القاضي كان مجزياً في تلك الفترة، إلا أنه عاش معظم حياته مديوناً، ولم يمر بفترة راحة نسبية إلا عندما تقاعد ثم عمل محامياً، وقد اشتكى لي ذات مرة قبل وفاته بقليل قائلاً: يلومني الناس وحتى أقربهم إلي بأني لن أترك ورائي ثروة لأولادي، فقلت له: أنت أورثتنا أفضل شيء يمكن أن يورث، السمعة الوطنية الطيبة والسيرة الحسنة.
(6)
تجنب والدي تسمية أبناءه وبناته أسماء دينية، وكان يقول إن الحل الأفضل للاندماج الوطني هو الزواج المختلط بين الطوائف والأديان.
(7)
أثناء هجرة جدي في عشرينات القرن الماضي من قريته بحوزه إلى الدرباشية التابعة للحفة في محافظة اللاذقية هارباً من الفرنسيين، أخفاه سكان الدرباشية وحموه، وهكذا انعقدت أواصر تشبه القرابة مع أهل القرية، اللذين كانوا يزوروننا بشكل دوري، وفي إحدى المرات، وكنت في الصف الثاني الثانوي، سألني أحد هؤلاء: أما زلت على عاداتك التي عهدناها عندما كنت صغيراً؟ فقلت له: كبرنا وعقلنا. وكان أبي حاضراً ولكنه لم يعلق حتى ذهب الضيوف، ثم ناداني وقال لي: أنت حر في اعتقاد ما شئت، ولكنك لست حراً في إيذاء مشاعر الآخرين، هؤلاء قوم محافظون ومؤمنون، وعندما تقول لهم (كبرنا وعقلنا) هذا يعني أنك تتهمهم بالجنون.
(8)
كان يقول دائماً إن ثمة وسيلتان أساسيتان يجب التركيز عليهما للوصول إلى الاندماج الوطني: الأولى هي التعليم العام المشترك والمناهج الموحدة، والثانية هي الخدمة العسكرية الإلزامية التي تجمع أبناء المناطق المختلفة في مهجع واحد وفي كتيبة واحدة.
(9)
كان رحمه الله مؤمناً بنهضة هذا البلد وكان ليبرالياً وطنياً متحمساً لنهضة بلده، وعلى الرغم من عدم انتمائه إلى حزب سياسي فقد كانت لديه آراء ومواقف سياسية يتحمس لها ويدافع عنها، وفي عام 1964 زار اللواء محمد عمران رئيس اللجنة العسكرية في ذلك الوقت، وقال له: أنا مع عودة الجيش إلى الثكنات، ثم مع تنظيم انتخابات حرة، وليفز من يفز، وإذا كنتم تخافون انحرافات القادة المدنيين القادمين، فأنتم تستطيعون التأثير عليهم من خلال الجيش والشارع، أما إذا تمسكتم بالسلطة فستدخلون البلد في مأزق لا فكاك منه.
وأعتقد أن اللواء عمران لم يرتح لهذه النصيحة، وعلى الرغم من ذلك فإنه اتصل بوالدي في نهاية 1965 وعرض عليه وزارة العدل، حيث أن عمران كان قد تم اختياره وزيراً للدفاع، ولكن والدي رفض العرض وقال له: لا أرغب بالدخول في صراعات سياسية، أنا مكاني في القضاء.
(10)
تولى صديقه د. محمد الفاضل وزارة العدل وقد بدأ بإعداد نظام جديد لمجلس القضاء الأعلى يكون فيه وزير العدل هو رئيس المجلس بدلاً من رئيس المحكمة العليا (التمييز)، فنصحه بالعدول عن ذلك قائلاً: إن هذا الاقتراح يقضي على مبدا الفصل بين السلطات. وقال: يجب أن تكون السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية مستقلة عن بعضها.
(11)
لم يكن والدي رجل سياسية ولكن نظرته كانت صائبة في بعض الأحداث، فقد سمعته يقول بعد حرب حزيران مباشرة: ستحدث تغييرات، فعندما تحدث هزيمة عسكرية، سيقوم قادة الجيش بتغيير السلطة السياسية، ما لم تقم السلطة السياسية بتغيير قيادة الجيش، وهو الأمر الذي حدث في سورية ومصر حيث أن تغيير القيادة العسكرية في مصر جاء سريعاً، بينما تأخر تغيير السلطة السياسية في سورية، وإن كانت قد ظهرت بداياته بعد عام من الحرب.
(12)
كان يطلب من أولاده الاستقامة وعدم إخفاء شيء من واقعهم، وأذكر أنه قال لأخي نزار: أعلم أنك تدخن ولا أحب لك ذلك، ولكنك إذا كنت مصراً فلا تخفي عني ذلك ودخن أمامي، وكان يتعامل مع أولاده كأصدقاء، وكانوا ينادونه تحبباً: "أبو زهير"، كما كان يناديه أخوته وأصدقاؤه.
(13)
كان مرحاً يروي النكات ويحدث بما يعرفه من أدب عربي وأدب أجنبي، وكان يرغب في نقل كل ذلك إلينا وقد أحضر لنا "قصص العرب"، المؤلف من أربعة مجلدات وحرص على أن نجتمع نحن الأربعة عندما كنا صغاراً (8 – 13 سنة) فيستلم كل منا أحد المجلدات للقراءة لمدة ساعة يومياً.
(14)
اشتركت في أحد الأبحاث لتوثيق تاريخ سورية بعد الاستقلال، وقد وجدت أن كل الذين قابلتهم من الشخصيات التي أدت أدواراً في تلك الفترة، في حلب وحماة ودمشق واللاذقية، كانوا يعرفونه شخصياً ويحملون عنه ذكريات طيبة.
30 يناير 2021