كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

بين الريف والمدينة.. ذكريات

محسن سلامة

في الخمسينيّات من القرن الماضي عندما تجاوزتُ (السرتفيگا) الخامس كان على أبي حتّى نستطيع متابعة الدراسة أن ينتقل إلى المدينة، فالقرية لا يوجد فيها صفّ سادس، كان يعمل نجّاراً متواضعاً في أغلب قرى ريف القدموس، فعقد العزم أن يقتحم أبواب المدينة طرطوس، ذهب وحيداً ليبدأ تلك الحرفة على الطريقة المدنيّة، نجح نجاحاً باهراً في التعامل مع تلك الآلات الكهربائيّة الحديثة (منشرة شاهين) حيّ الرمل الأوسط، أحبّه الناس حتّى عليّة القوم فيهم، وكان من أعماله المُتقَنَة مشفى الحكمة بعد سنين قليلة من شهرته، وكنت معه يومها أحمل قطع الأبواب والنوافذ، ظلّ صاحب المشفى ومديره الدكتور عدنان محي الدين سنوات يعالج العائلة دون مقابل.
وقبل بدء العام المدراسيّ بيوم واحد نقل والدي الأسرة بكاملها إلى غرفة استأجرها ضمن بناية واسعة مستديرة مولّفة من طابقين، كانت كأنّها ثكنة بشريّة، الضابط للجميع صاحب البناية، كان قويّ الشكيمة ينصاع له الجميع نظافة المكان ودفع الأجور في حينها.
في الصباح لأوّل مرّة ألبس ثياباً مدنيّة جديدة وحذاء مدنيّاً جديداً، دخلنا غرفة المدير وأنا طوال الوقت في رهبة وقلق وتوتّر وخوف، كان المدير عبد اللطيف، وكان اسماً على مُسمّى لطيفاً هادئاً طويل القامة ممتلئ الجسم،
أخذني إلى غرفة قرب الإدارة تماماً، وقال لمعلّمها هذا طالب جديد، لم يسمح لي هذا المعلّم بالجلوس إلّا بعد اختبار فهناك شعبة ثانية، قال لي: أكتب هذه الجملة على السبّورة:
. الشمس حارّة
وفعلاً كان لهب آب لمّا يغادر المدينة، وهذا من ذكاء هذا المعلّم، أُعجِب بي جدّاً عندما وضعت الشدّة على الراء، وأمرني بالجلوس على المقعد الأوّل قرب الباب، لم تمرّ دقائق حتّى قال لي الطالب بجانبي: في أيّ صفّ أنت؟ أجبته الصفّ السادس، قال نحن طلّاب صفّ رابع، وقفت بطفولة ريفيّة ساذجة، وقلت للمعلّم: أستاذ أنا صفّ سادس،
ابتسم المعلّم دبّاح أحمد بوجهه النبويّ الشريف الدافئ الحنون، رحمه اللّه تعالى، وقال: نعم نحن صفّ سادس، عرف حينها هذه المفارقة بين صديقي ابن المدينة أهل حيلة وخبث، وبيني براءة وسذاجة، فأمره أن يظلّ واقفاً طوال ما تبقّى من الحصّة عقوبة له.
لم يمض أسبوع حتّى ظهرت قدراتي المميّزة، وبدأ هذا المعلّم العظيم يحترمني، أراد يوماً أن يكرّمني فجعلني عرّيف الصفّ أكتب أسماء المشاغبين قبل أن يدخل الصفّ إثر كلّ فرصة، وكنت قصير القامة بعض الشيء عن هؤلاء، فكانوا يأتون إليّ ويمحون أسماءهم، وقد يحملني بعضهم إلى نهاية الصفّ، وكأنّ المعلّم العظيم كشف الأمر، فليس من العادة أن يكون اللوح بدون أسماء مشاغبين، فعفاني من تلك المهّمة إلى الأبد.
كم شعرت بذلك التقارب الأخلاقي بينه وبين معلّمي في القرية.
*****
. أنور الجنديّ
كان بحقّ الأستاذ أنور الجنديّ جنديّاً مجهولاً بكلّ معنى الكلمة، يأتي من القدموس إلى القرية (الدنبيّة) سيراً على الأقدام، لا يأبه لريح ولا مطر ولا ثلج ولا لنهر الموت الذي يفصل القرية عن القدموس، كان يرنّ الجرس الثامنة إلّا ربع، وأمامه خمسة صفوف في غرفة واحدة، كيف كان يشغل الجميع، في همّة ونشاط، كان الأب الحازم، له خبرة ليست لغيره في شرح دروس الحساب وقواعد اللغة العربيّة وإملائها، قلّما نعرف الفرصة في الشتاء يحوّلها إلى درس رياضة في المكان، يعطي الأوامر الآتية:
وقوف قف.. الذراعين جانباً ضع.. أسبلْ....
ويكرّرها وأمثالها،
تحيّة إجلال وتقدير لكلّ معلّم نبيل وطنيّ إنسانيّ معطاء
قد يكون لهذا المنشور تتمّة..
ـــــــــــــــــــــــــ
الصورة أعلاه المعلّم العظيم أنور الجنديّ
المصور الأرمني والبداية
د. خالد الأسعد.. أيقونة من بلادي
فائز بن زَعَل الغُصَين من قائمقام إلى مشارك في الثورة العربية الكبرى
العالم والمصلح الاجتماعي والمربي الكبير الشيخ محمد سعيد النعسان (1867م- 1967م) ح4
الشركس في سلمية ١٩٠١م- ١٩١٦م
العالم الرباني والمصلح الاجتماعي الشيخ محمد سعيد النعساني (1867- 1967م)- ج3
الياهو ساسون
العالم الرباني والمصلح الاجتماعي الشيخ محمد سعيد النعساني (1867- 1967م)- ج2
محمد أرسلان بك - مبعوث اللاذقية إلى مجلس المبعوثان 1908انتخابه واغتياله
المجاهد والسياسي رشيد طليع الذي دفن واقفاً لكي تستمر الثورة
العالم الرباني والمصلح الاجتماعي الشيخ محمد سعيد النعساني (1867- 1967م) - ح1
سيرة الشاعر نوفل بن غانم إلياس
منصور الأطرش سيرة مناضل بطل وسياسي قدير من بني معروف
زياد الحريري (من وحي كتاب: "البعث كما حكم")
يوسف بن يعقوب الحكيم الوزير السوري الذي عاش مائة عام وكتب تاريخها