كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

نُبذَةٌ وَجِيزةٌ عَن حَياةِ العلّامة والشيخ الجليل الأستاذ سُليمان الأحمد

زين العابدين رمضان

إِنَّ الأُستاذَ العَلّامَةَ الشَّيخ سُلَيمان الأحمَد كانَ نابِغةً مِن نوابِغِ العَصرِ، وَفَرداً مِن أفرادِ الدَّهرِالَّذينَ يَظهَرونَ في الجِيلِ بَعدَ الجِيلِ على حِينِ فَترَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وَغَلَبَة الجَهلِ على العَقلِ، فَيُجَدِّدُونَ لِلْأُمَّةِ مَا أخلَقَهُ الزَّمانُ، وَعَفا عَليهِ كُرورُ الأيّامِ مِنْ دِينٍ أفسَدَتْهُ رِجالُهُ، وَمَجدٍ ضيَّعَتهُ أدعِياؤهُ، وَعِلْمٍ لَعِبَتْ بهِ أيْدي المُتَأَوّلينَ، وَفِقهٍ أخذَ بِزمامهِ جَماعةٌ مِنَ المُتَمَحِّلِينَ وَشِرذِمَةٌ مِنَ المُتَدَجِّلِينَ قاسُوهُ بِآرائِهِمْ، واستَعمَلوهُ لِأَغراضِهِمْ وَأهوَائِهِمْ، فَحَوّلوهُ إِلَى مَجموعَةِخُرافاتٍ قاسُوا عَلَيْها مَا أَلِفُوهُ مِنْ شَتَّى العَادَاتِ وَكانَ؛ لِإِرجَاعِ الأُمَمِ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الأَحوالِ يُتعِبُ الأَنبِياءَ، والمُرسَلينَ فَضْلاً عَنِ المُجَدِّديِنَ، وَالمُصلِحينَ، ولا سِيَّما إِنْ كَانَ في الأُمَّةِ مُلوكٌ كاليونانيّين، والرُّومانِيّينَ الَّذِينَ كانُوا يُعَامِلونَ مِثْلُ هَؤلاءِالمُجدّدِينَ بِالسِّجْنِ، وَالضَّربِ، وَرُبَّمَا تَعَدُّوهُمَا إلَى القَتْلِ، وَالصَّلْبِ. لَكِنْ، وَالحَمْدُ لِلهِ لَمْ يَكُنْ فِينا - العَلَوِيّينَ- مَنْ يُخشَى أذَاهُ إِلّا بِلِسَانِهِ، فَكانَتْ مَشَقَّةُ (الأستاذ) شاقّةً إلّا أنَّها غَيرُ خَطيرَةٍ، ومُعَرِّضَةً لِقوارِصِ الكلامِ، وَسِهامِ المَلامِ، وطَعْنِ الخَوَاصِّ، وَالعَوامِ إلّا أنّها أمِينةٌ عَلى الحَياةِ كفيلَةٌ بالنّجاحِ، فسارَ فيها سَيْرَ الحُكماءِ الإلهِيّينَ، والعُلَماءِالرَّبَّانِيّينَ بإِقناعِ العُلَماءِ، وَوَعظِ الجُهلاءِ.
وَساعَدَتْهُ الصُّحُفُ السيّارةُ، والمَجلّاتُ العِلْمِيّةُ التي عَمِلَ على الاشتراكِ بها، والكتُبُ المَطبوعة التي حثَّ على شِرائِها، واقتنائِها؛ لِتنويرِ الأذهانِ، والإطِّلاعِ على حضاراتِ الأُمَمِ الحَيّةِ؛ لِأنَ أُمَّتَهُ في أوَّلِ نشأتهِ لَم تكُنْ تُعَدُّ حَيّةً حياةَ عِلمٍ، وأدَبٍ بَلْ مَيْتَةً مَيتةَ جَهلٍ، وانحِطاطٍ والسّبَبُ في ذلِكَ انقِطاعُها عَنِ العالَمِ المُتَمَدّنِ، واعتِزالها في الجِبالِ الوَعرةِ - المُقفِرَةِ إلّا مِنهُمْ.
وكثُرَتْ بينهُم الخُرافات، وَفشَتْ عندهُمُ التكهُّنات، وغلبَتْ على عامّتهم الأُمّيَّةِ حتّى لا يكادُ يوجَدُ فيهم مَنْ يقرأُ القرآنَ - فضلاً عن غيرهِ منَ الكُتُبِ.
وبما أنَّ (الأستاذَ) ليسَ نبيّاً مُرسَلاً، ولا حكيماً إلهيّاً مُلْهَماً، فقد ألْزَمَنا عِلُْمهُ أنْ نُرجِعَهُ إلى أسبابٍ طبيعيّةٍ أوّلُها، وأهمُّها ذَكاؤهُ المُفرِط، وفهمهُ الخارِقُ العادة. أمّا ذكاؤهُ؛ فحدِّثْ، ولا حرَج، فقد نظَمَ الشِّعرَ منذُ كانَ يكتبُ بالحجَرِ على الحجرِ، وبالفحمِ على الخشب، ومثل هذا الفَهم لا يَقِفُ بصاحبهِ عندَ حدّ مُحيطهِ، ولكنْ كيفَ يعمَلُُ، وأسبابُ الأسفارِ غير مَيسورةٍ يَومئذٍ، فلا سيّارة برّية،ولا سفينة بحريّة تنقلهُ مِن بلْدةٍ إلى بلْدَةٍ، ومِن ناحِيَةٍ إلى ناحيةٍ، وَلئِنْ كانَ مِن عائلةٍ لها شَرفها، وشُهرتُها إلّا أنّها ليستْ بذاتِ سَعَةٍ أنْ تُخوّلَ ولداً صغيراً مِثلَهُ اقتِناءَ فَرَسٍ للرُّكوبِ، والتنقّلِ مِن قريَةِ إلى قريَةٍ، ولا نُقوداً للمصروفِ في المدينةِ بعدَ المدينةِ، وشِراء الكُتب اللازمةِ، فكانَ يَسيرُ مَشْيَاً على رِجلَيْهِ؛ لِمُشاهدةِ العُلماءِ، وأشباهِ العُلماءِ مِن أهلِ مِلّتهِ حتّى البعيد منهم عن ناحيته وقريته، وهكذا إلى أن عرِفَ الناسَ وعرِفوهُ، فأحبّوهُ على صِغَرِ سنّهِ، وأجلّوهُ، فتفتَّقَ بالمُعاشرةِ ذهنهُ، وتوسّعَتْ معارفهُ، ونمَتْ مداركهُ، وَعِلْمهُ، وعَرِفَ بطبعهِ، وبِما اطَّلَعَ عليهِ منَ الأقوالِ أنَّ الخُرافات، وأكثر العاداتِ التي جَرى عَليها أهلُ ملّتهِ باطِلَةٌ يجِبُ عليهِ أن يسعى؛ لإزالةِ ما علَقَ بأذهانِ الأُمّةِ مِنِ احترامِها، وقبولِها، فما بدأَ حتّى بدأتْ ألسُنُ النقّادِ تأخذُ بالطّعنِ عليهِ، وخصوصاً منَ المشايِخِ النَّفعِيّينَ الذينَ كانوا يستفيدون منها، ومنهم بقيّةٌ باقيةّ إلى الآنِ. فالمُتدَجّلُ الذي يَقتَني ما يُسَمّيهِ (الحِكمة) وهي كِتابٌ للتدجيلِ الذي يَدعوهُ الحِساب، ويأخذُ على الحِسابِ بِفَتحهِ لِذلِكَ الكِتاب ما يقومُ بِحاجةِ بيتهِ أيّاماً، وإنْ كتبَ ما يُسمّيهِ (حِرزاً) أو حبَسَ (تابِعةً) بكتابةِ ورَقةٍ مُطلْسَمَةٍ يضعها في قنّينة(زجاجة) صغيرة، ويُطَيّنُ عليها بِطِينٍ مخصوصٍ، ويأمرُ بتعليقها على (عتَبَةِ البابِ الفوقيّة) - يأخذُ مِن صاحبِها ما يطلبُ، ويُريد، فكيفَ يَقبلُ قَولَ ولَدٍ (كَسُلَيْمَانَ) يقولُ لهُ: "عملُكَ هذا باطِلٌ" - وهو يدرُّ عليهِ الأرزاقَ - بلا تَعَبٍ ولا عَناءٍ، أوْ يقولُ للنّاسِ:
لا تُصَدّقوهُ. ومَن هوَ هذا (سليمان) حتّى يعترِضَ على جلائلِ الأعمالِ، وجَلَّةِ الإِخوان.
لقَد لَقِيَ (الأُستاذُ) في سبيلِ ذلِكَ، وأمثالهِ عثراتٍ، وعقباتٍ، وهِناتٍ غيرَ هيّناتٍ، ولكنّها لَم تُثنِهِ عَن عَزمهِ ولَمْ تَفلّ مِن غربهِ.
وظلَّ مُثابِراً على أعمالهِ، وإرشاداتهِ مِن صِغَرهِ إلى كِبَره حتّى تغلّبَ على جميعِ المصاعبِ - وَرَبِحَ - وهوَ الرَّجُلُ - الفَردُ جميعَ المعاركِ التي كانت كلّ الأُمّةِ مِن جنودِها، وفُرسانِها، وحُماتِها، وشُجعانِها. سُبحانكَ اللهُمّ إنَّ هذا منَ العَجَبِ العُجابِ.
قد يكونُ في الأُمّةِ مُصلِحٌ فَردٌ، ولكنّهُ يزرَعُ بذورَ الإصلاح ِ، فيأتي مَن يَتعهدَّها ثمّ مَن يَجنيها أمّا هوَ، فَقَد قامَ بكُلّ ِ ذلكَ وَحدهُ، ولَم يَمُتْ حتّى نضجَتْ ثمَرَةُ أتعابِهِ، وقرَّتْ عَيْنُهُ بِبُلوغِ آرابهِ.
وَاِنّ (الأستاذَ) خدَمَ أُمّتَهُ بِنِيّةٍ صالِحةٍ، فَلَمْ يَقصدْ نفعاً ولا سمعةً، وَلَقِيَ في سبيلِ خِدمتهِ مُعارضاتٍ احتملَها للهِ "عزَّ شأنهُ"؛ لأنّهُ اعتبرَ المُعارِضينَ لهُ إخواناً في اللَّهِ يَجِبُ عليهِ أن يُقابِلَ مُعارضته بالصَّبرِ، والاحتِسابِ، فجعلَ يُكرّرُ زياراتهُ لهُم، وَيُرَدّدُ أقوالهُ على مَسامِعِهِم بِلهجَةِ الوَعظِ، والإرشادِ، وَمَنْ غضِبَ مٌنهمُ استَرضاهُ في بيتهِ، واعتذرَ لهُ بوجوبِ تأديةِ الأمانة التي للأُمّةِ في عنُقِهِ، ولَم يزَلْ هذا دأبُهُ حتّى أنجحَ اللهُ مَسعاهُ، وَألْهمَ الأُمّةَ الاهتِداءَ بِهُداهُ، والاعتِراف بِفَضلهِ، وتقواهُ.
أمّا ثاني الأسباب التي جعلَتْ منهُ (العالِمَ الأوحَدَ) هُو بزُوغُ النُّورِ العِلْميّ الذي أطفأهُ ظلامُ الجهلِ - أوْ كادَ، فقد نبّهَ أفكارَ (أستاذِنا) إلى أنّ في غيرِ بلادهِ علوماً، وعلماءَ يَقدِرُ أن يُغذّيَ أفكارَهُ الطامِحة منها، واشتركَ في الجرائد، والمجلّات المصريّة (كالهلال، والمُقتَطَف)، وغيرها، فاطّلَعَ بعضَ الإطّلاعِ على العلومِ العَصريّةِ، والمُختَرَعاتِ الأوروبيّة، فَازدادَتْ رَغبَتُهُ، وَطُمُوحُهُ، ولَكِنْ لَا سَبيلَ إِلَى نَيْلِ مَا يَتَمَنَّاهُ إلَّا بِاقْتِنَاءِ الْكُتُبِ، فَصَارَ يَجمَعُ مِنْهَا مَا تُمَكّنُهُ القُدرَةُ المَادِّيَةُ عَلى جَمْعِهِ حتَّى صَارَ عِنْدَهُ مَكتَبَة لا بَأْسَ بِها، وَبِفَهْمِهِ الثاقِبِ، وَدَرسِهِ الدَّائِمِ حَصَلَ عَلى مَا حَسَدَهُ عَلَيْهِ العَدُوُّ، وَغَبَطَهُ الصَّديقُ مِنَ العلومِ الَّتي يُحَصِّلْها خِرِّيجو الأزهَر الأعلى - فَضلاً عنِ المَدَارِسِ السُّفلى.
وَلِنَرجِعُ الآنَ إلى ذِكْرِ نَسَبِهِ، وَ مَوْلِدِهِ، وما بَقِيَ مِنْ ذِكْرِ نَشْأَتِهِ، وَتَنَقُّلُهُ في مَحَلّاتِ السَّكَنِ، وتفرُّغِهِ لِتَعليمِ الطُّلَّابِ الفقهَ، واللغةَ، والإعرابَ .
فأقولُ:
هو
الشَّيخ سُلَيْمان (قرية السلّاطة - اللاذقية)
ابنُ
الشَّيخ أحمد (قرية ياسنس - منطقة الحفّة)
ابنُ
الشَّيخ حَسَن (قرية ياسنس - منطقة الحفّة)
ابنُ
الشَّيخ إبراهيم
ابنُ
الشَّيخ عبُّود (قرية الجُبَيْلِيَّة - ريف جبلة)
ابنُ
الشَّيخ عليّ (في قبّةِ الشيخ علي باشا في العريقيب - جبلة)
ابنُ
الشَّيخ سلامة (في قبّةِ الشيخ ميكائيل - قرية درمينا)
ابنُ
الشَّيخ أحمد
ابنُ
الشَّيخ حسن
ابنُ
الشَّيخ بدر (قرية المعادية - ريف جبلة)
ابنُ
الشَّيخ مُحمَّد (قرية ريحانة متوَر - ريف جبلة)
ابنُ
الشَّيخ جمال الدِّين (قرية بشمان - ريف جبلة)
ابنُ
الشَّيخ سَلْمان (الرّواس)
ابنُ
الشَّيخ يوسُف (قرية مَتوَر - جبلة)
ابنُ
الشَّيخ عبد الله (قرية مَتوَر - جبلة)
ابنُ
الشَّيخ يوسُف (على رأس نبع أبي قُبَيْس - حماة)
ابنُ
الشَّيخ كوْكَب (في أبي قُبَيْس - حماة)
ابنُ
الشَّيخ حَسَن (الحَيْلونة - مصياف)
ابنُ
الشَّيخ موسى (الحَيْلونة - مصياف)
ابنُ
الأمير الشَّيخ أحمد القاضي (قرية دير ماما)
ابنُ
الأمير موسى الرَّبطي (غربيّ قلعةِ أبي قُبَيْس - حماة)
ابنُ
الأمير مُحمّد (ذو الفتاوى " زفتايا")
ابنُ
الأمير كوكب (عَينِ الكُروم)
ابنُ
الأمير مُبارَك الدّبّاح ( ساقية الرَّيحان - عين الكروم - الغاب)
ابنُ
الأمير نجم الدِّين (عين الكروم - الغاب)
ابنُ
الأمير الشَّيخ حسَن
ابنُ
الأمير يوسُف
ابنُ
الأمير مكزون السَّنجاريّ.
______(قدَّسَ اللهُ أرواحَهُم وَجميع المؤمنين).
كما ذَكَرَ في شِعرِهِ (وهُوَ حُجَّة) قالَ:
عَلَى أَنَّ لِي فِي آلِ مَكزون نسبَة
إلَى حَسَنٍ أَكْرِمْ بِـها ثُمَّ أَكْرِمِ
وَيَشْهَدُ لِي مِنْ عُصبَةِ الْحَقِّ فِتْيَةٌ
هُمُ عمدُ الدّينِ الحَنيفِ المُقَوّمِ
_مولِدُهُ :
طَلَبَ إِلَيْهِ (المَجمعُ العِلْمِيُّ العَرَبِيُّ - بِدِمَشق) الّذي اختِيرَ فيهِ عُصْوَاً أنْ يَكتُبَ تَرجَمَةً لَهُ؛ لِتوضَع في أرشيفه الخاص قال:
{وُلِدتُ في سنَةِ (1287هجرية - 1870م) في قريَةٍ صغيرةٍ تُسَمّى الجُبَيْلِيّة مِن قضاءِ جَبلة ثُمّ بارَحْتُها صغيراً مِن والِدَيْنِ فقيرَيْنِ بِدُنْياهما - غَنِيّيْنِ بِدينِهما - وللهِ الخَمْد. أمّا سيّدي الوالِد "رَحِمَهُ الله"، فَقَد كانَتْ معارفُهُ مَقصورةً على ما يَعتَقِدُهُ مِن مَذهَبِهِ الَّذي يرجو بهِ الفَوْزَ الأُخرَوِيّ. وفي السابعةِ مِن عُمري حَفظتُ رُبْعَ القرآن الكريم في مُدّةٍ لا تتجاوزُ الثَّلاثَة أشهُر، وعلى بَعضِ مُعَلِّمِيّ القُرى، ثُمَّ انخَرَطتُ في مدرَسَةِ العالَمِ - تِلْكَ المدرسَة التي كَثُرَ مُعَلِّموها، وَمُتَعَلِّموها - وَبِها تَلَقَّيْتُ كُلَّ مَا أَعرِفُهُ مِنْ علومِ اللغَةِ، والاِجتِماعِ دونَ أنْ أَقِفَ عَلى أُستاذٍ مَا. وَقَد صَرَفتُ عُمْري بَعيداً عنِ السِّيَاسَةِ، وَأَهْلِها مُوَجِّهَاً وَجهي إلى إيجادِ نَهْضَةٍ في المُحيطِ الذي منهُ خرَجتُ، وبهِ دَرَجْتُ، فكانَ لي بعض ما أرَدتُ - والحمْدُ للهِ - ولا فَضْلَ لي بِذَلِكَ، وإِنَّمَا الفضلُ بعدَ توفيقِ اللهِ تعالى؛ لِحُسْنِ النِّيَّةِ، وَإخلاصِ العَمَلِ، وَقَد بَقيتُ على عُزلَتي حتّى شرّفَتْني الحُكومةُ، والأُمَّةُ بِثِقَتِها، ونِيِطَتْ إِلَيَّ بِغَيْرِ استِحقاقٍ، وقَبِلْتُ بِدونِ اختِيارٍ الرُّتْبَة التي أنا فيها الآن}.
-----------------------(تمّ كلامهُ رَفعَ اللهُ مقامَهُ).
ولمّا أتمَّ حفظ القرآنِ الكريمِ، وأجادَ الخطَّ أخذَ يقرأُ كُلَّ ما تَصِلُ إلَيْهِ يدَهُ منَ الكُتُبِ، وفي تلكَ الآوِنَةِ المُبكّرةِ مِن عُمرِهِ أخذَ يُمارِسُ قَرضَ الشِّعرِ.
وفي سنة (1303هجرية - 1885م) انتقَلَ والدُهُ بِكامِلِ أُسرَتهِ إلى قريةِ (ياسنس - الجهنية - منطقة الحفّة).ولَمْ تَطِلِ الحياةُ بِوالدِهِ (توفّاهُ اللهُ في عشر مُحرّم، نهار الجمعة سنة (1305هجرية - 1887م)، ودُفِنَ إلى جانبِ والدهِ الشيخ حسن الذي توفِّيَ على ما ذكرَ سنة (1304هجرية - 1886م) بزيارةٍ قامَ بِها لهم.
كان والدهُ الشيخ أحمد "رحِمهُ اللهُ" مِن ذوِيّ العُقولِ النَّيِّرَةِ الَّذينَ لا تلتَبِسُ عَلَيْهِمُ الخُرافةُ بالحَقيقةِ بِما رُزِقَ منَ الحسِّ الدِّينِيِّ السَّلِيمِ.
---------------------------يقولُ العلّامة (ق.س):
نَشَأْتُ عَلَى الدِّينِ الحَنِيفِ على يدَيْ
أبٍ مِنْ كِرامٍ أنْجَبوا وَكرائِمِ
وَلَقَّنَني بِالْقَوْلِ والفِعْلِ هَديَهُ
فَأَشْرَبَ قَلبي حُبَّ أبناءِ فَاطِمِ
وَقَد كانَ حُرُّ القَوْلِ مَبْلَغَ عِلْمِهِ
وفي اللهِ لَمْ تَأْخُذْهُ لَوْمَةَ لَائِمِ
انتقلَ مِن قريَةِ (ياسنس) إلى قريةِ (كيمين)، وعمّرَ بها بيتاً مُنعَزِلاً؛ لِيَضمَنَ لِنَفسهِ جوّاً هادِئاً يَسْمَحُ لهُ بِمُمارَسَةِ مَهامِّهِ العِلْمِيّةِ، ولَمْ تَطُلْ إقامَتُهُ بِتِلْكَ القريَة كثيراً، فانتَقَلَ إلى قريةِ(ديفة)،وأنجبَ بها ولدهُ الشاعر الكبير مُحمّد المعروف باِسمِ (بَدَوِيّ الجَبَل) في سنة (1321هجرية)، ثُمَّ انتقلَ إلى قريةِ(السّلّاطة) منطقة القرداحة.
ولمّا أدرَكَتْهُ الشَّيْخوخةُ وضَعُفَ جسمُهُ عَن مُقاوَمَةِ بردِ الرّيفِ صارَ يَشْتُو باللاذِقِيّة، وَيصطافُ في قريَتِهِ السلّاطة.
_تَفَرّغُهُ لِتَعليمِ الطُّلّابِ:
سَطَعَ نَجْمُ الشَّيْخِ في آفاقِ العِلْمِ، فَتَوافَدَ عَلَيْهِ الطُّلّابُ يَنْهَلونَ مِنْ مَعِينِ عِلْمِهِ فقْهَاً، وَلُغَةً، وَأدَبَاً وَكانَ يَسْتَقْبِلُهُمْ أَوَّلَاً في بَيْتِهِ بِقَريَةِ(ديفة)؛ لِيُحَقِّقَ رَغْبَةً تَفَرَّغَ لَهَا، وَأَوْقَفَ عَلَيْها وَقْتَهُ في إِيجَادِ نَهْضَةٍ تَشْمُلُ كُلَّ مَنَاحِي الحَيَاة عَنْ طريقِ العِلْمِ حَتَّى انْتَقَلَ إِلَى قريَةِ (السلّاطة)، وأَخَذَ يَسْتَقْبِلُهُمْ فِي بَيْتِهِ أَيْضاً، وَبَدَتْ آمَالُهُ تَتَحَقَّقُ، وَتَعَالِيمُهُ تَأْخُذُ طَرِيقَهَا إِلَى العَمَلِ بِهَا، وَتَخَرَّجَتْ عَلَيْهِ أَفْوَاجٌ مِنَ الطَّلَبَةِ كَانَ مِنْهُمُ القُصَاةُ، وَالمُفْتُونَ الشَّرعِيّوُنَ، وَالعُلَمَاءُ، والشُّعَرَاءُ، وَالمُثَقَّفُونَ حَتَّى أَنَّهُ قَلَّ أَنْ يُوجَدَ فِي العَلَوِيِّينَ مَنْ يُحْسِنُ اللُّغَةَ العَرَبِيَّةَ الفُصحَى بِذلِكَ الزَّمَن إِلَّا تِلْمِيذُهُ أَوْ تِلْمِيذُ تِلْمِيذِهِ.
_مَا يَتَعَلَّقُ بِحَيَاتِهِ:
عُيِّنَ سَمَاحَتُهُ رَئِيسَاً لِمَحكَمَةِ الاِسْتِئْنَافِ، وَالتَّمْيِيزِ الشَّرعِيَّةِ سَنَة (1918م) في عَهْدِ المَغفورِ لَهُ المَلِك فَيْصَل، ولمّا انْطَوَى العَهْدُ الفَيْصَلِيّ عَنْ أرضِ سُوريّةَ، وَجَاءَ الاِسْتِعمَارُ البَغيضُ اِستَقالَ مِنْ رِئاسَةِ المَحكَمَةِ، وَرَفَضَ كُلَّ عَرضٍ، وَمَسَاوَمَةٍ لِلرُجوعِ عَنِ الاِستِقالَةِ، وَانْصَرَفَ لِمَهامِهِ الإصلاحِيَّةِ الَّتِي بَدَأَهَا، وَإِتْمَامِ رِسَالَتِهِ الَّتِي ألْزَمَهَا نَفسَهُ يَدعو شَعبَهُ لِلْوَحدَةِ، وَالمَحَبَّةِ، وَلَكِنَّ المُستَعمِرَ أَخَذَ يُؤَلّبُ الشَّعبَ بَعضَهُ عَلى بَعضٍ، ويزرَعُ بَيْنَهُمْ بُذورَ الفِتْنَةِ، والشِّقَاقِ بِشَتَّى الأَسَاليبِ، فَأغْرَى بَعضَ الجَهَلَةِ بِالسَّطْوِ عَلى بَعضِ إخوانِهِمْ، والسَّلْبِ لِمَوَاشِيهِمْ، وَنَهْبِ مُحتَويَاتِهِمْ، فَطَلَعَ فضيلتُهُ بِفُتْيَا عَلَى الجُنَاةِ العَادِينَ عَلى إخوانِهِمْ بِرَدِّ الأَسلابِ نُثبِتُها هُنَا كَوَثيقةٍ نارِيخيّةٍ: {إلَى سَائِرِ إخوانِنا مِنْ أَهلِ الوِلايَةِ إنَّ هَذِهِ الفَوْضَى خَارِجَةٌ عَنِ الدِّينِ، والاِنْسَانِيَّةِ مَعَاً، فَالْوَاجِبُ عَلى كُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ، واليَوْمِ الآخِرِ، وَيُوَاليِ العِتْرَةَ الطّاهِرَة أنْ يبْذِلَ وُسعَهُ؛ لِإِرجاعِ هذهِ المَسلوبات إلى أربابِها، وَمَنْ مَنَعَتْهُ الجَهَالةُ، والعَصَبِيَّةُ عنِ الاِنقِيادِ إلى أمْرِ اللهِ، وطاعَةِ المُؤْمِنِينَ، فَلْيُهْجَر، ولا يُعَاشَر، ولا يجوزُ أنْ تُقبَلَ مِنهُ صَدَقَة، ولا زكاة، ولا يُصَلّى عَلَيْهِ إذا ماتَ حتَّى يَفىِء إلى أمرِ اللهِ}.
------------------------- (تمّ كلامهُ قدَّسَ اللهُ روحهُ).
وما انتشَرَتِ الفُتْيا بالأوْساطِ الشعبيّةِ حتَّى بادَروا لِجَمْعِ، وتسليمِ الأسلابِ إلى أهلِها. وهكذا يفعلُ الدِّينُ في النفوسِ إذا قامَ رِجالُهُ بِما أوجَبَ اللهُ عَلَيْهِمْ، وأَوكَلَ إليهِمْ منَ الأمرِ بالمَعروفِ، والنَّهْيِ عنِ المُنكَرِ بِحَزْمِ كَحَزْمِ الشّريعة.
ولهُ فتاوى في الفِقهِ الجعفريّ (توجَدُ في محالّها).
عَطَّرَتْ سُمْعَةُ الشَّيْخِ آفاقَ بِلادِ العَلَوِيِّينَ، وَانْدَاحَتْ لِتَشملَ سوريّة، وَلُبنانَ، والعراق، وطَرَقَتْ أسمَاعَ المُستَشرِقينَ الَّذِينَ يَؤُمُّونَ البلادَ العَرَبيّة، فَزَارَهُ المُستَشرِق الفرَنسِيّ (ماسينيون) في بَيتِهِ،واستَمَعَ لهُ، وأبْدى إعجابهُ بهِ، وَبِعِلْمِهِ، وَسَعَةِ أُفُقِهِ.
ومَا كانَ يفوتُ (المَجْمَعَ العِلْمِيّ العَرَبِيّ _ بِدِمَشق) دَعوَة تلكَ الشَّخصِيَّة الفذَّة؛ لِلْاِنْتِماءِ إِلَيْهِ، والإفادَةِ مِنْ شريفِ مَقامِهِ، وَقدَّمَ لهُ ثَبْتَاً لا يزالً في بَيْتِهِ أثَراً مُتَمَيِّزاً في آثارِهِ. وفي 4 تشرين الأوّلِ سنة (1925م) كَتَبَ لَهُ الأستاذ (محمّد كرد علي) رئيس المجمَع العِلْميّ العَرَبيّ يطلُبُ إليهِ كتابةَ لَمحةٍ عَنْ تاريخِ العَلَوِيّينَ، ومذهَبهمْ ننقلُ بعضَ مُقدِّمةِ الكِتابِ عَن خطّهِ كَوَثيقَةٍ تارِيخِيّةٍ قالَ:
{أُمَّةٌ تَوَالَتْ عَلَيْها النَّوائِبُ السِّيَاسِيَّةُ، والاِجْتِمَاعِيَّةُ طِيلَة خَمْسَة أَجْيَالٍ، فَأَخْمَلَتْهَا أَيّ إِخمَالٍ، وَانْزَوَى عُلَماؤُهَا، وَصُلَحَاؤُهَا، وَعَاثَ الجَهْلُ في عشائِرِها فَسَادَاً؛ إِذْ لَيْسَ منَ السَّهْلِ الكِتابة عَنْهَا، وَلَيْسَ بِالْهَيِّنِ ضَلال التَّاريخ، وَقَلَّ مَنْ جَرَى في مَيْدَانِهِ، وَلَمْ يَعثرْ لا فَرقَ بَيْنَهُمْ، وَبَيْنَ الإِمَامِيَّة إِلّا مَا أَوْجَدَتْهُ السّياسَة، والبيئَة، وعادات العَشًائر الَّتي تَوَارَثَها سُكّانُ الشّام - أكثرُ النّاسِ اختِلافاً، وأقَلَّهُمْ ائتِلافَاً، وَإنَّ شَيْخَ مذهَبِهِم الخَصِيبِيّ (مِن رِجالِ الإماميّةِ) تقرَأُ مَا لَهُ، وَمَا عَلَيْهِ في كُتُبِ الرِّجَالِ، وإِنّي اشهَدُ بالغَرَضِ، والتَّغَرُّضِ على غالبِ المؤرِّخِينَ الَّذينَ كَتَبوا عنهُم}.
------------------ (تمّ كلامهُ رفعَ اللهُ قدرَهُ ومقامَهُ)
وكَذَلِكَ كَانَتْ حَيَاةُ هَذا المُجَاهِد كِفاحَاً مُتَوَاصِلَاً، وَعَلَى جَبْهَتَيْنِ جَبْهَةٍ دَاخِلِيَّةٍ يُحَارِبُ عَلَيْها الجَهْلَ، والفَسَادَ، وجَبْهَةٍ خَارِجِيَّةٍ يَدِينُ بِهَا ذَوِي البَغضاءِ، والشَّنْآنِ المُغرِضينَ الَّذينَ يُوَجِّهونَ الاِتِّهَاماتِ الشَّنِيعَةِ العَارِيَةِ عَنِ الصَّحَّةِ إِلَيْهِمْ بِدونِ حَرِيجَةٍ مِنْ وجْدَانٍ، وَلَا وَاذِعٍ مِنْ دِينٍ.
وَلَمَّا سَأَلَ عُلَماءُ مِصرَ الشَّيخ (سُلَيْمَان ظاهر) أحَد عُلَماء جَبَل عامِل - عَنِ العَلَوِيِّينَ أجَابَهُمْ بِكِتابِ الشَّيْخ سُلَيمان أحمدَ (الآنِف الذِّكْرِ) تثبيتَاً بِأنَّ العَلَوِيِّينَ شِيعَةٌ إِمَامِيُّونَ، وَهَذا يَعني أَنَّ كَلَامَهُ حُجَّةٌ في الأَوْسَاطِ العَالِمَةِ مِنْ شَعبِهِ، وَغَيْر شَعبِهِ.
_حَربُ الخُرَافةِ:
كَانَ في إِدراكِ الشَّيْخ أنَّ هَؤلاءِ الَّذينَ يَمْتَهِنونَ التَّروِيجَ لِلْخُرَافَةِ، وَالْحِيَلِ عَلى البُسَطَاءِ مِنَ الرِّجالِ، وَالنِّسَاءِ سَوْفَ لَا يُسألونَ عَنْ دَفَاتِرِهِمُ السَّوداء، وَأنَّ جِيلاً مُتَنَوِّرَاً سَوفَ يَهزَأُ بِأَحْرَازِهِمْ، وَتَوَابِعِهِمْ، فَانْظُرِ الآنَ هَلْ ترَى لَهَا مِنْ بَاقِيَةٍ بعدَ قَوْلِهِ:
أَبِالأَحرَازِ تَحفَظُنِي رُوَيْدَاً
فَإِنَّ اللهَ خَيْرٌ مِنْكَ حِفْظَا
طَلاسِمُ مَا عَرفْتُ لَهُنَّ مَعنَىً
فَكَيْفَ وَمَا قَرَأْتُ لَهُنَّ لَفْظَا
_رَحلاته الدّاخِلِيّة:
أكْثَر تنَقُّلاتِهِ في رُبوعِ العَلَوِيِّينَ مُنذُ بدأَ دَعوَتَهُ إلى سبيلِ ربِّهِ، والتمَسُّك بِمَا سَنَّهُ الشارعُ العظيمُ، وَنَبْذ الخُرافة، وتنقِيَةِ هذا المَذهَبِ الشَّريف مِمّأ عَلِقَ مِن أوضارِها.
_رحلاته الخارِجِيّة:
في سنةِ (1317هجريّة - 1900م) قامَ بِرِحلَةٍ إلى (كيليكيا) هوَ، والشيخ إبراهيم عبداللطيف، وَلَهُما رحلةٌ إلى بيروتَ، فَصَيْدا سنة (1321هجرية - 1903م) تعارَفَا فيها بالشيخ محمّد الحُسين آل كاشف الغطاء، وبعض عُلماءِ الشِّيعةِ العامِلِيِّينَ، واتَّصَلَتْ بينهم المُراسلات منذُ ذلكَ الحين.
نُحِيلُكَ على شِعرهِ للاستمتاعِ، والإفادَةِ:
يَطالِعُ أشعاري خَبيرٌ فَيَنْجَلي
لَهُ عَنْ معانيهِنَّ كنْهَ حَقائِقِي
وعُنْوانُها البادي يُؤكّدُ أنَّنِي
قَطَعتُ مَعَ الدُّنْيَا الغَرورِ عَلائِقي
_____○○○○○○○○○○○○○○○○○○○○
لَمْ أَرَ مِثلَ الصِّدقِ مِنْ حلَّةٍ
تَزهو ولا كالدِّينِ مِنْ خلّهْ
يَعصِمانِ المَرءَ مِنْ زَلَّةٍ
وَيُغنِيَانِ النَّفْسَ مِنْ قِلَّه
_____○○○○○○○○○○○○○○○○○○○○
إِنَّ سَبيلَ الخَيْرِ قَصْدٌ فاسلكُوا
مِنهاجَهُ بِالجدّ ِ لا تَهاوَنوا
تَعَاوَنوا يَستَقِمِ الأمرُ لَكُمْ
لا يَعجَزُ القَوْمُ إذا تَعاوَنوا
_____○○○○○○○○○○○○○○○○○○○
وَتَتَبَيَّنُ قِيمَةُ هذهِ الصَّرخة في بِلادٍ تَرزَحُ تَحتَ نيرِ الاِستعمارِ التُّركيّ ثُمَّ الفَرنْسِيّ، وقدِ انْطَوَى شُيوخُها على أنفسِهِمْ تحتَ دعوَى الزُّهدِ ضمنَ حدودِ ذواتِهِمْ ، فَلَمْ يقبَلِ الشيخ مِنهمْ هذا الاِنزِواء، وما العِبادَةُ، والزُّهْدُ بِأَكرمِ عائدَةٍ، وأَجَلِّ فائدَةٍ مِنْ إنارَةِ العُقولِ، والعَمَل على إسعادِ الآخَرينَ، ولا غَرابة أنْ يعملَ هذا المُفَكّرُ الكبيرُ على انتِشالِ شَعبهِ مِن حضيضِ التخَلُّفِ المعنَوِيّ، والمَادّي. كانَ العلمُ، والعَمَلُ بهِ يملَآن روحَهُ، فما كُنْتَ تراهُ يسمَحُ لِنَفْسِهِ بِفراغٍ إمّا عاكِفٌ في مُصَلّىً، أو مُطالِعٌ لِكتابٍ:
هُوَ الوَقتُ الثَّمِينُ أَجَلّ شَيْءٍ
يَروغُ مِنَ البرِيَّةِ أَوْ يُراغُ
نَصَحْتُكَ فاغتَنِمْ فُرَصَ الليالي
على عمَلٍ يُسَدُّ بهِ الفَراغُ
_________○○○○○○○○○○○○○○○○○○
كانَ هَمُّهُ أنْ تَحِلَّ المَحَبَّةُ، والإِخاءُ في الأُمّةِ الواحِدَةِ مَحَلَّ الخلافَ، والعَداءَ. يقول:
ماَ بالُ آل نُمَيرٍ بَعدَ إلْفَتِهِمْ في
الدِّينِ فرَّقَهُمْ بَغْيٌ وَعُدْوانُ
فِيمَ التَّقاطعُ بالأرحامِ بينكُمُ
وأنتُمْ يا عِبادَ اللهِ إخوانُ
_الحفلاتُ التَّكريميّة :
حَمَلَ الشَّعبُ طَاقةً مُتواضِعَةً مِن رياحينِ الثناءِ والوَفاءِ يُحَيّيِ بِها أُستَاذَ نهضَتِهِ، وعلّامَةَ أُمَّتِهِ، وقد أوفى على السَّبعينَ عاماً، وَوراءَهُ خمسة عُقودٍ منَ الجِهادِ الدَّؤوبِ.
أيقظَ بها الرُّوحَ العِلمِيّةِ في شَعبهِ، وأنارَ أمامَهُ سُبُلَ السَّعادةِ؛ فتألَّفَتْ لجنةٌ بِرِئاسةِ الزعيم عبد الواحِد هارون دَعَتْ لِتكريمِ العلّامة بإقامةِ (يوبيلٍ ذَهَبِيّ) قدّمَ لهُ فضيلة المُجتَهِد السَّيِّد عبد الحُسَين شرَف الدِّينِ الموسَوِيّ العامِلِيّ، وأعلنَ موعد الاحتفال بهِ في 14 تشرين الأول سنة (1938م).
تكلّمَ في هذا الحَفل جَمْعٌ منَ الأُدَباءِ، والشُّعَراءِ مُنَوِّهينَ بِمساعيهِ الإصلاحِيّةِ، والعِلْمِيّةِ ، وما أعطَتْهُ منْ نتائج باهِرة، ونهضة مباركة.
وفي 16 آب سنة (1360 هجرية - 1941م) اشتدَّ حنينُ الشيخِ إلى قريتهِ (الجُبيْليّة) مَهْدَ ولادَتهِ، وَعَهْدَ طفولته فَخِيفَ عليهِ المُضاعفات مِن عَناءِ السَّفَرِ وَبُعدِ الشّقَّةِ، والطُرُقُ الرِّيفيّة يومئذٍ - تُرابيّة - لا تسلكها السيّارة إلّا بِمَشَقّةٍ، ولكنّهُ أبَى إلّا زيارتَها، فمكَثَ بها شهراً كامِلاً ينعَمُ بِنهارِها المُشرِقِ الدّافئِ وليلَها النّاعمِ وأنْسامِها الّليّنة.
-----(وفاتُه)
وفي 18 تشرين الأول سنة (1942م) انتقلَ إلى جوارِ ربِّهِ؛ فتوافدَ الشّعبُ بكُلِّ طبقاتهِ، وفِئاتهِ، وبِكُلّ ِأحزانهِ، وآلامهِ للمُشاركَةِ بِتشْييعِ جُثمانهِ الطَّاهرِ إلى مثواهُ الأخيرِ، وكانَ يوماً مشهوداً لَمْ تعرفِ البلادُ أكبرَجَمْعاً، وأكثرَ دَمْعاً، وأعمقَ أسَىً، وأبعدَ صدَىً مِن يومِ وَفاتهِ.
وفي 27 تشرين الثاني سنة (1942م) اُقيمَ لهُ حفلٌ تأبينيّ ضَخْمٌ عدَّدَ فيهِ الشُّعراء مآثرهُ الطَّيِّبَة، وجُهودَهُ الخَيِّرة، واتَّصَلتْ حياتُهُ الأولى بحياتهِ الثانية عَظَمَةً، وَرِفعةً، وَمَجداً.
وهَكذا المُصلِحونَ بِكُلّ ِ شُعوب الدُّنياحياتهمُ الثانية أطوَلَ عُمراً، وأعطرَ ذِكراً.
وبُنِيَ على ضريحهِ جامِعٌ بِتِسعِ قِبابٍ، ومأذَنةٍ على رابيةٍ شَمَخَتْ على كُلّ ما حولَها منَ الجِهاتِ الأربعِ لَكَأَنَّ الأرضَ انحَنَتْ إجلالاً لِعَظَمَةِ المَشهدِ.
وقد أرّخَ البِناءَ الطَّاهرِ (المغفور لهُ الشيخ عبد اللطيف سعّود ) بِقَوْلهِ:
يَا فَقيــــــــــــدَ الشَّريعةِ الغـرَّاءِ
وَإِمَـــــــامَ الأئِمَّةِ البُلَغاءِ
يَا سُلَيْمَان يا بنَ أحمدَ يا نسلَ
الشيــوخِ الأَجِلَّةِ الأُمَراءِ
كُنتْ في شعبِــــــــكَ الحَنيـفِيّ
أُستاذاً لِأَبْنائهِ ولِلْآبـــــــاءِ
أنتَ أرشَدتْهُ إلى طُرُقِ الخَيْــرِ
وأيْقَظتَ فيــٕهِ روحَ الذَّكاءِ
وعلى جدِّكَ العظيمِ ومجهودِكَ
يُثني التــَّــــاريخُ خيرَ ثناءِ
وَللعلّامة الشيخ سليمان الأحمد (ق) يَعِظُ بها شعبهُ:
يا شيعةَ المُرتضى الهادي نِداءُ فَتىً
يَستلْفِتُ الطّرْف مِنــهُ دَمعهُ الهَامِي
يا خَيرَ حِزبٍ لِخيرِ الأوصيـــاءِ لهُ
ضياء نُورَيـــــــــــنِ إيمانٍ وإسْلامِ
طرقْتُ بابَكُمُ والبرُّ شيمتــكُم
بِطــــــــــــارقٍ وافِدٍ لِلخَيرِ مِعتامِ
أنتمُ مَوالي أميـــــرِِ النَّحلِ حَيْـدرَةٍ
لَقد سُعِدتُمُ وَذَاكَ المَنصِبُ السَّامِي
فالحَـــــــــمدُ للهِ نِلْتمُ بالوَلاءِ لهُ
فَضلاً عَلى النَّاسِ مِنْ عُرْبٍ وَأعجامِ
_____________________________
تَمَّتْ، وبالخيرِ عَمَّتْ كتابةُ هذه السيرةُ العَطِرَةِ الموجَزة لسيّدنا العلّامة الجميل، والشيخ الجليل الأستاذ سليمان الأحمد. (قدّسَهُ اللهُ بِقدسِ أقداسه، ويا حبّذا مُحِبّوهُ، وجلّاسه).
نقلها بِأمَانةٍ من مصدرها الفقير إلى الله:
____________ (زين العابدين رمضان).
استغرقتُ في كتابة المقال 16ساعة.
(في حبّ سيّدي العلّامة رزقني الله شفاعتَهُ عندهُ).
والحمدُ للهِ أوّلاً، وآخِراً، وصلّى اللهُ على سيّدنا محمّدٍ، وآلهِ وسلّم.
-----(السبت الواقع فيه 16شباط سنة 2019م) 
المصور الأرمني والبداية
د. خالد الأسعد.. أيقونة من بلادي
فائز بن زَعَل الغُصَين من قائمقام إلى مشارك في الثورة العربية الكبرى
العالم والمصلح الاجتماعي والمربي الكبير الشيخ محمد سعيد النعسان (1867م- 1967م) ح4
الشركس في سلمية ١٩٠١م- ١٩١٦م
العالم الرباني والمصلح الاجتماعي الشيخ محمد سعيد النعساني (1867- 1967م)- ج3
الياهو ساسون
العالم الرباني والمصلح الاجتماعي الشيخ محمد سعيد النعساني (1867- 1967م)- ج2
محمد أرسلان بك - مبعوث اللاذقية إلى مجلس المبعوثان 1908انتخابه واغتياله
المجاهد والسياسي رشيد طليع الذي دفن واقفاً لكي تستمر الثورة
العالم الرباني والمصلح الاجتماعي الشيخ محمد سعيد النعساني (1867- 1967م) - ح1
سيرة الشاعر نوفل بن غانم إلياس
منصور الأطرش سيرة مناضل بطل وسياسي قدير من بني معروف
زياد الحريري (من وحي كتاب: "البعث كما حكم")
يوسف بن يعقوب الحكيم الوزير السوري الذي عاش مائة عام وكتب تاريخها