كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

بمناسبة ذكرى عيد الشهاداء 6 أيار

علاء الدين تلجبيني

شهدت الدولة العثمانية في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين صراعاً عميقاً بين تيارين: تيار عثماني تقليدي حاول الحفاظ على الإمبراطورية متعددة القوميات تحت مظلة الخلافة، وتيار جديد قادته جمعية الاتحاد والترقي التي رأت أن بقاء الدولة لا يمكن أن يتحقق إلا عبر إعادة تشكيلها على أسس قومية مركزية حديثة.
في عام 1889 شكّل جماعة من طلاب المدرسة الطبية العسكرية في إسطنبول جمعية سرية هدفها عزل السلطان عبد الحميد الثاني. وفي عام 1906 قام مصطفى كمال أتاتورك، وكان حينها ضابطاً صغيراً، بتأسيس جمعية سرية في دمشق أطلق عليها اسم “وطن”، كان أعضاؤها من ضباط الجيش الخامس في سوريا، ثم نقل مقر الجمعية إلى سالونيك مسقط رأسه، وأطلق عليها اسم “وطن وحريت” بمعنى “الوطن والحرية”.
كانت جمعية الاتحاد والترقي على علاقة وثيقة ببعض المحافل الماسونية، وكانت تعقد اجتماعاتها في بعض تلك المحافل. كما كان عدد من قادة الاتحاد والترقي واقعين تحت تأثير جمعيات الإخاء الماسوني، ومن أبرز هؤلاء طلعت باشا وجمال باشا، وهما من أركان الثلاثي الحاكم: طلعت وأنور وجمال.
شكّلت هذه الحركات مجتمعة البؤرة الرئيسية التي فجّرت ثورة 1908، والتي أدت إلى عزل السلطان عبد الحميد الثاني.
بدأ التوتر يتصاعد بين العرب والترك منذ وصول بعض زعماء تركستان إلى إسطنبول، مثل أحمد آغاييف ويوسف أقجورا، للدعوة إلى القومية التركية وإقناع جمعية الاتحاد والترقي بأن الدول الحديثة لا تقوم إلا على أساس قومي، وأن على تركيا تتريك العناصر غير التركية، والتوجه نحو تركستان لتأسيس دولة تركية عظيمة تعيد أمجاد جنكيز خان. كما ساهم عدد من المنظرين في تشكيل رؤيتها الفكرية، متأثرين بالفكر الوضعي الفرنسي، ومن أبرزهم أقجورا صاحب نظرية “القومية التركية”، إضافة إلى ضياء كوك ألب الذي عمل على صياغة الهوية القومية التركية الحديثة.
جاء صعود الاتحاد والترقي في ظل أزمات متلاحقة عاشتها الدولة العثمانية: هزائم عسكرية، وتدخل أوروبي واسع، وخسارة الولايات، وتصاعد الحركات القومية في البلقان والعالم العربي. كما تأثر قادة الجمعية بأفكار قومية ودستورية أوروبية.
ورغم أن جمعية الاتحاد والترقي رفعت في بداياتها شعارات الحرية والدستور والمساواة بين شعوب الدولة، فإنها بعد استيلائها الفعلي على السلطة سنة 1908 اتجهت تدريجياً نحو سياسة مركزية صارمة، وسعت إلى تتريك مؤسسات الدولة وإضعاف النزعات القومية الأخرى، الأمر الذي أثار قلق النخب العربية والأرمنية وغيرها من القوميات داخل الإمبراطورية.
كانت البلاد العربية، طوال أربعة قرون بين عامي 1516 و1918، جزءاً من دولة إسلامية كبرى عُرفت باسم الدولة العثمانية، وكان الأتراك والغالبية العظمى من العرب يعتبرون أنفسهم أعضاء في جماعة إسلامية واحدة تجمعها العقيدة والولاء لحاكم مسلم واحد. واستمر هذا الحال حتى مطلع القرن العشرين، عندما بدأت سياسة الدولة العثمانية، بتأثير الاتحاديين، بالتمييز بين الأتراك وباقي القوميات، فعندها شعر العرب بضرورة أن تكون لهم شخصية قومية مستقلة.
أخذت هذه الشخصية القومية العربية تنمو مع تصاعد السياسة القومية التركية بعد عام 1908، فحين اتخذ الاتحاديون من القومية مثلهم الأعلى، ومن التفوق العنصري أساساً لتركيا جديدة قوية وموحدة سياسياً وثقافياً، كان رد الفعل لدى القادة العرب التفكير في مستقبل البلاد العربية بالطريقة نفسها.
عندما دخلت الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى إلى جانب ألمانيا، قام أنور باشا، بصفته القائد العام للجيوش العثمانية، بإرسال جمال باشا إلى دمشق ليتولى قيادة الجيش الرابع هناك، مع احتفاظه بمنصب وزارة البحرية، وذلك من أجل قيادة الحملة على قناة السويس لإرغام بريطانيا على إبقاء قوات كبيرة في مصر، وبالتالي تخفيف الضغط عن ساحات القتال الأوروبية.
على أثر نشوب الحرب العالمية الأولى واشتراك الدولة العثمانية فيها، انقسمت آراء القوميين العرب؛ فبينما رغب البعض في تأسيس دولة مستقلة اعتماداً على جهودهم الخاصة، رغب البعض الآخر بتحقيق هذا الهدف بمساعدة خارجية، في حين بقيت فئة أخرى متمسكة بالدولة العثمانية خوفاً من الأطماع الأوروبية.
طلب أنور من جمال باشا أيضاً العمل على تهدئة الأوضاع في سوريا، مع منحه الحرية التامة وصلاحيات واسعة وسلطة مطلقة في الأعمال الإدارية والعسكرية في بلاد الشام.
أخذ جمال باشا يتقرب من رجال الحركة العربية ويسعى إلى استمالتهم في بداية مجيئه إلى بلاد الشام، مثل عبد الكريم الخليل، محمد كرد علي، وعبد الرحمن الشهبندر، وأكد لهم أن تحرير العالم الإسلامي من النير الأجنبي ممكن إذا تحقق النصر، بحسب ما ورد في مذكراته. ويقول إنهم أكدوا له ولاءهم للحكومة العثمانية طوال فترة الحرب، وتعهدوا بعدم عرقلة جهودها.
قام خلوصي بك، والي سوريا العثماني، بتسليم جمال باشا وثائق ومراسلات تدين بعض الشخصيات العربية بالعمل تحت حماية دول أجنبية، وكانت الحكومة العثمانية قد عثرت على هذه الوثائق إثر اقتحام القنصلية الفرنسية في دمشق وبيروت، فاحتفظ بها جمال باشا لديه.
هُزمت حملة جمال باشا في السويس، وبلغت خسائر الجيش العثماني في هذه الحملة أعداداً كبيرة من القتلى والجرحى والمفقودين. وبعد عودته من حملة القناة عمل على تأسيس مدرسة دينية في القدس أطلق عليها اسم “الكلية الصلاحية”، نسبة إلى صلاح الدين الأيوبي، بهدف بث الروح الإسلامية وتقوية الشعور الديني ترسيخاً لكيان الدولة العثمانية.
كما كان جمال باشا على صلة شخصية بـ خالدة أديب، وهي من أبرز الداعيات إلى الطورانية والقومية التركية، وقد جاءت إلى سوريا مكلفة من حكومة الاتحاد والترقي لنشر الثقافة التركية وتعليم أبناء العرب اللغة التركية والدعوة إلى القومية التركية.
بعد فشل حملة قناة السويس بدأت سياسة جمال باشا تتجه نحو مزيد من التشدد، فأمر بإعدام الخوري يوسف الحايك، كما أمر باعتقال وإعدام أنطون زريق وشقيقه. كذلك أخذ يرسل الضباط العرب إلى جبهات القتال البعيدة، ويستبدل الفرق العربية في بلاد الشام بفرق تركية من جبهات أخرى، وبدأت موجة من الاعتقالات والإعدامات بحق العرب المطالبين باللامركزية.
أخذ الأمير فيصل بن الحسين يتوسط لدى جمال باشا لإطلاق سراح المعتقلين، لكن دون جدوى.
في السادس من أيار نفّذ جمال باشا حكم الإعدام بحق نخبة من الوطنيين العرب في دمشق وبيروت. وكانت التهم الموجهة إليهم هي التخابر مع الحلفاء ضد الدولة العثمانية والعمل على فصل بلاد الشام والعراق عن جسد الدولة العثمانية.
تعددت الروايات حول أسباب اعتقال هذه المجموعة؛ فهناك من قال إن السبب يعود إلى القبض على أحد الجنود الفارين من الخدمة العسكرية والعثور معه على منشورات تدعو إلى الثورة على الدولة العثمانية وتأسيس دولة عربية مستقلة برئاسة الأمير فيصل، بينما يرى آخرون أن السبب كان اندلاع الثورة العربية في الحجاز. وهناك من يقول إن السلطات العثمانية اعتقلت شكري باشا الأيوبي بعد ورود معلومات عن غضبه من سياسة جمال باشا في بلاد الشام، وعثرت معه على رسالة من عمر الرافعي الطرابلسي يهاجم فيها الأتراك بشدة.
في السادس من أيار 1916 تم تنفيذ الإعدام في ساحة المرجة بدمشق بحق سبعة من المثقفين والسياسيين والصحفييالوطنيين، وفي اليوم نفسه أُعدم ثلاثة عشر آخرون في بيروت و الذين أصبحوا يُعرفون لاحقاً باسم “شهداء السادس من أيار”. ولم تكن تلك الإعدامات مجرد إجراء أمني عابر، بل جاءت نتيجة تراكم طويل من التوتر بين مشروع الاتحاد والترقي القومي المركزي وبين التيارات العربية التي طالبت بالإصلاح والاعتراف بالخصوصية العربية داخل الدولة العثمانية.
كان فيصل بن الحسين يومذاك مقيماً في مزرعة القابون، وبينما كان يتناول طعام الإفطار مع مضيفيه من آل البكري، وصل رسول من دمشق يحمل العدد الخاص من جريدة “الشرق” الذي تضمن قصة الشنق وأسماء المعدومين. فخيم الصمت على الحاضرين، وقرأ بعضهم الفاتحة، غير أن فيصل قفز واقفاً وانتزع الكوفية عن رأسه ورماها على الأرض وهو يصيح: “طاب الموت يا عرب”.
توجه فيصل بعدها إلى دمشق حيث التقى جمال باشا، الذي شرح له أسباب الإعدامات واتهم المعدومين بالخيانة والتعامل مع القوى الأجنبية. ويروي جمال باشا في مذكراته أن فيصل قال له إنه لو علم بحقيقة ما نُسب إليهم لما طلب الشفاعة لهم.
وكان الصدر الأعظم في إسطنبول قد أبلغ جمال باشا بأنه يؤيد محاكمة القوميين العرب، لكنه لا يؤيد إعدامهم، خشية أن تستغل بريطانيا وفرنسا تلك الإعدامات للتحريض ضد الدولة العثمانية. إلا أن جمال باشا تمكن من إقناع أنور باشا وطلعت باشا بتنفيذ الإعدام، وذلك في وقت كان فيه الثلاثي الحاكم قد جرّد السلطان والبرلمان والحكومة من معظم صلاحياتهم.
وبعد الثورة البلشفية عام 1917 نشر البلاشفة عدداً من الوثائق الموجودة في وزارة الخارجية الروسية، وكان من بينها مراسلات تتهم جمال باشا بالسعي إلى الانفصال ببلاد الشام وتأسيس حكم خاص به فيها.
وقد تحولت تلك الإعدامات لاحقاً إلى رمز لبداية القطيعة الكبرى بين جزء من النخب العربية والسلطة العثمانية، وأسهمت في تنامي الشعور القومي العربي خلال السنوات الأخيرة من عمر الإمبراطورية العثمانية.
جميع ماهو مذكور منقول عن عديد المصادر من مختلف الاتجاهات جرى تلخيصها في المادة أعلاه.