كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الشيخ معشوق الخزنوي في ذكرى اختفائه

علاء الدين تلجبيني

يوم 10 أيار 2005 اختفى الشيخ محمد معشوق الخزنوي في واحدة من أكثر القضايا غموضاً وإثارة للجدل في سوريا الحديثة، بعدما اختُطف من مكتبه في مركز الدراسات الإسلامية في ساحة الميسات بدمشق، وسط اتهامات مباشرة للأمن السياسي بالوقوف وراء العملية.
أثار اختفاؤه موجة غضب واسعة في الأوساط الكردية والدينية، وخرجت في 21 أيار مظاهرة كبيرة في القامشلي طالبت بالكشف عن مصيره، قبل أن تتحول القضية لاحقاً إلى واحدة من أبرز ملفات الاغتيال السياسي التي أحاطتها الشبهات والأسئلة المفتوحة
في 31 أيار 2005، تم استدعاء نجلي الشيخ الخزنوي المختطف، مراد ومرشد، إلى مقر الإدارة العامة للأمن الجنائي، قبيل منتصف الليل، بحجة أن الشيخ مختطف في مكان مجهول، ولمساعدة الإدارة في الوصول لبعض الحقائق على حد زعمهم، وتوجهوا بعد ذلك برفقة عدة سيارات وعناصر من الإدارة إلى جهة مجهولة.
فيما بعد، وفي السادسة صباحاً، تبين أن وجهتهم كانت مدخل الكراجات في مدينة دير الزور، ثم استمر الموكب في طريقه بضع أمتار خلف الكراجات حيث المقبرة، وحيث سيارة دفع رباعي وقبر من الإسمنت المسلح مفتوح من جانبه من ناحية القدم، وجثمان الشيخ الخزنوي مقتولاً بجانب القبر.
كانت شهادة نجليه:
“القبر كان مفتوحاً قبل وصولنا…. جثة والدنا لم تكن في القبر وإنّما كانت ممددة بجانبه، كانت بحالة جيدة وغير متسخة ولا متفسخة… كانت هنالك علامات تعذيب وتشويه واضحة على الجثة”.
تم نقله إلى مشفى تشرين العسكري.
ذكر مسؤول في وزارة الداخلية السورية أن قوى الأمن ألقت القبض على “عصابة مؤلفة من خمسة أشخاص قاموا باختطاف الشيخ معشوق الخزنوي من دمشق ونقله إلى حلب ثم قتله”.
كان الشيخ قد ألقى خطبة قبل اعتقاله انتقد فيها النظام السوري، وطالب بالإفراج عن مئات الشبان الأكراد الذين تم اختطافهم بعد أحداث القامشلي 2003.
أجرى التلفزيون الرسمي السوري يوم الخميس 02.06.05 لقاءً مع ثلاثة ممن ادعت بتورطهم في عملية خطف وقتل الخزنوي.
الشيخ محمد معشوق الخزنوي من الكرد السوريين، من مواليد قرية القحطانية في محافظة الحسكة، ويتمتع بعلاقات واسعة داخل سورية على الصعيدين الرسمي والشعبي، وله علاقات جيدة أيضاً على المستويين العربي والدولي، وهو نائب رئيس مركز الدراسات الإسلامية في سورية الذي يرأسه النائب محمد حبش.
وهو من أسرة علمية، وصاحب دور متميز في التعريف بقضايا الكرد والدفاع عن حقوقهم، ولقد كان له دور هام في تهدئة الأوضاع المتأزمة إثر أحداث القامشلي في آذار عام 2003.
كانت علاقته سيئة مع أخوته، وكان هناك تباين واضح بين أفكاره وبين فكر والده وعائلته، وكذلك السبب الأهم وهو نقل والده المرجعية أو الخلافة إلى ابنه محمد الخزنوي وعدم تسليمها لشقيقه عبد السلام الذي هو أحق بها بعد وفاة الوالد أحمد الخزنوي، مما أثار حفيظة معشوق، لكنه لم يستطع فعل شيء أمام قرار والده، مما دفعه إلى مغادرة مدينته والتوجه إلى محافظة إدلب ليعمل خطيباً ومدرساً في مساجدها لفترة، بالإضافة إلى التدريس في الثانوية الشرعية. بعد وفاة والده عام 1992 عاد من إدلب واستقر في مدينة القامشلي، وعمل منذ ذلك الوقت خطيباً في مساجد المدينة. وكان يتمتع بشخصية قوية ومهارة خطابية خلقت لديه الكثير من الجمهور المتتبع لخطبه التي اتسمت بالدعوة للوحدة الوطنية والتمسك بالحقوق.
تنسب المدرسة الخزنوية للطريقة النقشبندية، والتي سميت بهذا الاسم نسبة إلى أحد شيوخها، وهو محمد بهاء الدين شاه نقشبند. وتعود الخزنوية في الأصل إلى الشيخ أحمد الخزنوي المولود في قرية خزنة شمال سوريا 1887. تعلم الخزنوي العلوم الشرعية في عدّة مدارس دينية تركية، ليعود إلى سوريا لنشر العلم والاشتغال بالدعوة إلى النقشبندية والدين الإسلامي. وبحسب مريدي الطريقة الخزنوية، فإن دعوة الخزنوي الجديدة جاءت بعد تفشي البدع والخرافات في منطقة الجزيرة السورية نتيجة الجهل والأمية.
قام الجد الشيخ أحمد الخزنوي ببناء مدرسة دينية كخطوة أولى، وبمساعدة مريديه وأتباعه اشترى الكثير من الأراضي ووسع منطقة دعوته بهدف استقطاب المزيد من الناس والتسويق للمدرسة أكثر. وظلّ على هذا الحال إلى أن توفي عام 1950 تاركاً خلفه أولاداً كثر، ومنهم الشيخ معصوم، والشيخ علاء الدين، والشيخ عز الدين، والشيخ عبد الغني. وتجدر الإشارة إلى أن الخزنوي لم يقم بتسليم أحد أبنائه الخلافة على المدرسة بصفة رسمية.
بعد وفاته انحصرت الخلافة ما بين الشيخ عبد الغني والشيخ عز الدين، وفي نهاية المطاف تسيّد الشيخ عز الدين زعامة الطريقة. وقام هذا الأخير ببناء معهد شرعي، ووسع دائرة مريديه لتشمل الكثير من المناطق المجاورة وخاصة في العراق وتركيا القريبة من منطقة الجزيرة. وحققت الطريقة الخزنوية على يد الشيخ عز الدين انتشاراً هائلاً، وباتت الطريقة الخزنوية تحظى بمكانة كبيرة في قلوب الناس.
توفي الشيخ عز الدين عام 1969، وعهد بخلافة الطريقة من بعده لابنه محمد، ودفن في القبة في تل معروف إلى جانب والده وأخويه.
كانت قرية تل معروف المقر الرئيس للطريقة منذ عام 1920 حتى تأسيس قرية تل عرفان. وجرت عادة الزوار والمريدين زيارة القرية التي أقامها مؤسس الطريقة الشيخ أحمد الخزنوي على أراضٍ كانت في السابق ملكاً لأحد شيوخ قبيلة طيء الموجودة في المنطقة.
وتعتبر قرية تل عرفان المقر الذي يرتاده أبناء الطريقة النقشبندية الخزنوية، وتقع على بعد 26 كم عن مدينة الحسكة السورية. وقام الشيخ محمد مطاع بتأسيسها من الصفر عام 2007، فقد كانت القرية قبل ذلك خالية تماماً، وسميت بهذا الاسم اشتقاقاً من المعرفة والشكر.
تشبه الطريقة الخزنوية النقشبندية الكثير من الطرق الصوفية الأخرى كالقادرية، من حيث طريقتها وآلية عباداتها، ولعل أبرز ما يجمعها بمختلف الطرق الصوفية الأخرى مفهوم التوبة بين المريدين، إذ يجب أن تكون التوبة دائماً وحصراً للشيخ الذي يحمل سمة الإمام بالنسبة للمريد.
في المقابل تختلف حلقات الذكر عند الخزنوية النقشبندية عن بقية الحركات المتصوفة. وجرت عادة مريدي الطريقة عقد حلقات الذكر الخاصة بهم يومي الخميس والأحد، أي ليلة الجمعة والاثنين. وبصورة مغايرة لما عليه الحال في الطرق الأخرى، فإن صوت المريدين لا يُسمع في حلقات الذكر، وإنما يتم سحب المسابح وذكر اسم الله والآيات القرآنية بحركة الشفاه فقط.
كما لا يقوم المريد بإطفاء النور أو خفته كما تفعل بقية الطرق، بل يلجأ إلى تغطية رأسه ووجهه بقماش، ويتجول الشيخ المسؤول عن حلقة الذكر فوق الرؤوس، مصحوباً بقراءة بعض الأشعار في الأخلاق الحميدة التي يجب أن يكون عليها المريد.
في سوريا لا يضرب أصحاب الطريقة أنفسهم بالأسياخ والسيوف والرماح أو يأكلون الزجاج ويمشون على الجمر، مثلما يفعل البعض، أما في العراق فلا تزال بعض هذه الطقوس سارية المفعول وإن كانت على نطاق ضيق.
هناك من يتهم أفراداً من عائلة الخزنوي نفسها باغتيال الشيخ معشوق، وعلى رأسهم الشيخ محمد مطاع، وما يساعد على تأييد هذه الفرضية هو تحريم ذكر الشيخ المغدور في المجالس وبين المريدين.
المصدر:
مقالات
مواقع إخبارية
موقع الطريقة النقشبندية