أديب الشيشكلي بين الظاهر والباطن، حقيقة الدور والارتباطات- ح4 و5
2026.09.24
بقلم: وسام الأسعد
الحملة على جبل العرب وسقوط الشيشكلي:
بعد سيطرته على الحكم واستئثاره بالسلطة، سعى الشيشكلي إلى تعزيز سلطة دمشق وإضعاف نفوذ الزعامات المحلية والأحزاب والمناطق التي كانت تتمتع بقدر من الاستقلال السياسي. وفي المقابل، كان لجبل العرب تقليد راسخ في الدفاع عن استقلال قراره المحلي، وكان سلطان باشا الأطرش شخصية وطنية ذات نفوذ كبير. ومع مرور الوقت، ازدادت القطيعة بين الشيشكلي وسلطان الأطرش، ولا سيما بعدما بدأ الشيشكلي ينظر إلى الزعامة الدرزية في السويداء باعتبارها مركزاً محتملاً للمعارضة ضد حكمه.
وكانت سورية، بمختلف أحزابها، باستثناء الحزب السوري القومي الاجتماعي ــ وهو ما سيدفع ثمنه سياسياً لاحقاً ــ تقاوم دكتاتورية الشيشكلي، ولا سيما بعد صدور البيان المناهض لحكمه، الذي وقّعه عدد من الوطنيين السوريين، من بينهم هاشم الأتاسي وسلطان الأطرش، تحت عنوان "الميثاق الوطني". وقد تضمّن الميثاق المبادئ التالية:
1 _ شجب الحكم الفردي الاستبدادي، وعدم الالتزام بما يصدر عنه.
2_ المطالبة بإجراء انتخابات نزيهة تُفضي إلى حكم دستوري وديمقراطي.
3 _ إطلاق الحريات العامة، وترسيخ سيادة القانون على الجميع.
4 _ حماية الاستقلال والسيادة من المؤتمرات والتدخلات الخارجية.
5 _ تقوية الجيش وحصر مهمته في الدفاع عن الوطن وصون سلامته.
واتهم الشيشكلي عدداً من الزعماء الدروز، ومن بينهم سلطان الأطرش وابنه منصور، الذي كان بعثياً، بالتخطيط للإطاحة به.
وفي أواخر عام 1953 وبداية عام 1954، تصاعدت المعارضة في عدة مناطق سورية، ووصلت الاحتجاجات إلى السويداء. وطالب معارضون بتنحي الشيشكلي، ورد النظام بإجراءات أمنية وعسكرية شديدة.
ثم حاصر الجيش السويداء، وقُصفت القريّا، مسقط رأس سلطان باشا الأطرش، بالمدفعية والطيران، بحسب المصادر التاريخية، وسقط عدد كبير من المدنيين.
أضعفت الحملة على جبل العرب موقف الشيشكلي بشدة، وأثارت غضباً داخل الجيش نفسه، ولا سيما بين بعض الضباط الدروز، بينما كانت الأحزاب السورية الأخرى أصلاً معارضة لحكمه العسكري.
وفي شباط 1954، تحركت حاميات عسكرية في حلب ومناطق أخرى ضده وكان غسان جديد في ذلك الوقت رئيساً لمدرسة الضباط في حمص واتخذ موقفه الإيجابي من الانقلاب من فهمه لاستراتيجية المنطقة فاستنفر كل قواته للزحف على دمشق، وانتهى الأمر باستقالة الشيشكلي وخروجه من سورية.
موقف الحزب السوري القومي الاجتماعي من سقوط الشيشكلي:
ويذكر سامي خوري في كتابه أمل لا يغيب (ص: 253 - 254): "عندما اجتمع السياسيون المعارضون للشيشكلي في بيت هاشم الأتاسي، طلب غسان جديد من جورج عبد المسيح أن يذهب عصام المحايري إلى حمص في ذلك الوقت الحاسم.
بحثنا الأمر، فتردد عصام كثيراً لأنه لم يكن مدعواً، ولأن الحزب لم يكن عضواً في الجبهة الوطنية. وكان رأيي أن وقت اللحاق بهذا الركب قد فات منذ زمن طويل، وأن ذهاب عصام إلى حمص أمر عبثي، وأنه لن يتمكن من حضور الاجتماعات هناك.
ولكن غسان جديد أكد، باندفاعه المعروف، أنه يمكن أن يؤمّن له حضور هذه الاجتماعات، وهو الذي كان يسيطر على حمص مع العقيد محمود شوكت.
تردد عصام المحايري كثيراً قبل أن يقبل بالذهاب إلى حمص، ولكن إصرار عبد المسيح وغسان جديد عليه اضطره إلى الذهاب، رغم إرادته ورغم معارضتي الشديدة لذهابه.
بعد ساعات، عاد عصام المحايري من حمص وهو مكفهر الوجه، وفي وضع نفسي من السوء لم أره عليه من قبل. وعندما سألناه عما حصل هناك، قال إن الجبهة الوطنية كانت مجتمعة في بيت هاشم الأتاسي، وإنه وجد أن لا مجال لدخوله عليهم إطلاقاً، فعاد فوراً إلى دمشق دون أن يعرّض نفسه لموقف يعرف مسبقاً طبيعته ونتائجه.
واتضح للجميع، بمن فيهم جورج عبد المسيح وغسان جديد، أننا أصبحنا منذ ذلك اليوم خارج اللعبة السياسية الرسمية في سورية، وأن موقفنا المائع من الشيشكلي بدأنا نحصد ثماره المريرة.
ولم يعرف أحد في ذلك الوقت بذهاب عصام المحايري إلى حمص وعودته منها بهذه السرعة.
ما جرى في بيت هاشم الأتاسي كان انتصاراً لحزب الشعب والحزب الوطني، خاصة أن فيصل الأتاسي ومحمود شوكت كانا يضعان كل قوتهما العسكرية في تأييد ما يقرره حزب الشعب.
وانتهى الاجتماع بالاتفاق على أن يُكلّف صبري العسلي بتشكيل الحكومة الجديدة، وكان ذلك مساء يوم 27 شباط 1954".
محاولة الاستعانة بالشيشكلي بعد اغتيال عدنان المالكي:
بعد حادثة اغتيال العقيد عدنان المالكي في 22 نيسان 1955، واتهام الحزب السوري القومي الاجتماعي بالوقوف وراءها، أخذت قيادة الحزب القومي في لبنان في العام 1956 تخطط لقيام انقلاب في الشام. وكانت محاولةُ الانقلاب هذه قد تكون السبيلَ الوحيدَ لانفراج الغمامة السوداء التي تلفّ الحزبَ وأعضاءَه في الشام.
ويذكر محمد معروف هذه الحادثة في كتابه "أيام عشتها 1949–1969"، (ص: 240):
"أخبرت الحزب السوري القومي باستعداد الشيشكلي للتعاون، فرحبت القيادة أشد الترحيب بهذه الخطوة، وتم القرار بسفري أنا وأسد الأشقر إلى باريس للاجتماع به".
ثم جاء في كتابه، (ص 241):
"وصل أديب الشيشكلي إلى بيروت، واستأجرت له شقة قرب محطة الديك، وطلبت من الحزب أن تكون حراسته من عناصري، ممن كانوا قد خدموا معي في الشرطة العسكرية، وطلبت منهم معرفة أسماء جميع زوار أديب الشيشكلي. طلب الشيشكلي الاجتماع باللواء غازي داغستاني على انفراد، وطلب منه مبلغ 200 ألف ليرة، فوعده خيراً. وعندما أخبرني اللواء غازي بالأمر، اقترحت عليه أن يدفع 100 ألف ليرة فقط على أن يدفع الباقي فيما بعد، وهكذا كان".
ويُستنتج من هذه الرواية أن الشيشكلي أخذ المال، لكنه لم يقم بشيء يُذكر لدعم خطة الانقلاب المزعوم، ثم سافر إلى أوروبا ومنها إلى البرازيل.
وفي المقلب الآخر، يكشف محمود محارب وجهاً آخر للشيشكلي في حديث العلاقات العربية مع الحركة الصهيونية وإسرائيل.
وهو أستاذ جامعي وباحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات والأمين العام الأسبق للتجمع الوطني الديمقراطي:
"بعد إزاحة الشيشكلي عن الحكم في شباط 1954 اجتمع في 1956 مع موشي ساسون، وكان من معاوني رئيس وزراء إسرائيل في حينه موشيه شاريت في مصيف في جنيف، وفق تتبع محمود محارب وتلقى حينها دعماً من الإسرائيليين بغرض القيام بانقلاب ضد الرئيس السوري شكري القوتلي، والعودة إلى الحكم (وكان هدفُ الدعم الإسرائيلي لهذا الانقلاب إحداثَ تباعدٍ بين سورية ومصر).، وقد أكد موشيه شاريت أن الشيشكلي تسلم مبالغ مالية من إسرائيل في تلك الفترة وتسلل إلى سورية وكان يرتب للقيام بانقلاب في 15 تموز 1956، ولكن تغيير رئيس أركان الجيش شوكت شقير تسبب بانهيار المخطط".
رابط المقابلة: https://www.facebook.com/share/v/1CXft2hWeV/
وفي عام 1964، وقعت القرعة، حسبما يروي نواف غزالة عليه من بين ثلاثة شبان دروز في البرازيل، ارتقى لهم شهداء كثر من عائلاتهم إبان حملة الشيشكلي على الجبل، فقام بتنفيذ القتل ثم سلم نفسه.
(يتبع...)
22 أيلول 2026.
المراجع:
- النشرة العامة رقم 6، المحفل الأكبر السوري العربي.
- سامي جمعة: أوراق من دفتر الوطن، طبعة 2018 دمشق، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر.
- جولييت المير سعادة: مذكرات الأمينة الأولى، الطبعة الرابعة 2022 بيروت، دار سعادة للنشر.
- متى أسعد: الماضي المجهول، الطبعة الثالثة، دمشق 2021 دار دلمون الجديدة للنشر.
- شحادة الغاوي: قراءة ناقدة في تاريخ صاخب، الطبعة الأولى بيروت 2019، دار أبعاد للنشر.
- سامي أيوب الخوري: أمل لا يغيب، الطبعة الأولى بيروت 2007، دار نلسن للنشر.
- أكرم الحوراني: مذكرات أكرم الحوراني، طبعة الأولى 2000 القاهرة، دار ومكتبة مدبولي للنشر.
- مايلز كوبلاند: لعبة الأمم، طبعة أولى 1969 لندن.
- محمد معروف: أيام عشتها 1949 - 1969، الطبعة الأولى 2003 بيروت، دار رياض الريس للكتب والنشر.
- مصطفى رام حمداني: شاهد على أحداث الانفصال، الطبعة الثالثة 2008 دمشق، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر.
- محمد رضوان أتاسي: هاشم الأتاسي حياته عصره 1873 - 1960، طبعة أولى 2005 دمشق، الناشر المؤلف نفسه.
****
بعد هذا السرد التاريخي لسيرة رجل مثير للجدل، مليئة حياته بالأسرار التي لعبت دوراً كبيراً في مسار الأحداث في سورية، يبقى السؤال حول حقيقة الصفة التي أُعطيت له داخل البيئة السورية القومية الاجتماعية.
فقد أخذ أديب، في الظاهر، الصفة السورية القومية الاجتماعية، بينما يُطرح في هذا البحث أنه كان، في الباطن، ماسو/نياً، وأنه عمل على تخريب ما استطاع من مسيرة الحزب السوري القومي الاجتماعي.
يقول سعادة في "بلاغ الزعيم بشأن الحركة الماسو/نية"، الصادر في 10 أيار 1949، وهو البلاغ الذي خصّصه لموقف الحركة القومية الاجتماعية من الماسونية، والمتألّف من تسع نقاط:
"إنّ الماسو/نية جمعية سرّية إنترناسيونية، لها أهداف مستترة غامضة تحت ستار حرية ـ إخاء ـ مساواة. إنّ إنترناسيونية الجمعية المذكورة لا تتّفق مع القومية".
ويحذر أيضاً من تعارض التزامات الماسو/ني مع التزام القومي الاجتماعي، ويقول إن الماسو/نية تفرض على أعضائها واجبات وقيوداً تتضارب مع الواجب الذي يقيّد القومي الاجتماعي.
ومن النقاط اللافتة في قوله:
"إن الماسو/نية لا تُطلع طالب الانتماء على كتبها السرية قبل دخوله، ولذلك هي تخدع السذّج بقضايا "الحرية والإخاء والمساواة" الغامضة غير المحددة وغير المقيّدة".
ثم يتناول الرموز التي رأى سعادة أنها ذات صلة باليهودية وإعادة بناء "هيكل سليمان"، ويخلص إلى المبدأ السياسي والتنظيمي الأهم:
"لا يجوز للقومي الاجتماعي أن يعمل بولاءين: ولاء للعقيدة السورية القومية الاجتماعية والنظام السوري القومي الاجتماعي، وولاء لأهداف الماسو/نية الطائشة ونظامها الإنترناسيوني اليهودي".
واللافت تاريخياً أن هذا التحذير جاء بعد أكثر من عقدين من تجربة سعادة الشخصية مع الماسو/نية، فقد كان قد انتسب إليها في المهجر، ثم أعلن استقالته منها في 24 آيار 1926.
كما توجد رسالة أخرى له بتاريخ 21 آذار 1949 يؤكد فيها أن أهداف الماسو/نية "تتضارب مع الأهداف القومية الاجتماعية"، وأنه لا يمكن الجمع بين الولاءين، ويطلب ممن كان ماسونياً وأراد الانتماء إلى الحزب أن ينفصل عن الجمعيات الماسو/نية ويعلن ذلك في وثيقة الانتماء.
الخاتمة:
إنّ قراءة تجربة أديب الشيشكلي، بما أحاط بها من التباسات وعلاقات وتناقضات، لا ينبغي أن تُختزل في شخصه وحده، بل أن تُقرأ في سياق الصراع الأوسع على سورية، وعلى المشروع القومي الاجتماعي الذي حمله أنطون سعادة. فالمسألة الأهم ليست فقط معرفة حقيقة الأدوار التي لعبها الشيشكلي، بل إدراك لماذا كان حزب سعادة موضع استهداف ومحاولات اختراق متكررة.
لقد طرح سعاده عقيدة متكاملة تقوم على وحدة المجتمع السوري، وعلى تحرير إرادته من التبعية والتجزئة والطائفية، وبناء دولة قومية حديثة تستند إلى الوعي القومي والمصلحة السورية العليا. ومن هنا يمكن فهم حساسية هذا الفكر بالنسبة إلى المشاريع الصهيونية والاستعمارية التي استفادت تاريخياً من تفتيت المنطقة وإبقاء شعوبها في حالة انقسام وصراع داخلي. ولذلك فإن مواجهة النهضة السورية القومية الاجتماعية لم تكن بالضرورة دائماً مواجهة مباشرة، بل يمكن أن تأخذ أشكالاً أكثر تعقيداً، من العزل السياسي إلى التشويه والاختراق واستغلال الانقسامات الداخلية.
وتضع هذه الدراسة أديب الشيشكلي أمام واحدة من أخطر صور الاختراق التي عرفها الحزب السوري القومي الاجتماعي، إذ تكشف، وفق المعطيات والوثائق المطروحة، عن دور لم يكن مجرد خصومة سياسية، بل ارتبط بمحاولات التأثير في الحزب من الداخل وتوجيه مساره وإضعافه. ولم تكن تجربة الشيشكلي، على ما يبدو، سوى حلقة في سلسلة من محاولات الاختراق والتفكيك التي تعاقبت على الحزب في مراحل مختلفة، حتى تراكمت آثارها وانتهت به إلى ما يعانيه اليوم من انقسام وتشرذم.
لكن الدرس الأهم الذي تبقى هذه الوقائع تفرضه هو ضرورة العودة إلى فكر سعادة وعقيدته باعتبارهما المعيار الذي تُقاس به المواقف، لا الأشخاص وحدهم. فكلما ابتعد القوميون الاجتماعيون عن جوهر العقيدة والنظام، وأصبحوا أسرى للصراعات الشخصية أو الحسابات المرحلية، ازدادت قابلية النهضة للاختراق والتفريغ من مضمونها.
ويبقى السؤال الحقيقي الذي تطرحه هذه الدراسة: هل كان أديب الشيشكلي استثناءً في تاريخ الصراع على سورية، أم أن تجربته تكشف جانباً من آليات أوسع استُخدمت لإضعاف النهضة السورية القومية الاجتماعية ؟
إن الإجابة تحتاج إلى مزيد من الوثائق والتحقيق التاريخي الهادئ، بعيداً عن التقديس أو التخوين، لأن الحقيقة وحدها قادرة على حماية النهضة وتصحيح مسارها.
23 أيلول 2026.
المراجع:
- بلاغ الزعيم بشأن الحركة الماسو/نية نشر في "البناء" عدد 844 في 11 - 7 - 1992.
- النشرة العامة رقم 6، المحفل الأكبر السوري العربي.
- سامي جمعة: أوراق من دفتر الوطن، طبعة 2018 دمشق، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر.
- جولييت المير سعادة: مذكرات الأمينة الأولى، الطبعة الرابعة 2022 بيروت، دار سعادة للنشر.
- متى أسعد: الماضي المجهول، الطبعة الثالثة، دمشق 2021 دار دلمون الجديدة للنشر.
- شحادة الغاوي: قراءة ناقدة في تاريخ صاخب، الطبعة الأولى بيروت 2019، دار أبعاد للنشر.
- سامي أيوب الخوري: أمل لا يغيب، الطبعة الأولى بيروت 2007، دار نلسن للنشر.
- أكرم الحوراني: مذكرات أكرم الحوراني، طبعة الأولى 2000 القاهرة، دار ومكتبة مدبولي للنشر.
- مايلز كوبلاند: لعبة الأمم، طبعة أولى 1969 لندن.
- محمد معروف: أيام عشتها 1949 - 1969، الطبعة الأولى 2003 بيروت، دار رياض الريس للكتب والنشر.
- مصطفى رام حمداني: شاهد على أحداث الانفصال، الطبعة الثالثة 2008 دمشق، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر.
- محمد رضوان أتاسي: هاشم الأتاسي، حياته عصره 1873 - 1960، طبعة أولى 2005 دمشق، الناشر المؤلف نفسه.