الأمير العلوي الخصيبي بدر الجمالي والحرب العلوية- التركية: تحرير العلويين لمصر وإنقاذ العلويين/الشيعة من الأتراك
2026.04.12
كانت الدولة البويهية العلوية، التي أسسها تلاميذ الشيخ حسين بن حمدان الخصيبي، وحكمت إيران والعراق واليمن وعُمان لمدة قرابة مئة عام، قد فقدت بعد أربعينيات القرن الحادي عشر معظم أراضيها، ودخلت في صراعات داخلية، وأصبحت على شفير الانهيار. ورغم دعوات الأمراء إلى الوحدة والتضامن، فإن الناس لم يستجيبوا، وأخيراً، ومع احتلال بغداد عام 1055 على يد القوات السلجوقية، انتهى عهد البويهيين العلويين.
بعد ذلك، لم يكتفِ الأتراك باحتلال البويهيين العلويين، بل بدؤوا بالتقدم نحو الأناضول وبلاد الشام. وتم تدمير العديد من الإمارات المحلية، بما في ذلك دولة النميريين العلوية. وكان الأتراك يرسلون قادتهم المستقلين عن السلطة المركزية إلى هذه الأراضي للقيام بأعمال النهب ومحاولات الاحتلال، وسرعان ما سيطروا على فلسطين والشام.
وبسبب صعوبة إيقاف هذا النموذج من الاحتلال على قادة ذلك العصر، كانت بعض الإمارات تستسلم أو تُهزم، إلى أن ظهر الأمير العلوي بدر الجمالي…
خلال هذه العمليات السلجوقية، ظهرت اضطرابات داخلية أيضاً في الدولة الفاطمية. ففي مصر، تصادم البربر والسودانيون والأتراك فيما بينهم، وبدأ الأتراك، بدعم سلجوقي، يكتسبون القوة عبر النهب. ولم تعد سلطة الخليفة موجودة، وأصبحت الدولة الفاطمية على شفا الانهيار.
وكان القائد السلجوقي المكلّف باحتلال الشام وفلسطين ومصر هو أَتْسِز بن أوق. وبعد أن سيطر على منطقة الشام وفلسطين، توجّه نحو مصر التي كانت مليئة بالأتراك النهابين. وكان ينوي الانضمام إليهم، وعزل الخليفة، وإنشاء دولته الخاصة. لكن الأمور لم تجرِ كما توقع الأتراك.
في هذه اللحظة الحرجة، قام الخليفة بخطوة أخيرة بسلطة تكاد تكون منهارة، وهي استدعاء الأمير العلوي بدر الجمالي، والي عكّا في الشام، إلى القاهرة. وعندما استُدعي بدر الجمالي من قبل الخليفة لحكم مصر وفلسطين والشام، توجّه فوراً إلى القاهرة.
لم يكن بدر الجمالي شخصية عادية داخل الدولة الفاطمية:
كان شخصية معروفة ومحترمة بين العلويين
كان لديه جيش موالٍ له
وكان قائداً منضبطاً
بعد الدعوة عام 1073، وعندما دخل بدر الجمالي مصر، واجه فوضى عارمة وفلتاناً وانعداماً في النظام. ولإنهاء هذه الفوضى وإيقاف هيمنة النهابين الأتراك في المدينة، اتبع الخطوات التالية بالتسلسل:
نشر قواته سراً في المدينة، ونظّم العلويين من أتباعه، ثم نظّم باقي الشيعة
نسّق مع الخليفة، وبناءً على المعلومات التي تلقّاها، قام بعمليات ضد القادة الأتراك، وقام بتصفية قادة الاحتلال الأتراك.
ويذكر ابن خلكان في كتابه حول هذه المرحلة:
«بقدومه انتظم أمر الدولة وعاد اعتبار السلطان».
لكن القوات التركية المحتلة لم تكن تريد ترك مصر وخط الشام– فلسطين بسهولة. وكان هذا النظام من الاستقرار تهديداً لها. لذلك، بين عامي 1076–1077، تحرك جيش الاحتلال بقيادة أَتْسِز بن أوق ضد الفاطميين. وفي البداية احتل أتسز مصر، ودخل نهر النيل، ونهب القرى، وبدأ بإرهاب السكان.
وردّ بدر الجمالي بأساليب استراتيجية عالية، حيث جمع ونظّم الميليشيات المحلية ونجح في فرض تفوق معنوي. ثم تقدم شمالاً نحو القاهرة، متجهاً نحو المعركة الكبرى.
وفي عام 1077، وقعت المعركة الكبرى قرب القاهرة، حيث هزمت قوات بدر الأتراك هزيمة حاسمة، ففرّ أتسز إلى فلسطين، بينما انهار جيشه وتفكك. وتشتتت قوات الاحتلال التركية وتم القضاء عليها. وقد أنقذ العلويون مصر…
وبعد توليه السلطة، عزّز بدر الجمالي تأثير العقيدة العلوية داخل المذاهب الإسماعيلية، وأضاف رموزاً علوية إلى عقيدة الطيبية الإسماعيلية، وأعاد الاستقرار إلى مصر والعديد من المناطق الأخرى، وأعاد سلطة الدولة، ومنح الفاطميين مئة عام إضافية من البقاء.
ومن المعروف أن آل بدر الجمالي كانوا من أنصار آل عمّار، وكانوا غيورين على قضية النصيريين/العلويين. وقد سرّ النصيريون/العلويين بأعمالهم ووجّهوا التهاني إلى الصالح بن رُزّيق، فكتب هذا الأخير إلى أسامة بن منقذ يخبره، فجاءه جواب أسامة:
«سعادة لا يفي الشكر بمقدارها، مضى الإمام الطاهر المنتصر، وتسلّم العاضد الإمامة بيننا، عش مخلّدًا، واهنأ بكونك حاميهم، إذ ترفع أحدهم إلى مقامه وتدفع عنهم البلاء.»
المصادر:
المقريزي، ابن خلكان،
ابن الأثير (الكامل في التاريخ)
تاريخ العلويين في بلاد الشام