الشيخ حسين الأحمد.. سيرة عالم ومصلح في جبال صافيتا والدريكيش خلال القرن التاسع عشر
2026.05.25
الشيخ حسين الأحمد في زمن إسماعيل عثمان خير بك
سيرة عالم ومصلح في جبال صافيتا والدريكيش خلال القرن التاسع عشر
1810-1878م
سيمون خالد علي
في جبال صافيتا والدريكيش، حيث تتكسر الطرق على الوديان وتختبئ القرى وراء الظهور الحراجية، عاش في القرن التاسع عشر رجلان قدرهما تشابك في لحظة واحدة من تاريخ الجبل. أحدهما حمل السيف والختم والجباية، وملأ الوثائق صخبا، واسمه إسماعيل عثمان خير بك. والآخر حمل القلم والقصيدة والوصية، وظل ظلاً في الذاكرة واسمه الشيخ حسين الأحمد. هذه سيرة الثاني، مقروءة في ضوء الأول، كما خطها أصحاب التراجم القدامى وكما أعادت المخطوطات رسمها.
ولد الشيخ حسين في قرية حمين، في ناحية تبعد عن الدريكيش مسيرة ساعة غربا، وهو حسين بن أحمد بن ديب بن حسن بن ديب بن يونس بن معلا حمين بن علي المحشلة بن سلامة تيشور بن معلا مجدلون البستان. وهذا النسب ما يثبته خير الصنيعة للشيخ حسين ميهوب حرفوش. أما سنة مولده فمسألة لم تستقر عليها المصادر؛ فحرفوش يجعلها نحو سنة 1810م، ويضيف عبارة أن ذلك مأخوذ على ما في بعض مؤلفاته، أي بخط الشيخ نفسه، بينما يجعلها صاحب تاريخ صافيتا منير صقر نحو سنة 1800م، بفارق يقارب عشر سنوات. والأرجح ما خطه الشيخ بيده. وأما وفاته فمتفق عليها سنة 1878م. ومقامه اليوم قبة جميلة في قرية جورة الجواميس.
عالم تأتيه الأسئلة من وراء الجبال
وصفه معاصره ومؤرخه حرفوش بعبارة تختصر مكانته، فقال إنه كان عالما علامة، فريد عصره وقريع دهره، له المصنفات العديدة المفيدة التي فاق بها أقرانه. وكان مرجعا يرجع إليه ويعول عليه في المسائل الدينية، تأتيه الأسئلة من إخوان عصره فيجيب عنها. ثم يضيف حرفوش حكما لا يقوله إلا عارف بقدر الرجل، إنه لو لم يكن له غير رسالتيه قلائد الدرر وغنيمة السفر لكفتاه، فإنه شيد بهما المذهب وأيده، ورد على الفرقتين المختلفتين، وكفى المبتدئين مهمة الرد على المبتدعين.
شبكة مراسلاته العلمية تجاوزت صافيتا والدريكيش إلى الأناضول. فكانت ترده الأسئلة من علماء ومشايخ، أبرزهم الشيخ محمد يوسف، والشيخ ناصر الحكيم، والشيخ كامل إبراهيم سعيد من البهلولية، والشيخ سلامة ربعو، والشيخ خليل يونس، والشيخ محمد عمار حلبكو، والشيخ إبراهيم العلي، والشيخ أحمد حسن قرقفتي، فضلا عن إخوان في أضنة وطرسوس. مرجع عابر للقرى والأقاليم، تقطع إليه المسائل الجبال.
ومن أطرف ما حفظ في حقه شهادة الرحالة الشيخ أحمد علي القلع، الذي زاره ثلاث زيارات، ومدحه بأبيات يقول في مطلعها:
قصدت حسين الوقت خلفة أحمد … فقيه الورى بالعلم حاوي الذخائر
تناهى بأوصاف المكارم والتقى … إلى أن غدا في الشعب ناه وآمر
ولأنه وضع شرحا على القصيدة الفائية المنسوبة إلى أبي عبد الله الحسين بن حمدان الخصيبي، المتوفى سنة 969م، فقد لقب بالخصيبي الثاني. وهو لقب يجد ما يسنده في هذا الشرح بالذات، لأنه كان شارحا له ومجددا لحضوره في بيئة صافيتا والدريكيش.
المتداول في أسرته أنه عمل في الزراعة لكسب عيشه، وأنه حمل معه حين انتقل إلى جورة الجواميس منوال الغزل اليدوي يغزل به الصوف. عالم بهذه السعة، يجلس إلى المنوال يغزل صوفه بيده، صورة تختصر فئة كاملة من مشايخ الجبل الذين جمعوا بين علم العقيدة وكدح المعيشة، ولم يروا في العمل اليدوي غضاضة على المشيخة.
رجل لم ينقطع عن التأليف نحو نصف قرن، كل رسالة منه جواب عن سؤال، أو رد على خصم، أو تلبية لطلب أخ، حتى ليبدو إنتاجه كله حوارا متصلا مع مجتمعه العلمي.
رسالة بديهة الأفكار، التي وردت في مؤلفاته، هي في الحقيقة من تأليف الشيخ أحمد سلمان الخطيب نحو سنة 1879/1880م، وفيها إعراب القصيدة البائية لأبي رشيد موفق الصابري، والثانية أن بعض النسخ تختلف في صيغ العناوين اختلافا طفيفا، فدرة الصفد في ترك البغي والحسد ترد في موضع آخر بصيغة في ترك الغضب والحسد، بعض النصوص يحمل سلسلة نسخ قصيرة موثقة، نقل عن خط حسين حبيب الكوكعي، عن خط الشيخ حمدان عمران حمدان المؤرخ نحو سنة 1885/1886م، عن خط المؤلف مباشرة، وهي سلسلة قريبة تدعم نسبة النصوص إليه.
متكلم يزن الألفاظ
جوهر مشروع الشيخ حسين كلامي عقدي. فرسائله الكبرى، غنيمة السفر وقلائد الدرر وقرة النظر، ردود مذهبية مطولة على خصوم بعينهم، يفند فيها أقوالهم مسألة مسألة، ويستشهد بالقرآن والحديث وأقوال الأئمة. ولغتها لغة المتكلم المدقق الذي يميز بين الأقوال ويزن الألفاظ، كما في مناقشته الطويلة لمسألة النقط الأربع، الوهمية والمركزية والفيضية والبيكارية، عندما يصحح ترتيب خصمه ويرد عليه بدقة الصنعة الكلامية.
وهو في افتتاحياته يكتب نثرا مسجوعا عالي النبرة، يصف فيه الذات الإلهية بالتنزيه عن الجواهر والأغراض، ويبني توحيده على تأويل رمزي للنصوص القرآنية، كقوله في مطلع رسالة بذل الهمة إن الباري كالشجرة النامية الأغصان الثابتة الأركان، أصلها في الأرض ثابت وفرعها في السماء باسق. فهذه نصوص رجل تشرب التراث الفلسفي العلوي وأعاد إنتاجه بلغته الخاصة.
تربية الروح وأدب المريد
كان الشيخ مربيا أيضا. ففي تذكرة المريدين يضع أدب الطالب مع شيخه ومرشده في صدارة ما يجب، فيجعل أول فصوله في معرفة الأبوة وما يلزم المريد من حق الأدب. وفي الوصية المعروفة ببذل الهمة في طلب العلم الإلهي يخاطب أخا عزيزا عليه طلب منه وصية يعول عليها في الحياة، فيجيبه بأن أول ما يوصيه به بذل الهمة في طلب العلم الحقيقي والعمل به، لأنه به تتحرر النفس من التعلق بما سوى الحق. وفي مجمع الابتهالات يصوغ للشيخ ناصر الحكيم أدعية موزعة على ساعات اليوم، لكل ساعة دعاء وتوسل، وهي رسالة تكشف أن الناس كانوا يقصدونه ليصوغ لهم نصوص عبادتهم وتعليمهم. وبهذا يجتمع في الرجل وجه المتكلم ووجه المربي ووجه الناسك.
وفي وصيته درة الصفد في ترك البغي والحسد يبني منظومة أخلاقية متكاملة قوامها ثلاثة، العلم والعمل والأدب. يفتتحها بأن الله جعل العلم والعمل جوادي تسابق، كلاهما لا يقوم إلا بصاحبه، وجعل الأدب الشريف من شرائط الدين وشعائره، مستشهدا بالحديث، من لا أدب له لا دين له. ثم يوصي أخاه بطلب العلم للمعرفة والعمل، ويذكره بأن العلماء هم أشد خشية لله، فيحذرون نواهيه ويسارعون في مراضيه. وغاية الوصية كما يدل عنوانها اقتلاع البغي والحسد من النفس.
الشيخ يلتقي فكره النظري بفعله الاجتماعي. فالرجل الذي رأى أن فساد الجماعة يبدأ من داخلها، من الحسد والبغي والعصبية، هو نفسه الذي تحرك حين تمزق مجتمع صافيتا بالعصبية، يدعو إلى الألفة وترك النعرة. فدعوته إلى الألفة كانت ثمرة طبيعية لمنظومة أخلاقية جعلت إصلاح النفس مقدمة لإصلاح الجماعة. وفي الزبدة الرابية يكمل الصورة من جهة المنهج، إذ يرفض ما يسميه الفهم الناقص، أن يؤخذ بظاهر الدين ويترك باطنه أو العكس، ويرى الكمال في الجمع بين الظاهر والباطن.
أديب يكتب المقامات ويجمع المعاجم
للشيخ حسين كتاب المقامات الحسنى ومجمع البحرين الأقصى والأدنى، ثلاثون مقامة على عدد ليالي الشهر، نسجها على نمط بديع الزمان الهمذاني والحريري، يلغز فيها بموضوعات خيالية تدل على التوحيد، ويفتتحها بنثر فني مسجوع موشى بالغريب. وهذا جنس أدبي رفيع لا يطرقه إلا متمكن من العربية وأساليبها. ومن المرجح أنه وضع مقاماته نحو سنة 1859م، بعد ثلاثة أعوام على صدور مقامات ناصيف اليازجي في بيروت، مما يكشف أن مطبوعات الساحل اللبناني كانت تصل إلى مشايخ الجبل وتؤثر فيهم.
وإلى جانب المقامات، له كتاب رحض الجلباب، وهو قاموس لغوي صغير مرتب على الحروف، يشرح فيه ألفاظ الغريب مستشهدا بالقرآن، فيعرف الحتف بأنه جبل، والحنيذ باللحم المشوي، والخندريس بأنه اسم قديم للخمر. ووجود معجم بين مؤلفات شيخ ديني يكشف عناية باللسان قل نظيرها، ويؤكد أن الرجل جمع إلى علم العقيدة أدوات اللغة والأدب. وقد أورد له صاحب تاريخ صافيتا أبياتا من مدائحه لإخوانه من الشيوخ، منها مخمسة في مدح إبراهيم مرهج مطلعها: يا عادلي في الحميا كف عن عدلي، وقصائد في الشيخ سلمان الخطيب، وفي الشيخين ديب محمد حمين وعبود معلا حمين. ومما يثبت اتساع قرابته أن الشيخ أحمد بن سلمان الخطيب كان ابن أخته، إذ يسميه حرفوش خاله صراحة.
مسألة طال فيها اللبس، وقد حسمت
يذكر كتاب إياس أحمد حسن، الحركة الإصلاحية عند العلويين، الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، أن من أبرز مخطوطاته كتابا بعنوان تذكرة الأفكار ينسبه إلى الشيخ علي حسن القاضي، بينما تضم خزانة الشيخ حسين رسالة بعنوان أطول هو تذكرة الأفكار في مسائل الشيخ محمد عمار حلبكو. وقد كان الخوف أن يخلط بين العنوانين.
المخطوط المنسوب لعلي حسن القاضي عنوانه الكامل تذكرة الأفكار بذكر السادات الأبرار المؤمنين الأخيار، ومؤلفه علي حسن القاضي المعروف بعلي بدرة، الذي عاش نحو سنة 1805م وسنة 1882م. وقد وضعه نحو سنة 1879م، تلبية لطلب الشيخ غانم نجل الشيخ إسماعيل الساكن بقرية أوبين، والتزم فيه بذكر شيوخ عصره الذين عاصرهم وقابلهم فقط. فهو عمل مستقل تماما، يختلف عن رسالة الشيخ حسين في المؤلف والتاريخ والمنهج وسبب التأليف.
إسماعيل عثمان خير بك، سلطة السيف في زمن الفراغ
في الضفة الأخرى من الصورة يقف إسماعيل عثمان خير بك، أوضح ملامح من الشيخ في الوثائق، وأكثر صخبا في الأحداث. ولد في قرية اللقبة من منطقة مصياف، وتتباين المصادر في سنة مولده؛ فدراسة علي چاپار، اعتمادا على جورج جبور، تجعله مولودا سنة 1822م، بينما يذكر صاحب تاريخ صافيتا سنة 1823م، وتنقل مداخل أخرى سنة 1825م. والأهم من الرقم أنه برز زعيما عشائريا وسياسيا في المنطقة الممتدة بين صافيتا ومصياف وريف حمص الشمالي الغربي في منتصف القرن التاسع عشر.
كيف صعد، وكيف صار مديرا؟
ارتبط صعوده بانهيار قدرة الدولة العثمانية المحلية خلال حرب القرم بين 1853 و1856م، حين انشغلت السلطنة بحربها ضد الروس. وكان قبل صعوده في صافيتا يعمل دلي باشي، أي قائدا محليا لفرقة من الفرسان أو المقاتلين غير النظاميين في خدمة السلطة العثمانية في حماة.، كلف بالقضاء على تمرد بدو باديتها فأداه، ثم كلفه والي دمشق بمهمة عسكرية ضد تمرد في جبل كاور داغ في الأناضول فنفذها. فلما خلا الجبل من ضابط قوي، صار الرجل الواسع الدهاء والنفوذ مطلبا لأهله.
أما كيف دخل صافيتا فتروي المصادر المحلية رواية لها رونق الحكاية. ففي سنة 1853م، أرسل الشيخ رحمون دخيل وفدا، فيه ابن عمه الشيخ أسعد دخيل والمسؤول المالي عن ديوان الضرائب ندرة اليازجي، فقابلوا البيك في قرية اللقبة مسقط رأسه، واستقبلهم بالحفاوة والتكريم، واستمع إلى مطالبهم ووافق عليها. ثم عاد الوفد شاكرا، ولم يتأخر البيك في القدوم بقوة من نحو ألف مقاتل بين فارس وراجل جيدي التدريب والانضباط. وبعد اشتباكين، عاد الأمن نسبيا. وأثنى رحمون دخيل عليه واقترح أن يكون مديرا لقضاء صافيتا.
ثم في سنة 1854م، تنازل له رحمون دخيل عن حكم القضاء وتحصيل ضرائبه، بالتنسيق معه، وعن طريق متسلم لواء طرابلس عالم باشا، وبموافقة والي صيدا وطرابلس محمد نديم باشا المقيم في بيروت. وهذه التفاصيل، التي تثبتها سجلات المحكمة الشرعية في طرابلس كما ينقلها صاحب تاريخ صافيتا، تصحح صورة شائعة. فقد قيل إن إسماعيل سمى نفسه مشير الجبل وإنه عين من الباب العالي مباشرة، والثابت من السجلات أن حاكم صافيتا وطرطوس وأرواد كان يعين من والي طرابلس أو نائبه ، وأن لقب مشير الجبل لقب متداول. ومما يدقق الصورة أكثر أن أول مدير قضاء موثق لصافيتا كان الشيخ محمد عارف السيد سنة 1850م، أي قبل تسلم إسماعيل بأعوام.
ثم يأتي التدقيق الأكاديمي الأهم من أطروحة علي چاپار، تاريخ النصيريين العلويين في سوريا العثمانية بين 1831 و1876، المقدمة إلى جامعة أركنساس سنة 2013، في فصلها الخامس. فهي توضح، اعتمادا على ستيفان وينتر وغيره، أن وامق باشا أعاد سنة 1855م تنظيم المنطقة إداريا، وعين زعماء عشائريين مؤثرين في وحدات مستحدثة، وأن إسماعيل صار مدير صافيتا رسميا في نيسان 1855م، بعد أن كان قد بسط سيطرته الفعلية على الأرض قبل ذلك. ولعلي چاپار دراسة ثانية مستقلة باللغة التركية، العلاقات العثمانية النصيرية في ضوء تمرد إسماعيل خير بك، نشرها سنة 2019م، تعالج الأحداث بكتمرد قائم بذاته، وتستند إلى وثائق الأرشيف العثماني والبريطاني.
مديرية صافيتا أم حكومة الدريكيش
القول إنه أسس حكومة الدريكيش، أو كان متصرف دريكيش وصافيتا، ليس الصيغة التي تظهر في الدراسة الأكاديمية المحكمة. فالثابت أكاديميا هو مديرية صافيتا وامتداد السلطة الفعلية، أما حكومة الدريكيش فتسمية تفسيرية متأخرة تبقى مرجحة في التأريخ المحلي.
ومع ذلك تبقى الدريكيش جزءا عضويا من سلطته، إذ يؤكد ما روي عن ابنه هواش أنه قضى طفولته مع أبيه في قصبة الدريكيش كمدير لقضاء صافيتا.
وقد قسم إسماعيل منطقته إلى مديريات وولى عليها رجالا موالين، فجعل شقيقه خير بك في قلعة الحصن، ومحمود العساف في الشيخ بدر، والأمير محمد المير علي على مصياف، والشيخ دندل على جبل الحلو، وأخاه محمدا على وادي العيون، وسمعان الحلو على وادي النصارى. وهي تركيبة تكشف محاولة لإقامة كيان إداري شبه مستقل في قلب الجبل. مقالة تلحمي تذكر له ثلاثة إخوة هم خيري ودندش ونصيف، وبعضها يقارب ما في الروايات وبعضها لا يطابقه، والأرجح أن خير وخيري كنية الجد.
صورة لا تقبل لونا واحدا
تأبى المصادر أن ترسم لإسماعيل صورة أحادية. فمن جهة، تنسب إليه شكاوى سنتي 1857 و1858م، من الهجوم وإثارة الفتنة وظلم الأهالي والضغط على السكان، حتى إن بعض رجاله هاجموا قرى مسيحية وسنية، ورفع أهالي حمص شكوى رسمية ضده. وتصور بعض المرويات الشعبية ظلمه في جمع الضرائب وفي استملاك الأراضي بالقوة، حتى قيل إنه كان يربط حصانه أمام بيت مختار القرية التي يرغب في امتلاكها، فيضطر أهلها إلى التنازل عن أرضهم بثمن بخس أو بلا ثمن.
ومن جهة أخرى، ينقل تقرير بريطاني مؤرخ في 26 تشرين الأول 1858م أنه كان يحكم منطقته حكما جيدا نسبيا، يدفع الضرائب في وقتها، ويحظى بتأييد واسع بين السكان العلويين. وتؤكد مقالة إيفيت تلحمي، القائد النصيري إسماعيل خير بك والعثمانيون، المنشورة سنة 2008م، أنه نجح في مدة وجيزة في السيطرة على إقليم مأهول بسكان مختلطين دينيا ومذهبيا، ونال لقب حاكم الجبل. وهذه الموازنة بين الوجهين ضرورية لإنصاف الصورة وتعقيدها معا.
كانت المنطقة في النصف الأول من القرن التاسع عشر تعاني ضعف السلطة العثمانية المحلية واعتمادها على الزعامات والملتزمين، ثم بدأت الدولة بعد حملة إبراهيم باشا والتنظيمات تسعى إلى ضبط الجبل بالضرائب والتجنيد والإدارة. وكان ثقل الضرائب والتجنيد ضاغطا مزمنا على السكان. في مثل هذا الجو ولدت سلطة إسماعيل، وفيه أيضا ولدت مبادرة الشيخ حسين.
السقوط، حين تأتي الضربة من الداخل
سقط إسماعيل بتقاطع ثلاثة عوامل، ازدياد قدرته بما أقلق الدولة، ورفض قطاعات من السكان السنة أن يتولى أمرهم زعيم علوي، واستثمار الدولة للانقسام العلوي ذاته. وتضيف قراءة چاپار للوثائق تفصيل الآلية، فقد حرضت الدولة بعض العشائر السنية وغير الموالية، ووعدت بعضها بالمناصب بعد خلعه، وطلبت من الزعماء الدينيين إعلان الجهاد عليه، ثم ضربت الحصار على الجبل حتى تهاوت دعائم دعمه. فكان سقوطه سياسيا واجتماعيا بقدر ما كان عسكريا. ومما يؤكد هذا التحليل أن إسماعيل، مع أنه أجبر شرائح من العشائر على الالتفاف حوله مؤقتا، لم يقدم برنامجا جامعا يجعل هذا الالتفاف مستداما، فانسحبت عنه دعمات داخلية حاسمة حين اشتد الحصار.
وفي تفصيل النهاية تتعدد الروايات. فالرواية الشائعة، التي تنقلها تلحمي ويسندها الخازن، أنها جاءت في أواخر سنة 1858م على يد قريبه علي الشللي، بعد أن لجأ إليه طلبا للحماية، وأن قريبه قتله طمعا في العفو والمكاسب، ثم قدم رأسه للعثمانيين اتقاء لعقوبة جماعية تطال المجتمع العلوي بأسره، وأنه ذبح ليلا ومعه شقيقه خير بك وأولاده، ولم ينج إلا ابنه هواش، وكان في الثالثة عشرة، فأفلت بتنكره بثياب فتاة. وتؤكد وثيقة بريطانية مؤرخة في 22 تشرين الثاني 1858م هذا المعنى.
أما الرواية العائلية، كما يحكيها حفيده محمد هواش، فتضيف لمسة بطولية. فهي تذكر أن إسماعيل انتصر أولا في أول معركة مع الجيش التركي في موقع ضهر القصير وغنم مدفعيتهم، فلما عجز الوالي عن إخضاعه لجأ إلى الخيانة، فرشى أحد أقاربه، يقول هواش إنه خاله ووالد زوجته الذي كان البيك في ضيافته، فاغتاله مع شقيقه وسلم رأسيهما لطاهر باشا. وصاحب تاريخ صافيتا يحدد المكان والزمان بدقة، فيقول إنه توفي في 14 تشرين الثاني 1858م، في قرية عين الكروم التابعة إلى مصياف.
ومن بعده انتقلت الزعامة في سلسلة متصلة، يثبتها كتاب محمد هواش؛ فمن إسماعيل عثمان خير بك بين 1825 و1858م، إلى ابنه هواش بين 1858 و1896م، إلى إسماعيل هواش بين 1896 و1930م، إلى عزيز الهواش بين 1930 و1945م، فقحطان عزيز هواش بين 1945 و1982م، فسمير قحطان هواش في أواخر القرن العشرين. وكان مصير هواش نفسه أن اعتقل سنة 1882م، ونفي إلى عكا ثم إلى جزيرة رودس سنة 1890م، وتوفي في منفاه سنة 1896م، ودفن في مقبرة جامع مراد ريس، ونقش على قبره نسبه: محمد هواش بك ابن الأمير إسماعيل بك ابن الأمير عثمان بك ابن الأمير خيري.
شاهد من تراث الشيخ نفسه
أقوى ما وصلنا في ربط الشيخ حسين بإسماعيل خير بك شاهد داخلي من مقدمة مؤلفاته نفسها، كما دونها حرفوش. فالمقدمة، وهي تعدد مكاتباته وقصائده، تقول بنصها:
وله جهاد عظيم في الحالتين الدينية والدنياوية، سيما مكاتباته وقصائده التي مدح فيهن زعماء الدين والدنيا كالشيخ إبراهيم مرهج وإخوان محيطه، والمرحومين حامد أفندي يوسف وعباس أفندي جابر، حين اضطرب الأمن والفوضى العمومية التي حصلت في صافيتا أثناء حكومة إسماعيل الخير بك في الحصن وصافيتا، وتقسيم الشعب إلى عشائر وأحزاب، وميل العامة كل جماعة لزعيمها ممن كان مع البيك المذكور وعليه.
هذه العبارة ثمينة من وجوه. إنها شاهد من تراث الشيخ نفسه، وهي تربطه مباشرة بزمن إسماعيل ومكانه، الحصن وصافيتا، وتصفه مصلحا يدعو إلى الألفة. والأدق من ذلك أنها تصور المشهد بإنصاف نادر؛ فلا تحمل إسماعيل وحده وزر الفوضى، ولا تنزهه عنها، بل تصف حالة مجتمعية عامة انقسم فيها الناس بين موال للبيك ومعارض له، وكان الشيخ يقف فوق الانقسام كله، يخاطب الطرفين معا بلغة الألفة.
توقيع الشيخ، لنشر الحب ينتسم
في قصيدة الخاتمة التي ألحقها برسالة الزبدة الرابية وشرح الفائية، يمدح السادة العلماء ويخاطبهم بلغة المحبة والوحدة، ويوصيهم بالتمسك بالشريعة بوصفها ركن الدين، حتى إذا بلغ ختام القصيدة وقعها ببيت يكاد يكون شعاره الشخصي، إذ يقول إن حسين أحمد لنشر الحب ينتسم، أي إنه إنما يتنفس ويحيا لنشر المحبة. وفي القصيدة نفسها يذكر طرسوس في مديحه، مما يتسق مع امتداد صلاته إلى إخوان أضنة وطرسوس. وهذا البيت، الصادر عن الشيخ نفسه، يختصر مشروعه كله، رجل جعل نشر الحب معنى وجوده، فلا عجب أن يكون في زمن الفتنة داعية ألفة. وله إلى جانب ذلك قصيدة في وصف زمن الاضطراب مطلعها، خان الزمان وطبع الدهر خوان، من غدره عاد تأمور الحشا، يصور فيها فتنة صافيتا بصور البحر والأمواج والعاصف.
ملامح المبادرة
في عهد إسماعيل مديرا لقضاء صافيتا وحصن الأكراد، اشتدت الخلافات بين أهالي البلاد حتى كادت تتحول إلى مصادمات، فتدخل الشيخ حسين بالقصائد يرسلها إلى شيوخ صافيتا وعلمائها، فاجتمعوا وحسمت الخلافات وتشكلت رابطة روحية برئاسة الشيخ إبراهيم مرهج. وأما تاريخ المبادرة فمما يحسن فيه التروي، إذ تتراوح المصادر بين نحو سنة 1854م في موضع من خير الصنيعة، ونحو سنة 1854/1855م عند صاحب تاريخ صافيتا وفي وثيقة إلغاء العشائرية، ونحو سنة 1856/1857م في موضع آخر من خير الصنيعة، فالأسلم بين 1854 و1857م تقريبا.
والأبلغ في هذه المبادرة أنها جمعت من لم يكونوا منسجمين سياسيا مع إسماعيل. فالشيخ عباس جابر المنصور، صاحب النفوذ السياسي والروحي والمعارض القوي لمدير القضاء، شارك في الاجتماع رغم خصومته، بل إنه نفي إلى رودس مدة سنتين ونيف بسبب خلاف بينه وبين إسماعيل خير بك نحو سنة 1855/1856م، ثم أطلق نحو سنة 1857/1858م. فأن يخاطب الشيخ حسين رجلا نفاه البيك فعلا، ويجمعه في رابطة واحدة مع رجال البيك، دليل على أن حركته كانت فوق الاصطفاف الضيق، تخاطب الجماعة .
وكان في مقدمة المجتمعين، كما يعددهم صاحب تاريخ صافيتا، الشيخ إبراهيم مرهج رئيسا، والشيخ حسين أحمد، والشيخ عباس جابر المنصور، والشيخ حامد يوسف مي، والشيخ محمد يوسف مي، والشيخ سلمان محمد، والشيخ حسين يونس، والشيخ عمران حمدان، والشيخ ياسين يونس، والشيخ محمد عمران درويش، والشيخ إسماعيل أوبين، والخطيب محمود. ومما له دلالته أن من بينهم إسماعيل أوبين، من القرية نفسها التي طلب منها غانم نجل إسماعيل خير بك بعد سنوات تأليف تذكرة الأفكار الأخرى، فتتقاطع خيوط القرية الواحدة في أكثر من حكاية.
ومما يضيف عمقا للمشهد أن إبراهيم مرهج، رئيس الرابطة، كان وقتها قد جمع بيده أربع وظائف في الدولة في آن واحد، فقد كان عضوا بالمحكمة الشرعية، فعزل مستنطقها فصار عوضه، وانتقل قاضيها فصار نائبه، وخلع قائمقام القضاء فصار وكيله. أي أن الرابطة الدينية ولدت من داخل الجهاز الإداري للقضاء الذي يحكمه إسماعيل، وهو ما يكشف أن الخط الفاصل بين سلطة العلم وسلطة الإدارة لم يكن خطا حادا، بل كان الرجال أنفسهم يجمعون الوجهين أحيانا.
الرابطة لم تعمر طويلا. فقد بقيت، كما يفصل صاحب تاريخ صافيتا، تنتقل في ذرية مؤسسها، من إبراهيم مرهج إلى ابنه عبد الرحمن، ثم إلى حفيده عبد اللطيف المتوفى سنة ثمان وتسعين ومئتين وألف، ثم إلى أخيه محمد، حيث أهملت في عهده وانتهى وجودها بعد وفاته. وفي هذا الانقطاع درس عن هشاشة الحلول الإصلاحية حين تفقد روادها، وفيه ما يكشف أن الشيخ حسين كان يدرك حدود ما يمكن بناؤه في مجتمع ممزق بالعصبية.
وثيقة إلغاء العشائرية
ومما يعضد هذه المبادرة وثيقة إلغاء العشائرية المنسوبة إلى نحو سنة 1854/1855م. ينقل نصها عبد الرحمن الحاج في دراسته البعث الشيعي في سورية، فيذكر أن الاتفاق يحمل توقيعات من بينها إبراهيم مرهج ويونس ياسين وحسين أحمد حمين، وأنه منقول عن مخطوط لعبد الهادي حيدر عثر فيه على أصله في بيت يونس ياسين في صافيتا.
وهذه الوثيقة منسجمة في عمقها مع ما يصفه إياس أحمد حسن من جوهر الإصلاح العلوي في ذلك القرن، أعني التحرر من العصبيات وتثمين التعاون وربط الإصلاح الديني بإصلاح اجتماعي وأخلاقي. ويلفت النظر أن تاريخها يقع في السنة نفسها التي رسخ فيها إسماعيل سلطته بتعيينه الرسمي، أي نحو سنة 1854/1855م، وقبل نحو ثلاث سنوات من مقتله، وهو تزامن يجعل العمل الإصلاحي والعمل السلطوي متنافسين، في صمت، على شكل الجماعة وتماسكها. ثم إن حضور بيت الشيخ يونس في الوثيقة له دلالته، فجامع بيت الشيخ يونس بني نحو سنة 1850/1851م، أي قبل الوثيقة بأربع سنوات تقريبا، مما يؤكد أن المكان كان مركزا علميا دينيا مستقرا، وأن اجتماعا فيه كان آلية محلية لإعادة تنظيم التوازن الاجتماعي في منطقة مضطربة.
زائر الضريح، حكاية أحمد معلا البقعاوي
ومن الحكايات التي تضيء صلات الشيخ بعد مماته، حكاية رجل قصد ضريحه في جورة الجواميس. فقد روت إحدى المخطوطات أن السيد أحمد أفندي معلا، حين كان في طريقه إلى محلة في قرية بقعو، مر بقرية جورة الجواميس، وبسبب المودة والصداقة والصلة التي كانت بينه وبين المغفور له الشيخ حسين أحمد، نزل منفردا لزيارة ضريح هذا المقدس، فأدى واجب الزيارة عند مقامه، ثم أكمل الزيارة إلى ولده الشيخ محيي الدين فتناول قهوته.
الزائر هو الشيخ أحمد معلا من بقعو، أحمد بن معلا بن حسن بن إبراهيم، ينتهي نسبه إلى الشيخ علي الخياط، ولد في قرية بقعو نحو سنة 1847/1848م، وتوفي نحو سنة 1896/1897م، فعاش نحو خمسين عاما، ودفن في قريته في القبة التي بناها لعمه، وكان ذا كرامات وبراهين شهيرة، له السعي بالإصلاح بين جميع العشائر، ولم يتزوج ولم يعقب. بل يصفه حرفوش وصفا جسديا نادرا، فيقول إنه كان فوق الربعة، أسمر اللون، بوجهه أثر الجدري، أسود العينين، متوسط الأنف، لباسه الأبيض والعباءة الصوفية والعمامة البيضاء. ولأنه توفي بعد الشيخ حسين بنحو عشرين سنة، فإنه زار ضريحه لا الشيخ حيا، فيتضح أن المودة التي ذكرتها المخطوطة كانت بين شيخين مصلحين من طينة واحدة، وأن قبر الشيخ حسين صار مقاما يقصد للزيارة.
وتكشف هذه الحكاية أيضا أن للشيخ حسين ذرية متصلة. فابنه الشيخ محيي الدين كان حيا يستقبل زوار المقام، ومن هذا الخط خرج لاحقا الدكتور وجيه محيي الدين، المولود سنة 1908م في جورة الجواميس، والذي يذكره إياس أحمد حسن من أحفاد الشيخ حسين. درس وجيه في الطليعي وطرابلس وعينطورة وطرطوس، ثم التحق بكلية الطب في دمشق وتخرج طبيبا سنة 1936م، ليصبح من أوائل أطباء الجبال الساحلية، وطبيبا للمشفى الوطني في طرطوس. وكان شاعرا وكاتبا وصحفيا ومصلحا اجتماعيا؛ أصدر في طرطوس مجلة النهضة سنة 1937م، وجعلها منبرا للدعوة إلى العلم ونبذ الطائفية والعشائرية والرجعية، ثم توفي سنة 1939م بعد إصابته بالتيفوئيد أثناء معالجة المرضى في أرواد. وهكذا يمتد خط واحد من الشيخ حسين الأحمد، عالم المخطوطات والوصايا في القرن التاسع عشر، إلى وجيه محيي الدين، طبيب النهضة والصحافة الوطنية في ثلاثينات القرن العشرين؛ وكأن العائلة انتقلت من علاج الانقسام بالكلمة والوصية إلى علاج الجسد والمجتمع بالطب والمجلة والعلم.
سيف وكلمة، جوابان عن سؤال واحد
والأقرب إلى الصواب أن إسماعيل مثل سلطة السيف والإدارة، بينما مثل حسين سلطة العلم والإصلاح. استنتاج تفرضه طبيعة المادتين. فالمصادر عن إسماعيل تتكلم لغة التعيين والحملة والجباية والشكوى والتحريض والجهاد والحصار، بينما تتكلم خزانة الشيخ لغة العقيدة والأدب والوصية والابتهال ومقاومة العصبية والدعوة إلى الألفة. كانا يجيبان عن سؤال واحد بطريقتين، كيف تحكم منطقة مضطربة، فأجاب إسماعيل بالقوة والإدارة من الخارج، وأجاب الشيخ حسين بالعلم والوصية والشعر من الداخل، ولم يكن أي من الجوابين كافيا وحده.
وهنا تكتسب خلاصة تلحمي عن افتقار المجتمع العلوي إلى التضامن الداخلي قيمتها التفسيرية. فهي ترجع نجاح العثمانيين في إنهاء حكم إسماعيل، في جزء منه، إلى هذا الضعف بالذات، وتدعم قراءة چاپار هذا التحليل حين تكشف كيف استثمرت الدولة الانقسام العشائري بالتحريض والوعود وفتوى الجهاد ثم الحصار. وإذا وضعنا هذه الخلاصة إلى جانب مبادرة الألفة، ثم قرأناها في ضوء فلسفة الشيخ الأخلاقية في درة الصفد، اتضحت الصورة كاملة. فالرجل الذي رأى في وصاياه أن فساد الجماعة يبدأ من الحسد والبغي والعصبية، شخص بالضبط الداء الذي وصفته تلحمي أكاديميا بأنه ضعف التضامن الداخلي، وحاول علاجه بالألفة والاتحاد. كانت قصائده استجابة مبكرة لأزمة بنيوية، محاولة لترميم الشرط الاجتماعي الذي عجز إسماعيل عن تثبيته بالقوة وحدها، والذي سيتحول غيابه بعد سنوات إلى ثغرة ينفذ منها العثمانيون لإسقاطه.
ظل سابق
الشيخ خليل النميلي
ولإدراك موقع الشيخ حسين في سلسلة طويلة من المشايخ الوسطاء، يحسن استحضار نموذج سبقه، هو الشيخ خليل النميلي. توفي الشيخ خليل نحو سنة 1816م، وعمرت قبته نحو سنة 1824/1825م، فهو أقدم من ذروة نشاط الشيخ حسين في منتصف القرن التاسع عشر. تعرض في زمن الضرائب القاسية لضغط شديد، حتى إن محصلا ظالما طالبه وأخاه بضرائب متراكمة، وصادر محتويات بيتهما ومواشيهما وهددهما بالسجن. ومع ذلك بقي في الذاكرة وسيطا في النزاعات، يروى أنه التقى وفدا في الصفصافة فقدم نصيحة سياسية عملية في خلاف يتعلق بعلي بك الأسعد وحكام صافيتا.
يوجد رواية تربط الشيخ خليل ببدايات بيت الشيخ حسين الأحمد؛ إذ يروى أن الشيخ خليل كان في حمين، وكان يعرف والد الشيخ حسين، فسأله عن سبب عدم زواجه، فلما شرح له ضعف الحال، أمر بتزويجه على نفقته. ثم مر به في العام التالي، وكانت ولادة الشيخ حسين، فبشر بأن سيكون لهذا المولود شأن عظيم. الشيخ خليل توفي نحو 1816م، والشيخ حسين ولد نحو 1810م، أي إن الشيخ خليل كان حيا عند ولادته وبقي بعدها 6 سنوات .
جيلين من المشايخ، جيل الشيخ خليل النميلي، الذي يمثل طور الوساطة في زمن الضرائب والفتن، وجيل الشيخ حسين الأحمد، الذي يمثل طور الإصلاح العلمي والأخلاقي في زمن إسماعيل خير بك والتنظيمات. كلاهما حمل وزنا اجتماعيا عابرا للانقسامات، وكلاهما تدخل في لحظة الأزمة بالكلمة والنصيحة. إن بعض هؤلاء المشايخ تولى الإدارة فعلا، كالشيخ عمر الدرويش الشمسيني الذي تولى حكومة القضاء متسلما قبل حكومة عثمان خير بك.
خاتمة، وجه آخر للقيادة
شخصية الشيخ حسين الأحمد، عالم كلام صاحب مشروع عقدي متكامل شيد المذهب بردوده على خصومه، ومرب يضع أدب المريد مع شيخه في صدارة وصاياه، وناسك يصوغ لإخوانه أدعية ساعاتهم، وأديب يكتب المقامات على نمط الحريري ويجمع المعاجم، ومصلح أخلاقي جعل اقتلاع الحسد والبغي والعصبية أساس كل إصلاح. وفوق هذا كله، رجل وقع شعره ببيت يقول إنه إنما يحيا لنشر الحب.
العلاقة بينه وبين إسماعيل، تجاورا بين نمطين من السلطة في لحظة واحدة. سلطة السيف والإدارة عند إسماعيل، وسلطة العلم والإصلاح عند الشيخ حسين. حاولت الأولى أن تضبط الجبل من خارجه بالقوة، وحاولت الثانية أن ترممه من داخله بالألفة. وكلتا المحاولتين تقيس عمق الأزمة التي عاشتها المنطقة، وتومئ إلى أن الحل الحقيقي كان يحتاج إلى الاثنتين معا. فلا القوة وحدها أنقذت إسماعيل من رأس قطعه قريبه ليلا، ولا الكلمة وحدها أبقت رابطة حسين بعد رحيل روادها فانقطعت في عهد الأحفاد. وفي هذا التجاور، بين سيف لم يصنع تماسكا وكلمة لم تجد من يحملها بعد صاحبها، تكمن مأساة جبل بأكمله في قرن واحد.
--------------------------------------------
المصادر والمراجع
1. حرفوش، حسين ميهوب. خير الصنيعة في مختصر تاريخ غلاة الشيعة. مخطوط، الأجزاء الثاني والثالث والرابع والخامس.
2. حرفوش، إبراهيم. المستدرك في خير الصنيعة.
21. الشيخ حسين الأحمد. شرح القصيدة الفائية للشيخ الحسين بن حمدان الخصيبي.
22. الشيخ حسين الأحمد. الوصية الموسومة بدرة الصفد في ترك البغي والحسد، وترد أيضا بصيغة: درة الصفد في ترك الغضب والحسد.
23. الشيخ حسين الأحمد. المقامات الحسنى ومجمع البحرين الأقصى والأدنى.
24. الشيخ حسين الأحمد. خاتمة وأشعار.
25. القاضي، علي حسن، المعروف بعلي بدرة. تذكرة الأفكار بذكر السادات الأبرار المؤمنين الأخيار. مخطوط، ألف سنة 1296هـ.
26. الخطيب، يوسف علي. النسب الشريف.
27. القلع، أحمد علي محمد. الرسالة الأحمدية في إقامة الأركان الإسلامية.
28. وثيقة إلغاء العشائرية المنسوبة إلى سنة 1271هـ، منقولة عن مخطوط عبد الهادي حيدر.
29. الشملي، محمود عباس. مخطوط عن حياة إسماعيل خير بك وابنه هواش. 196 صفحة، بحسب إحالة إيفيت تلحمي.
30. الخازن، فيليب، والخازن، فريد. مجموعة المحررات السياسية والمفاوضات الدولية عن سورية ولبنان من سنة 1849 إلى سنة 1910. بيروت، 1984.
31. حسن، إياس أحمد. الحركة الإصلاحية عند العلويين من خلال قراءة تراجم شيوخهم في القرن التاسع عشر: مقاربة بروسوبوغرافية. الدوحة وبيروت، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2025.
32. صقر، منير عبد الحميد. تاريخ صافيتا في العهد العثماني 922-1337هـ / 1516-1918م. دمشق، دار العراب للدراسات والنشر والترجمة، 2011.
33. هواش، محمد. عن العلويين ودولتهم المستقلة. الدار البيضاء، الشركة الجديدة للمطابع المتحدة ودار النشر للتاريخ الحديث، الطبعة الأولى، 1997.
34. هواش، محمد. تكون جمهورية: سورية والانتداب. طرابلس، مكتبة السائح، 2005.
35. هواش، محمد. هواش خير بك: نضال الحكم الذاتي السوري.
36. آل معروف، إميل عباس. تاريخ العلويين في بلاد الشام منذ فجر الإسلام إلى تاريخنا المعاصر. طرابلس، دار الأمل والسلام، 2013.
37. خونده، محمد. تاريخ العلويين وأنسابهم. بيروت، دار المحجة البيضاء، 2004.
38. الخير، عبد الرحمن. يقظة المسلمين العلويين. نشرت على حلقات في مجلة النهضة، طرطوس، 1937-1939، ثم جمعها هاني الخير في كتاب.
39. الحاج، عبد الرحمن. البعث الشيعي في سورية بين 1919 و2007.
40. بشور، وديع. تاريخ صافيتا ومنطقتها. دمشق.
41. حيدر، أحمد محمد. الحيرات. طرابلس، دار الشمال للطباعة والنشر والتوزيع، 1991.
42. بهجت، محمد رفيق، وتميمي، محمد بهجت. ولاية بيروت، القسم الشمالي، ألوية طرابلس واللاذقية.
43. Capar, Ali. The Nusayri-Alawis of Ottoman Syria, 1831-1876. Unpublished thesis, University of Arkansas, Fayetteville, 2013.
44. Capar, Ali. Ismail Hayr Bey Isyani Isiginda Osmanli-Nusayri Iliskileri. Turk Kulturu ve Haci Bektas Veli Arastirma Dergisi, no. 91, 2019, pp. 43-64.
45. Talhamy, Yvette. The Nusayri Leader Isma'il Khayr Bey and the Ottomans (1854-58). Middle Eastern Studies, vol. 44, no. 6, 2008, pp. 895-908.
46. Talhamy, Yvette. Conscription among the Nusayris ('Alawis) in the Nineteenth Century. British Journal of Middle Eastern Studies, vol. 38, no. 1, 2011, pp. 23-40.
47. Talhamy, Yvette. American Protestant Missionary Activity among the Nusayris (Alawis) in Syria in the Nineteenth Century. Middle Eastern Studies, vol. 47, no. 2, 2011, pp. 215-236.
48. Talhamy, Yvette. The Nusayri and Druze Minorities in Syria in the Nineteenth Century: The Rebellion against the Egyptian Occupation as a Case Study. Middle Eastern Studies, 2012.
49. Winter, Stefan. A History of the Alawis: From Medieval Aleppo to the Turkish Republic. Princeton: Princeton University Press, 2016.
50. Winter, Stefan. The Alawis in the Ottoman Period.
51. Winter, Stefan. La Révolte Alaouite de 1834 contre l'occupation égyptienne: perceptions alaouites et lecture ottomane. Oriente Moderno, vol. 79, no. 3, 1999, pp. 61-71.
52. Winter, Stefan. The Rediscovery of Samuel Lyde's Lost Nusayri Kitab al-Mashyakha (Manual for Shaykhs). Journal of the Royal Asiatic Society, vol. 23, no. 4, 2013, pp. 449-468.
53. Dussaud, René. Histoire et Religion des Nosairis. Paris, Librairie Émile Bouillon, 1900.
54. Jabbour, George. Safita et son environnement au XIXe siècle. ضمن: Histoire économique et sociale de l'Empire ottoman et de la Turquie. Paris/Leuven, 1995.
55. Lyde, Samuel. The Ansyreeh and Ismaeleeh: A Visit to the Secret Sects of Northern Syria; with a View to the Establishment of Schools. London, Hurst and Blackett, 1853.
56. Lyde, Samuel. The Asian Mystery: Illustrated in the History, Religion, and Present State of the Ansaireeh or Nusairis of Syria. London, Longman, Green and Roberts, 1860.
57. Walpole, Frederick. The Ansayrii and the Assassins: With Travels in the Further East, 1850-51. London, Richard Bentley, 1851.
58. BOA, A.AMD 83/17, 13 July 1858.
59. BOA, HR.MKT، ملفات مراسلات خارجية متعلقة بإسماعيل خير بك واضطرابات صافيتا.
60. BOA, MVL، ملفات مجلس والا المتعلقة بإسماعيل خير بك وصافيتا.
61. BOA, I.DH 409/27058.
62. FO.195/587، Mercer to Moore، Beirut، 26 October 1858.
63. FO.195/587، Moore to Mercer، Beirut، 27 October 1858.
64. FO.78/1386، Mercer to Moore، 22 November 1858.
65. FO.195/587، Moore to Malmesbury، Beirut، 23 November 1858.
66. FO.78/1116، Lyde to Moore، September 1855.
67. AE, Consulat de France à Damas, Côte No. 15, Max Outrey, Damas, 24 octobre 1858.
68. AE, Consulat de France à Damas, Côte 10, No. 77, Max Outrey, Damas, 28 octobre 1858.
69. AE, Consulat de France à Damas, Côte 10, No. 78, Max Outrey à Shouvenel, Damas, 13 novembre 1858.
70. سجلات المحكمة الشرعية في طرابلس، خاصة ما يتعلق بتسلسل ملتزمي صافيتا ومديري قضائها.