نصر بن معالي الخرقي.. الجزء الثالث - القسم الثاني
2026.09.25
سيمون خالد علي
اثنتا عشرة مسألة تكشف عقل الرجل (2/2)
التاسعة، الكل والجزء والمقولات وموقع الذات. (سؤاله عن غاية الكل هل يتجزأ، وعن الجزء هل ينقسم، وعن الكمية والكيفية والماهية والهوية، وهل الذات خارجة عن هذه الحدود أم لا؟). والمسار محكم، التركيب، ثم أوصاف الموجود، ثم حقيقة الشيء وتشخصه، ثم موقع الذات من ذلك كله. والسؤال الأخير هو الذي يجعل المسألة مسألة، إن أخضعت الذات لهذه الحدود صارت واحدا من الأشياء، وإن أخرجت منها فبأي شيء يتكلم عليها؟
وهي من أقوى المسائل ثبوتا للفظ نصر، لأن أحمد يخاطبه فيها بضمير المخاطب مرتين، (قولك، هل يتجزأ؟ إنما معناه هل ينفعل التجزؤ فيه)، ثم (وقولك عن الجزء، هل ينقسم؟). وفي الثانية يرد السؤال إلى لفظه فيجعل الجواب داخله، (فقد ظهر وتبين من قولك أنه منقسم، وكل شيء هو جزء من كل فهو قابل للانقسام، لأن الجزء هو المنقسم من مثله). أي إن تسميته (جزءا) تتضمن انقسامه، فالسؤال يحمل جوابه.
ثم يبني برهانه، التجزؤ انفعال الانسلاخ والانقطاع، (وهذه هي المقولة التاسعة من المقولات العشر المذكورة في كتاب المنطق)، (فتقول بطريق الميزان، إن كان غاية الكل متجزئا فله علة تجزئه...). والرقم ، والمشابهة مع (مفاتيح العلوم) للخوارزمي أوسع من رقم المقولة وحده، يجعل الخوارزمي (ينفعل) المقولة التاسعة و(يفعل) العاشرة، ويعرف الانفعال بقبول أثر المؤثر، ويستعمل في شرح الزوج مثال (القطع والانقطاع)، ويقابل ذلك عند أحمد (ينفعل التجزؤ) و(منفعل الانسلاخ والانقطاع). فالاشتراك يجمع ترتيب المقولة وجذر الانفعال ومعجم الانقطاع. وهذا يضع تعليم أحمد داخل فرع عربي محدد المعالم من شرح المقولات. ثم يعرف الكمية والكيفية والماهية والهوية، ويخرج الذات من الجميع، لا هيئة ولا كيفية ولا جنس ولا فصل ولا حد (49).
والإحالة إلى (كتاب المنطق) و(طريق الميزان) في الجواب ، فالأسوس يخصص حوارا لـ(ميزان الحق من الباطل)، ويفرق بين ميزان الظن الذي يفسد وميزان الوهم الذي يتغير وميزان الحق الذي يثبت، ثم يجعل من أول الوزن إثبات القديم قبل المحدث كسبق الميزان لما يوزن به. فثمة برنامج وزن كلامي استدلالي داخل كتاب يصرح أحمد باستعماله في مسائل أخرى، وهذا يفسر بيئة العبارة ، والمثبت أن منطق أحمد العقلي والنقلي أقل انفصالا مما توحي به أسماء الكتب وحدها. (49).
وتزداد هذه القرينة قيمة عند وصلها بالمسألة التالية. فالتعليم العربي الذي يصوره الخوارزمي يرتب المدخل المنطقي لفرفوريوس، الذي يبحث في الجنس والنوع والفصل والخاصة والعرض ثم قاطيغورياس (كتاب المقولات لأرسطو، الذي يقسم أحوال الموجودات إلى مقولات مثل الجوهر والكم والكيف والفعل والانفعال )، وتحفظ العربية القديمة للمدخل المنطقي لفرفوريوس حدا للعرض بأنه ما يمكن أن يوجد للشيء الواحد بعينه وألا يوجد. أما أحمد فيستدعي في التاسعة (ينفعل) كمقولة التاسعة، ثم يستعمل في العاشرة تعريفا للعرض يقوم على جواز كونه وعدم كونه. فالقرينتان المتتاليتان تكشفان خلف أجوبته بنية تعليم منطقي على ترتيب المداخل والمقولات. (49).
العاشرة، هل المعنى عرض أم جوهر؟ (وما العرض؟ وما الجوهر؟ وهل هو الحق أم الباطل؟). ومن هنا تظهر طريقة السائل في أوضح صورها، يأخذ لفظا مركزيا في معجمه العقدي (المعنى) ويضعه تحت شبكة تصنيفية لم توضع له، فيولد مأزقا ثلاثيا، إن كان جوهرا فهو ذات محدودة قائمة، وإن كان عرضا فهو محتاج إلى محل حادث قابل للزوال، وإن خرج من القسمين وجب بيان كيف يوجد ويعرف.
وتقوى نسبة نواة السؤال إليه لأن أحمد يعيد جزءا منه حرفيا، (وقوله، ما العرض وما الجوهر؟). ويجيب بنفي القسمين معا، لا يجوز أن يكون المعنى عرضا لأن العرض محتاج إلى ما يقوم به وإلا كان معدوما، ولا جوهرا يقبل الأعراض المتعاقبة عليه فيكون قابلا للأضداد. ثم يورد الحدود منسوبة إلى سلطات مختلفة يحرص على تسميتها، (فالعرض هو ما احتاج في وجوده إلى محل لولاه كان معدوما، وعلى رأي الفيلسوف هو القائم بغيره. وأما الجوهر فهو على رأي أصحاب الأصول... وقيل، هو ما يمنع وجوده وجود غيره، وهو القائم بنفسه. وقال العالم في كتاب الأسوس، الجوهر ما ليس له عقب ولا يعقبه شيء آخر، والعرض ما يكون له عقيب، وهو ما يجوز أن يكون ويجوز أن لا يكون، كالحركات والألوان والطعوم). ثم يقرر أن الوجود بأسره جواهر وأعراض ما خلا ذات القديم.
ويقرأ فرع الجنيدي هذه الفقرة على وجه مستقيم، إذ تقع (الحركات والألوان والطعوم) في تعريف العرض حيث تنبغي، بينما تقع في الطريق الآخر في حيز الجوهر، فالاضطراب في أحد الطريقين ، فحين يعيد الجنيدي حد العرض المنسوب إلى (الفيلسوف) يعيده بصيغة أخرى، (وعلى رأي الفيلسوف هو ما وجوده في موضوع)، وعليها وحدها يبني تعيينه، (فالفيلسوف ههنا أرسطو القائل، إن الجوهر هو ما لا يحل في موضوع). والصيغة الثانية هي عبارة المقولات المعروفة في العربية، والأولى أقرب إلى معجم أهل الكلام. فالتعيين المتأخر قام على قراءة ليست قراءة المتن الذي يشرحه، وهذا يضعفه بدل أن يقويه، ويؤكد أن (الفيلسوف) في نص أحمد يبقى فردا غير مسمى (50).
فالحد الذي ينسبه أحمد إلى الأسوس يقوم على ثنائية الجوهر والعرض، بينما يقرأ الشاهد الباريسي للكتاب في هذا الموضع ثنائية أخرى، لكل جوهر صفات وهيئات، فالهيئة ما ليس له عقيب، والصفة ما له عقيب، ثم يتابع النص ما يجوز أن يكون وألا يكون مع أمثلة الحركات والألوان والطعوم. والجنيدي نفسه يقتبس الأسوس مباشرة في هذه الصفحة بصيغة الهيئات والصفات، ويشرح (العقيب) بأنه ما يتولد من الشيء من ذاته لا ما يأتي بعده، ثم ينقل من موضع آخر من الكتاب حوارا بين (السائل) و(العالم) في الفرق بين الجوهر المخلوق والجوهر القديم. فالصيغتان قائمتان جنبا إلى جنب داخل شاهد واحد ، ولا يعرف من أي طريق وصل الكتاب إلى الشارح. ومعنى ذلك أن الفارق ليس أثرا لتحرير حديث ولا لانحراف ناسخ متأخر في نقل الأجوبة، فقراءة الهيئة والصفة مثبتة في الشاهد الخام، ومثبتة كذلك عند قارئ من داخل الطائفة ينقل النصين معا (50).
ولهذا لا تبقى فرضيات المسألة متساوية. تضعف عمليا فرضية أن محرر النشرة الحديثة هو الذي حول (الجوهر،العرض) إلى (الهيئة،الصفة)، وتقوى بدلا منها فرضية تركيب تعليمي عند أحمد أو في مستوى قريب من أجوبته، (العقيب) من الأسوس، وثنائية الجوهر والعرض من كتلة أخرى في الكتاب نفسه تفصل الجوهر البسيط والمركب والعرض اللازم والمفارق والمكتسب الإضافة، وحد إمكان العرض من المدخل. وتبقى فرضية فرع مخطوطي آخر للأسوس ممكنة، كما يبقى التحول في طريق نقل الأجوبة ممكنا، لكنهما لم يعودا لازمين لتفسير النص (50).
وتتفق هذه الصورة مع طريقة أحمد المعلنة في الفقرة نفسها، فهو يصف (رأي الفيلسوف)، و(أصحاب الأصول)، و(قيل)، ثم (قال العالم في كتاب الأسوس). أي إنه يقارن حدودا مدرسية مختلفة ويعيد ترتيبها لخدمة جواب عقدي. لذلك لا يعين (الفيلسوف) بأرسطو أو ابن سينا، ولا (أصحاب الأصول) بمدرسة مخصوصة، ولا يثبت أن (كتاب المنطق) هو الأسوس أو (مفاتيح العلوم)، وإنما يظهر مجيب يشتغل داخل مكتبة تتجاور فيها المواد العقدية والمنطقية. ولا يجيب أحمد عن (وهل هو الحق أم الباطل)، فيبقى مرجع الضمير غير محسوم (50).
الحادية عشرة، الباطن والظاهر واللفظ والإدراك. أطول مسائله بعد الأولى وأكثرها بنودا، ما الباطن وما البطون؟ وما الظاهر وما الظهور؟ وكيف معرفة الحقيقة باللفظ المشار به إلى الباطن وبطونه وإلى الظاهر وظهوره؟ وأين اللبس فيه؟ والظاهر لمن، والباطن عمن؟ وكيف وجود ذلك؟ وأين نجده؟ وبم نجده؟ ومن الذي يجده؟ وأين موجوده؟ فينتقل من ماهية الحقيقة إلى شروط معرفتها، ثم إلى أداة المعرفة، ثم إلى صاحبها، ثم إلى موضعها، و لمن تظهر الحقيقة وعمن تبطن.
وهذه من أقوى القرائن في الصحيفة على أصل كتابي وراء الجواب، لأن أحمد يعود إلى بنودها بالتتابع في سبعة مواضع على الأقل، (وقوله، كيف نعرفه...)، (وقوله، الباطن عمن والظاهر لمن؟)، (وقوله، الظاهر على الإطلاق...)، (وقوله، وكيف وجود ذلك؟)، (وقوله، بم نجده)، (وقوله، من الذي يجده)، (وقوله، وأين نجده). ثم يفعل ما هو أدل من ذلك، يعامل عبارة السائل محتملة لأكثر من معنى فيقسم الجواب على الاحتمالات، (إن أراد الشيخ حرسه الله بالباطن الذات، فلا يجوز أن تقول عمن، فيكون مستفادا من غيره، وإن أراد بالباطن باطن الشرائع فهو عن الذات)، ثم، (وإن أراد الشيخ حرسه الله بقوله الباطن عمن بطن والظاهر لمن ظهر، قلنا له، إنه بطن عن الجميع وظهر للجميع). فهذا مجيب يشتغل على نص مكتوب ذي بنود محددة يحتمل وجوها، لا على سؤال شفهي يستوضحه.
وجوابه في ذاته من أنضج ما في الصحيفة. يعرف الباطن بالغيب الذي لا يوصف ولا يدرك، والظاهر بالصورة التي تشاهد وترى. ثم يبني حجة في مقدمات الإدراك، الكيف عرض، والعرض لا يوصل إلى الجوهر إلا بجوهر يحمله، والحقيقة ليست معروفة بالحس فهي معقولة، والعرض المعقول لا يحمله جوهر محسوس، فلا بد له من جوهر معقول مثله هو النفس الإنسانية. ثم يرسم سلسلة انتقال المعرفة، ما تستفيده النفس من علتها يحصل بالفعل بعد أن كان بالقوة، فتميزه بالقوة الفكرية وتحفظه، وينطبع في الخيال انطباع المحسوس في المرآة، والخيال واسطة بين الروحاني الذي هو العقل والنفس وبين الجسماني الذي هو القلب، فيصير القلب أول الجسمانيات، واللسان كالعقل المؤدي ما يتلقاه، والكلام كالنفس الكلية التي تمد النفوس الجزئية، والمستمعون كالنفوس الجزئية القابلة بقدر قواها. ثم يعقب، (فكان كما قال السيد الخصيبي نزه الله شخصه في رسالته، إن القلب كالمعنى، واللسان كالاسم، والكلام كالباب).
والمنسوب صراحة إلى الخصيبي هو التشبيه الثلاثي، غير أن نسبة البناء المحيط به كله إلى أحمد لا تستقيم، فوراءه جيلين أقدم منه. الأولى عقدية معرفية في حلقة بغداد، يجعل تقرير مجالس الجسري سنة 340هـ معرفة الاسم والمعنى شرطا للعبادة، ويجعل إدراك المرتبة الأعلى ممكنا بواسطة الأدنى من غير فاصل، ويصف الباب الأخير بأنه باب الوجود المفتوح للعارف، وتحفظ (مسائل) الصائغ إلى الخصيبي قاعدة أدق تجعل التوحيد في عبادة المعنى بحقيقة الاسم. فوظيفة الاسم طريقا إلى المعنى، ووظيفة الباب مدخل المعرفة، ثابتتان في طريقة أقدم من أحمد بقرون. والطبقة الثانية تشبيهية، ففي (فقه الرسالة الرستباشية) نواة قلبية لسانية خطابية واضحة، إذ يلقي الفؤاد إلى اللسان فينطق، ويكون اللسان معبرا مترجما، ويقابل اللسان بالاسم والخطاب بالباب، مع تقرير وحدة المادة بين القلب واللسان. وما يميز جواب أحمد جمعه هاتين الطبقتين داخل سلسلة نفسية أوسع تبدأ من العقل والنفس وتمر بالقوة الفكرية والخيال وتنتهي إلى المستمعين. (51).
ثم يجيب عن (أين نجده) بقياس على النفس والجسد، بأربعة إبطالات متتابعة، (إن وجوده كما تجد نفسك مع ضعفها، فإنها لا خارجة عن الجسد ولا داخلة فيه، ولا متصلة ولا منفصلة، لأنها لو كانت خارجة لم يكن فرق بين الحياة والموت، ولو كانت داخلة بطلت الجوارح الظاهرة، ولو كانت متصلة ونقص عضو واحد من الجسم نقصت بنقصانه، ولو كانت منفصلة لم يكن زيد أحق بها من عمرو). وهو المنطق نفسه الذي استعمله في الرابعة نفي الداخل والخارج معا ثم إثبات نسبة ثالثة منقولا من الإلهيات إلى النفس. وينسب في الباب نفسه إلى أمير المؤمنين صيغة تنزيهية معروفة، (إن قلت متى فقد سبق الوقت ذاته، وإن قلت أين فقد تقدم المكان وجوده، وإن قلت قبل فالقبل بعده، وإن قلت كيف فقد احتجب عن الوصف ذاته)، ويسجل الفرع نفسه قراءة أخرى في الوحدة الرابعة، (وإن قلت بعد). والقراءة الأولى هي التي يشهد لها التقليد الأقدم لهذه الصيغة، وأما (بعد) فالأرجح أنها نشأت بانجذاب اللفظ إلى (فالقبل بعده) في الجملة السابقة (52).
الثانية عشرة، دوام الإبداع والهيولى والرجوع. يختم بثلاثة أبواب في سؤال واحد، (عن المبدع الأول، هل انقطع إبداعه أم هو دائم الإبداع؟ وما حقيقة الهيولى الأعلى والأدنى؟ وهل يرد العبد على مولاه؟).
ويجيب أحمد بأن إبداع المبدع الأول لا يوصف بالانقطاع ولا بإبداع ثان غير الأول، (إذ كان الإبداع نورا كاملا وخيرا شاملا لا نقص يعتريه، وهو علة العالم بما فيه، وذلك المعلول واجب لوجوب علته... والإبداع هو نوره، ونوره لا ينقطع)، ويعلل بقاعدة صدور الواحد عن الواحد، ويمثل بالسراج الذي نوره موجود بوجوده ولا ثاني له. ثم يقسم الهيولى، الأدنى الطبائع التي منها يتكون عالم الكون والفساد، والأعلى هيولى طبائع النفوس الفلكية، ثم يوسع اللفظ مجازا فيطلقه على العقل لأنه أصل الموجودات، ثم على الحق الأول بوصفه (هيولى الهيولات) لأنه أصل الأصول، ويسند ذلك إلى كتاب التوحيد، (هيولى الهيولات، وأس الحركات، وصانع الآلات).
نصر يسأل عن (الهيولى الأعلى والأدنى) بصيغة الاثنين، فيعرف أن اللفظ ذو مرتبتين ويطلب حقيقتهما و ليس تعريف الهيولى مطلقا. وعند ضم هذه المسألة إلى السادسة تظهر حركة في اللفظ نفسه داخل عقل أحمد، في السادسة الهيولى حامل ثابت تقبل عليه الصور فتتبدل الأسماء بتبدلها، وفي الثانية عشرة تتدرج من الأدنى والأعلى إلى إطلاق مجازي على العقل ثم إلى أصل الأصول. وهذا سلم في توسيع اللفظ عند المجيب.
ثم يأتي أوضح موضع يعيد فيه أحمد لفظ السائل ليحكم عليه، (وقوله، وهل يرد العبد على مولاه؟ ... قول مهمل، والجواب عنه، نعم يرد العبد على مولاه إذا كان عاصيا، ولا يرد العبد على مولاه إذا كان طائعا، لأن إطلاق العبد يقع على العاصي والمطيع). فالنقد نقد إطلاق لا نقد رأي، اللفظ يصدق على قسمين، فالسؤال عنه بغير تعيين سؤال ل وهي الحركة نفسها التي فعلها مع (الإنسان) في السابعة.
ويستشهد في هذه المسألة ببيتين للخصيبي في الهيولات، ثم ببيت ينسبه إلى أبي الحسن علي البغدادي، (هو الهيولى وكل الخلق صورته / فالكل بالكل منه عنه جزئي). واختياره يقع على بيت الهيولى بعينه فيخدم السؤال مباشرة، وهذا يثبت معرفته بالبيت ونسبته إلى البغدادي.
الأنماط التي تظهر عند قراءة المسائل معا
قراءة المسائل واحدة واحدة تعطي اثني عشر ملخصا، أما قراءتها معا فتكشف عادات متكررة في الطرفين.
أظهر عادة عند نصر أن يصوغ المشكلة قسمة حاصرة ثم يطلب المفاضلة، ثمانية احتمالات في الأولى، وثنائية حرف الجر في الرابعة، وسداسية الأكوان في الثالثة، وقائمة الحدود المنطقية في التاسعة، وثنائية الجوهر والعرض في العاشرة، وسلسلة الاستفهامات في الحادية عشرة. فهو يسأل (أيهما) أكثر مما يسأل (ما هو)، وحين يسأل (ما) أتبعها بمقابل أو بشرط. وقسمته ليست محايدة دائما، ففي الثانية يصادق المجيب على آخر احتمال طرحه بنصه، وفي الأولى على صورة معدلة من أحد احتمالاته بعد أن يقلب جهة الإضافة فيها. لذلك لا تبدو أسئلته كلها أسئلة جهل محض، ففي بعض المواضع يضع داخل السؤال احتمالا يثبته المجيب أو يصححه.
وعادته الثانية أن يضع أنظمة اصطلاحية مختلفة في تماس ثم يسأل عن أثر أحدها في الآخر. أوضح ذلك في العاشرة حيث يضع (المعنى) العقدي تحت ثنائية الجوهر والعرض، وفي الثانية عشرة حين يسأل عن (العبد) داخل مسألة الرجوع، وفي الثالثة حين يجمع بين منظومة الأكوان وسؤال النطق. ولا يلزم من ذلك أنه ينقل مصطلحا تقنيا معلوما من حقل إلى حقل في كل مرة، الأدق أنه يميل إلى اختبار حدود الأنساق المتجاورة عنده.
وعادته الثالثة حساسيته لصغار الألفاظ وللعلاقات، حرف الجر في الرابعة، واختلاف الاسمين على أصل واحد في الثانية، ونوع المعرفة التي بها تقع الأسماء و ليس مدلول الأسماء في السادسة، ونسبة الظهور إلى من يظهر له في الحادية عشرة.
وأظهر عادة عند أحمد أنه يفحص السؤال قبل أن يجيبه، يرد اللفظ المهمل حتى يعين، ويحكم على السؤال بالتكرار، ويقارنه بمسألة بعيدة عنه في الترتيب، ويصحح جهة الإضافة في عبارة السائل، ويقسم الجواب على احتمالات مراده. وليس هذا تعاليا، فهو يسميه الشيخ ويدعو له، لكنه يعامل الصياغة نفسها مادة للفحص.
وعادته الثانية أن مخرجه من القسمة الحاصرة يأتي في أكثر المواضع من نص أو سلطة يستدعيها، وأدل مثال على ذلك المسألة الثالثة، حيث يتبين أن الحد الذي بدا زائدا على تقسيم السائل قائم في الأصل الذي انبنى عليه الشرح الذي أحال إليه. والأهم أنه يحتفظ داخل أجوبته ببطاقات مختلفة لما يجمعه، (العالم في الأسوس)، و(رأي الفيلسوف)، و(أصحاب الأصول)، و(قيل)، ويصرح في الخامسة بأن الرأي الفلسفي موافق للقول المنسوب إلى الصادق. ولا تنتظم هذه البطاقات في ثنائية بسيطة بين ديني وعقلي، (العالم منه السلام) صوت مبجل داخل كتاب من غير اسم شخصي، و(الفيلسوف) فرد غير معين، و(أصحاب الأصول) جماعة مدرسية، و(قيل) رأي مجهول. فالتعيين الشخصي ونوع السلطة وصيغة التبجيل محاور مستقلة في منطقه، ولذلك نرى آلية مقارنة بين سلطات. ويتصل بهذا مسار جعفري يجب فصله عن الخصيبية وعن الأسوس، (الأشباح والأظلة) في الثانية، و(رسالة الجان والجن) في الثامنة. واجتماع العنوانين يثبت مسارا في منطق استشهاده، ولا يثبت أنهما كانا في مجموعة مادية واحدة ولا أن نصر عرف أيا منهما.
وتقدم السادسة والحادية عشرة والعاشرة أوضح تطبيق لعبارته (السماعي مشوبا بالعقلي). ففي السادسة يأخذ قاعدة موروثة في حدوث الاسم بحسب ما يقع عليه، داخل حقل أقدم يجعل الاسم واسطة معرفة للمعنى، ثم يعيد تفسيرها بالهيولى والصورة والتخيل. وفي الحادية عشرة يبدأ من بنية عقدية أقدم تجعل الاسم طريقا إلى المعنى والباب مدخلا إلى المعرفة، ومعها سابقة رستباشية تربط القلب واللسان والخطاب، ثم يركب حولهما علم نفس تفصيليا. وفي العاشرة يأخذ حدا من الأسوس يعيد تركيبه داخل ثنائية الجوهر والعرض ويجاوره بحد منطقي للعرض. فالعقلي عنده جهاز يعيد ترتيب المادة الموروثة ويشرح علاقاتها، والمسألتان الأوليان متعاكستان في الاتجاه ومتكاملتان في الوظيفة، إحداهما تشرح تشكل الاسم عند الظهور من الحامل إلى الصورة إلى الاسم، والأخرى تشرح انتقال المعنى إلى اللفظ عند التلقي من المعقول إلى النفس إلى اللسان إلى المستمع.
وعادته الثالثة أنه يقرأ الصحيفة نظاما و ليس مسائل متفرقة، يحيل الخامسة على الأولى، ويصل السابعة بالأكوان الستة في الثالثة، ويستعمل في الحادية عشرة المنطق البرهاني نفسه الذي استعمله في الرابعة.
يضيق ما تقدم دائرة الاحتمال في وصف النص نفسه. فهو يقدم نفسه (مسائل وردت من بلدة جبلة من الشيخ نصر بن معالي الخرقي)، ويقول المجيب إنه (وقف على مسائل منه)، وينتقل السؤال الأول إلى خطاب مباشر. فأقوى ما فيه أن المجيب يعيب تركيب صياغات يصعب أن يكون هو واضعها ثم عائبها، ويقارن مسألة بمسألة، ويقسم على احتمالات المراد، ويخاطب صاحبها بضمير المخاطب. فالأرجح بقوة أن وراء الجواب صحيفة مكتوبة وصلت من جبلة.
ولا يعني ذلك أن ما بين أيدينا ورقة نصر كما خرجت من يده. فعبارات مثل (المسألة الخامسة) و(وسؤاله حرسه الله) تتحدث عنه بضمير الغائب وتدعو له، فهي غلاف تحريري من أحمد أو من بطانة قريبة منه. ثم إن أحمد يصرح بأنه اختصر، (على أن مسائل الشيخ حرسه الله بجميعها مطلقة تحتمل أضعاف ما ذكرناه، وإنما اختصرنا لئلا يطول الكتاب). ولفظ (مطلقة) يفهم هنا بمعنى واسعة الاحتمال أو غير مقيدة بما يحصر وجوه الجواب، من غير أن يبنى على مساواته بـ(مهمل) الذي استعمله في مواضع أخرى. والثابت أن المجيب يرى أن الأسئلة تحتمل أكثر مما اختار أن يذكره، وهو حكمه على صياغتها .
فأمامنا السؤال، والجواب، والنقل والتحرير اللاحق بما فيه من عنونة وترقيم وشرح، ولا نعرف مقدار ما يرجع من الثالث إلى أحمد نفسه. ونظير ذلك قائم في البيئة نفسها، إذ يختلف ترقيم مسائل (الدلائل) للطبراني بين شهوده، فيتبين أن منطق الترقيم في هذا الجنس قابل للتغير في النقل، فهو سبب كاف لوزن العنوان والترقيم وألفاظ التقديم على حدة، وعدم مساواتها بلفظ السؤال الذي يعيده المجيب ويناقشه.
ولا يقول النص إن الرجلين التقيا، ولا إن نصر تلميذ لأحمد، ولا أين كتب الجواب. الذي يقوله إن مسائل وردت، وأن رجلا وقف عليها فأجاب. وإذا أريد للوثيقة اسم نقدي لا يحمل أكثر مما تثبته، فالأدق، صحيفة مسائل نصر بن معالي الخرقي وأجوبة عماد الدين الغساني عنها، المؤرخة سنة 598هـ (54).
الصورة الأخيرة
بعد فصل الأسئلة عن أجوبتها، ماذا نستطيع أن نقول بثقة عن طريقة نصر بن معالي الخرقي في القراءة والتفكير والسؤال؟
أول ما يثبت أن قراءته موضعية، يسمي صاحب القول والوسيط الذي حمله والكتاب والفصل بالرقم، ويستعمل في تسمية المؤلف اللقب الذي يعرف به الكتاب نفسه صاحبه. وهذه دقة تنم عن تركيز. وهي في الوقت نفسه لا تثبت نسخة في يده، فمادة الكتاب كانت تتداول أيضا ملحقة بأصلها، والفصل الذي عينه لا يحمل كل المقدمة التي بنى عليها. فالمثبت وصول نصي دقيق إلى موضع بعينه.
والثاني أنه يصنع من الاحالة مشكلة. في المسألة الثالثة يواجه مادة تجعل الأكوان إطارا للتجلي، ومعها في نظرية تركيب منها، فيسأل عن النطق، ولا تصل تلك النصوص الكون السابع بالنطق، وجواب أحمد يسترجع مادة قائمة في الرسالة ثم يمد حكمها إلى سؤال النطق. فضل السائل في أنه عين الموضع الذي تسكت فيه المنظومة، وأن سؤاله هو الذي حمل المجيب على مد حكم النص إلى ما لا يغطيه. وهذا ما يفعله من يقرأ ليمتحن .
والثالث أن عاداته الثلاث عرض البدائل، وحمل نظام اصطلاحي على آخر، والوقوف عند اللفظ والنسبة دون العين تعمل معا ، وأثرها واحد، أن يتحول ما ورثه من أخبار إلى مسائل في شروط القول والمعرفة. وحتى المسائل التي تطلب في ظاهرها خبرا عن أصل شيء لا تسلم من ذلك، فالثانية تنتهي إلى سبب اختلاف الاسمين وإلى حكم المجاز، والثامنة تقسم سؤالا واحدا عن أصل الخلق إلى سؤالين ليلزم المجيب بالتفريق.
ليس بين أيدينا جرد لمكتبة نصر ولا نسخة تحمل اسمه ولا إجازة ولا سماع. والنص الوحيد الذي يثبت أنه عرفه بعنوانه وفصله هو (البحث والدلالة في مشكل الرسالة). وأما الهفت والأسوس والأشباح والأظلة وكتاب التوحيد وكتاب المنطق ورسالة الجان والجن وشعر أبي الحسن البغدادي، فبين موازيات تكشف حقل الخطاب ومصادر يفتحها المجيب في جوابه.
واستعماله لفظ (الحد) استعمالا تقنيا يثبت قدرا من التكوين المنطقي ولا يجعله فيلسوفا، فالمنطق الفلسفي الواسع في الوثيقة العلل الأربع، والهيولى والصورة، والجنس والفصل، وأقسام الحركة، والشوق والتشبه، والمقولات وطريق الميزان منطق المجيب، إن ما تكشف عنه التاسعة والعاشرة من بنية تعليم منطقي متصل يزيد هذا المنطق رسوخا في جانب أحمد ولا يضيف كتابا واحدا إلى أفق نصر. إن أسئلته، بحكم مجيبه نفسه، مطلقة غير مقيدة، وبعضها مكرر، وبعض ألفاظها مهمل يحتاج إلى تعيين، وهذا نقد وجيه لا ينبغي إخفاؤه، وهو في الوقت نفسه ما يفسر خصوبتها، إذ السؤال المقيد يستدعي جوابا مقيدا، والسؤال المطلق يفتح على المجيب أن يستدعي من خزانته أكثر مما يطلب منه. ومن هنا جاء أن اثنتي عشرة مسألة قصيرة ولدت مصنفا.
بقي من نصر طريقة في التعامل مع ما يقرأ، تصلنا في اثنتي عشرة صيغة سؤال احتفظ بها رجل آخر لأنه اضطر إلى محاكمتها قبل الجواب عنها. وهذه هي صورته ، عقل في لحظة عمل رجل قرأ نصا، ووقف عند حده، فصاغ من ذلك الحد سؤالا وأرسله. وما وراء هذا الحد أفق محتمل.
وفي الجزء الرابع نعود من الأسئلة إلى الكتاب الوحيد الذي سماه نصر بنفسه وحدد فصله: البحث والدلالة للطبراني. سنقارن ما في ذلك الفصل بما صنعه نصر منه، لنميز بين ما نقله من نص سابق وما أعاد تركيبه في صورة سؤال جديد، ثم نحدد ما الذي كان في أفق نصر النصي، وما الذي دخل الصحيفة من خزانة أحمد الغساني.
.......الاجزاء 4_5_6_7 مؤجلة....