كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

المنطقة "الصناعية".. سوق حِرَفي منهك بالضرائب.. ممنوع من النمو

رزان عمران- طرطوس- خاص فينيكس

تحمل منطقة "طرطوس" الصناعية من اسمها نصيباً ضئيلاً. هي بالنسبة لغير الصناعيين مكان متطرف عن المدينة، يبدو متاهة من داخله، والعاملون فيه "يصلحون كل شيء" من مقبض الإبريق إلى القاطرات، في حين ينظر إليها آخرون كمن يرى منشأة سياحية، بشوارع وأرصفة عريضة ومساحات خضر، وهو انطباع سابق ساد خصوصاً بين أبناء المحافظات المترددين على "طرطوس" قبل الحرب، للعمل مع شركائهم أو صيانة سياراتهم أثناء الاصطياف. وحدهم العاملون بها، يعيشون مشاعر متناقضة، بين الامتنان لوجود عمل، بغض النظر عما إذا كان "سترة" أم لا، وبين الإحباط من واقع ذي مشكلات مركبة، تماماً كالضرائب التي يشعرون أنها تحاصرهم وتمنعهم من الإحساس بجدوى الإنتاج، فضلاً عن رفض العديد منهم الوصف الرسمي للمنطقة، لما يجره عليهم من تبعات تفوق طاقتهم.

 المدينة الصناعية طرطوس3 وفق إحصائيات اتحاد الحرفيين، تبلغ مساحة المنطقة 98 هكتاراً، بعدد منشآت يصل إلى 2038 منشأة، مازال الجرد فيها جارياً لإحصاء عدد المنشآت الحرفية والصناعية منها، حسبما أوضح عضو المكتب التنفيذي للاتحاد منذر رمضان في تصريح لـ"فينيكس" في ١٠-١-٢٠٢٢، مشيراً إلى أن عدد المنشآت الحرفية يفوق ما عداها حتماً، ويصل هذا الرقم في المنطقة الصناعية وخارجها ضمن المحافظة إلى 6250، مقابل 1300 صناعية، و24 منشأة تعمل بنظام عقود BOT. ترجح الكفة عددياً إذن للحرفيين، ومن هنا يأتي اعتراضهم الأول، إذ يتحملون بسبب توصيف المنطقة الصناعية العبء ذاته الذي يتحمله الصناعي صاحب رأس المال الأكبر، خصوصاً مع التفاوت بين عدد عمال هذه المنشآت، وهو 11 ألفاً في الحِرف، و4 آلاف في التصنيع. من هنا يتساءل عدد من الحرفيين عن "ذنبهم" في تسمية "المنطقة الصناعية" التي قد تحمل على السخرية من كونها منطقة صيانة أكثر منها مكاناً لصنع الأشياء من ألفها إلى يائها. فالصناعات الموجودة متوسطة تنتج أصناف النخب الثاني والثالث من الغذائيات والبلاستيك والنايلون والبلاط والرخام. 

مساواة مجحفة

بين محلات الحرف الخدمية كميكانيك وكهرباء السيارات، والتنجيد والنجارة والتصويج والدهان، يبرز "مقص الإسفنج" كأحد أقدم منشآت المنطقة. يشدد صاحبه "غياث محمود" على التفريق مستقبلاً في القوانين بين الحرفي والصناعي، ويقول لـ"فينيكس": تسميتها بـ"الصناعية" يشبه وصف "مقص الاسفنج" بـ"المعمل"، في حين أننا هنا لا نصنع الاسفنج بل نقصه، وهي مرحلة ثانية من التصنيع، أما معمل الاسفنج فيحتاج أقله إلى 3 دونمات".

تبدو المعامل التي تصنّع شيئاً من بدايته وحتى نهايته في المنطقة قليلة جداً، كمعمل كابلات النحاس والأنابيب البلاستيكية. لذا يرى "محمود" من الظلم أن تتم معاملة صاحب المصنع أو الشركة، كالحرفي الذي يمتلك أو يستأجر محلاً واحداً. يوضح: "لسنا مدينة صناعية كحسياء، والصناعي الذي قد يقيم معملاً بالمليارات، لا يتساوى مع الحرفي الذي يقترض خمسة أو عشرة ملايين لبناء ورشته".

امتلك حرفيو مدينة "طرطوس" محالاً ضمن المدينة قبل إلزامهم بنقل نشاطهم إلى المنطقة الصناعية عند إحداثها أواخر الثمانينات، يؤكد "محمود" أن الجميع تقريباً خاضوا المعاناة ذاتها باقتراضهم من المصرف الصناعي الذي يشترط التسديد خلال سنة أو اثنتين، في حين لا يكفي القرض والمدة إلا لبناء منشأة، دون عدة العمل، وقبل أن يبدأ الإنتاج والربح. هنا يفترض "محمود" وجوب منح هذه القروض دون فوائد، مع استحقاق السداد بعد فترة لا تقل عن خمس سنوات.

تمنع ضابطة البناء في المنطقة إقامة ملجأ أو الارتفاع بطابق جديد، مع مفارقة احتلال الشوارع والأرصفة والوجائب مساحات مبالغ فيها. يضيف "محمود": "تشكل المساحات الخالية 60 بالمئة من المنطقة، أي أنها صُممت على حساب المحلات. وعندما يحاول أحد التوسع يفاجأ بحجم الرسوم المترتبة على ذلك. في عام 2018 احترق محلي لامتداد النار إليه من ماس كهربائي ناتج عن ضغط استهلاك معامل البلاستيك المجاورة، فاستصدرتُ رخصة هدم، وأخرى لإعادة البناء، والمحل مرخص أساساً، وتضمنت الرخصة الجديدة إقامة ملجأ وطابق إضافي، فطالبتني الجهة العامة برسم تحسين بلغ يومها 13 مليون ليرة".

ذهنية العمل تحتاج تطويراً

تحتاج المنطقة توسعاً بعد تعاظم دورها الخدمي، لا سيما منذ قدوم الوافدين. عايش "محمود" المرحلة التي أثرت على بيئة العمل إيجاباً، وخلقت تنافساً لم تعرفه طرطوس كثيراً، فالنجار الطرطوسي بات يسرع إنجاز غرفة نومالمدينة الصناعية طرطوس1 لعلمه أن زميله الحلبي يمكن أن ينهيها خلال 20 يوماً، عدا ما طرأ على المنطقة من صناعات لم تكن موجودة، كتصنيع القاطرات والأنابيب البلاستيكية، فضلاً عن أن رغبة الوافدين بالعمل أعادت فتح محلات كان أصحابها قد أغلقوها لأسباب مختلفة، إما أنهم أنفقوا مالهم على شرائها دون توفر مبلغ إضافي لبدء العمل، أو بلغوا حدا من العمر يصعب معه الاستمرار، فيما نال أبناؤهم شهادات جامعية وأصبح العمل الحرفي "غير مناسب" لهم. النتيجة كانت تحول المنطقة إلى نقطة جذب من المحافظات بعد أن كان الأمر عكسياً. يضيف "محمود": "يحتاج الحرفي لمن يثقفه في أمور التسويق وتصريف الإنتاج وتنمية رأس المال بغير الطرق التقليدية التي اعتاد عليها. وجود وسائل التواصل الاجتماعي "ضرب" السوق أكثر، فثمة منافسة غير شريفة يتزاحم فيها الحرفيون الأقل كفاءة مع الحرفيين المهرة الذين لا يتقنون التسويق".

منتج بـ3 ملايين... والربح 100 ألف

يدير وافد من "إدلب" أحد معامل المفروشات في المنطقة، مغيّراً كارَه من تجارة الأدوات المنزلية الكهربائية قبل الحرب إلى مهنة لم يتوقع أن يعمل بها يوماً. ما زال يذكر أرقام التوزيع التي كان يحققها في عمله السابق، والـ14 مليون ليرة، الخسارة التي لحقت بتجارته في بداية الحرب.

يشغّل المعمل، الذي يملكه تاجر حلبي، 30 عاملاً وعاملة من "طرطوس" و"حلب"، وتتراوح نفقاته بين شراء الخشب واستئجار المقسم وفواتير الكهرباء وأجور العمال والضرائب والتأمينات، وجميعها تصاعدت تدريجياً ما انعكس على أسعار المفروشات، فأقل سعر لطقم الكنب يصل إلى 3 ملايين ليرة، بمربح صادم هو مئة ألف ليرة. يقول المدير: "يضايقنا انقطاع الكهرباء كل سبت رغم أنه يوم عمل، نعتمد خلاله على المولدة ونشتري المازوت "الحر" بسعر 2300 لليتر".

اقتراح لأسعار إيجارات "حكومية"

استطاع "سليم" بناء تجارته من جديد اعتماداً على الاستيراد عبر مرفأ "اللاذقية". يقول: "لم ندرس السوق مسبقاً لأن قرار الرحيل كان طارئاً وتوقعنا أنه لن يدوم طويلا. كان العمل جيداً، وتراجع منذ 2018، إذ لم يصدر منذ ذلك الوقت قرار لصالح التاجر، دون أي اعتبار لركود العمل. نأمل تدخلاً حكومياً لتثبيت إيجارات المحلات السنوية بعيداً عن تحكمات المؤجِّرين".

زيادة الضرائب ليست الحل

لا إحصاءات تفصيلية لعدد الوافدين الذين ما زالوا في المنطقة بعد عودة أغلبهم، يذكر مدير صناعة "طرطوس" "عمار علي" إغلاق 67 منشأة حرفية لعودة أصحابها، لكنه رقم لا يقود إلى معرفة عدد الباقين، بسبب الشراكات بين وافدين وأبناء "طرطوس". هنا يؤكد عضو المكتب التنفيذي لاتحاد الحرفيين منذر رمضان أن عدم القيام بإحصاء ناتج عن عدم التمييز بين الوافد والمقيم، مشيراً إلى أن الضرائب باتت أكثر من قدرة كليهما على التحمل. يضيف: "الضريبة التي كانت تلامس حد الـ 100 ألف ليرة تتضاعف لتتجاوز المليون، عدا ارتفاع تكلفة الكهرباء والوقود وأجور العمال، وإذا استطاع الحرفي تحمّل عبء الفروقات هذا العام، فإنه سيضطر إلى إضافتها لسعر المنتج لاحقاً، ما يعني مزيداً من الغلاء، في وقت نتجه إلى إعادة الإعمار في ظرف قاسٍ أصاب الشعب كما الحكومة، وبالتالي تحصيل المزيد من الضرائب ليس حلاً، بل يجب تقديم تسهيلات للصناعيين والحرفيين ليوسعوا منشآتهم ويصنعوا كل ما تستورده "سورية"، بما يضمن تشغيل الأفراد، ويزيد الإنتاج ودرجة الاكتفاء الذاتي. نمتلك القدرة على إنهاء حصارنا من الداخل".

التوسع الشاقولي والفوترة العادلة

تبقى "طرطوس" مقيدة بخصوصية أراضيها الزراعية، لا سيما بعد البلاغ الصادر في 27-6-2021 الذي منع إقامة منشأة صناعية أو حرفية خارج المناطق الصناعية، ملغياً العمل بالبلاغات التي كانت تشترط مساحة أقلها 3 دونمات. هنا يتساءل "رمضان": " هل تعد المنشآت المقامة سابقاً خارج المناطق الصناعية مخالفة الآن؟"، مؤكداً أن الحل يكون بالسماح بالتوسع الشاقولي في المنطقة الصناعية بما يتيح لأي معمل أن يرتفع بطابق أو أكثر فيزيد خطوط إنتاجه.

رغم ذلك، لا يتوقع "رمضان" أن يسفر إجراء كهذا عن زيادة كبيرة في عدد المعامل والورش، لأن القوانين الناظمة غير محفزة. يقول: "رأس المال جبان، وصاحبه لن يوظفه في ظل بيئة تشريعية لا ضمانات فيها، في حين أن التسهيلات ممكنة من خلال نظام الفوترة الذي يعنى بحجم الإنتاج والأرباح، ومن ثم تحديد الضريبة العادلة التي تتيح مجالاً لرب العمل والعمال لحياة كريمة".

الافتقار إلى تجار وكلاءالمدينة الصناعية طرطوس4

ينطلق رئيس مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة "طرطوس" "مازن حماد" في تقييم وضع المنطقة من خصوصية "طرطوس" كسوق استهلاكي صغير، لذلك كان مناسباً إقامة مناطق صناعية فيها، لا مدينة صناعية، مع بقاء الطموح لإنشاء مدينة كهذه. يقول: " رغم التطور الذي شهدته المنطقة الصناعية في السنوات الأخيرة، ما زالت تفتقر لتجار وكلاء لشركات صناعية، ما يعني استمرار الاعتماد على أسواق "حلب" و"حماة" و"اللاذقية"، مشيراً إلى أن "قلة المساحات المخصصة للمناطق الصناعية والاستثمار الصناعي أدى بالوافدين إلى استئجار محلات قائمة أصلاً، فلم يسعوا إلى تخصيصهم بأراضٍ لتوطين صناعاتهم هنا، ما فوّت الفرصة على "طرطوس" لإقامة صناعات حديثة".

وتأمل الغرفة التي تضم 21832 منتسباً، بين صناعيين وتجاريين، و4488 شركة، ازدياد نفوذها بعد انتخاب "حماد" نائباً لرئيس اتحاد غرف التجارة في "سورية"، كما تحاول من خلال مكتبها الاستشاري القانوني المحدث مؤخرا توفير مزيد من الحماية لهم، بحسب "حماد"، الذي أشار أيضاً إلى إحداث نافذة واحدة لاستقبال معاملات المراجعين وإنجازها بوتيرة أسرع، وصدور قرار رفع إعانة الوفاة من مليوني إلى عشرة ملايين ليرة، فضلاً عن دراسة رفع الراتب التقاعدي للتاجر والصناعي.

بمعزل عن إيجابية القرارات، يبقى حرفيو وصناعيو المنطقة الصناعية بحاجة إلى تدابير رسمية وتسهيلات، ذات صلة بالعدالة الضريبية على وجه الخصوص، بما يحفز الإنتاج الذي يعد مقياساً للنمو الاقتصادي والتحرر التدريجي من تداعيات الحصار.

النساء السوريات المفقودات.. ماذا حدث حقًا لبتول علوش؟
تاريخ فيضانات وطوفانات نهر العاصي في مدينة حماة
‏أطباء عيادة الأب يعقوب على مائدة الأضحى
‏الطب علم وأخلاق، انتماء ونماء.. د. إمارة غزالي نموذجًا
بعض ما كتب في رحيل المناضل جميل أضنة لي
نيويورك تايمز تنشر تقريراً عن المختطفات العلويات
تحت عنوان”معاً من أجل مستقبل أفضل”: ندوة توعية للمراهقين في المكتبة الأهلية بقرية الجروية بريف صافيتا
الاقتصاد لا يدار على قاعدة مال قبان في سوق الهال
علويات سوريات يروين لبي بي سي قصص الخطف والاعتداء
‏التطوع ثقافة، والعمل قيمة، وخدمة الإنسان غاية
حول الغاز المفترض استيراده من الأردن
مدينة شهبا تستقبل العام الجديد بكارثة خدماتية وإنسانية
السوريون أفرغوا سجون الأسد.. واليوم تعود لتمتلئ مع تفشي الانتهاكات
تعقيب حول تعميم وزارة العدل الخاص بالوصاية القانونية على الأطفال
رسالة قداسة البابا لاوُن الرَّابع عشر بمناسبة اليوم العالميّ التَّاسع والخمسين للسَّلام