بعض ما كتب في رحيل المناضل جميل أضنة لي
2026.04.24
توفى مؤخراً المعتقل السياسي والمناضل في صفوف رابطة العمل الشيوعي جميل أضنة لي، وقد نعاه وكتب عنه الكثير من رفاقه، واختارت فينكس هذه الباقة مماكتب عنه:
كتب الصحفي مالك داغستاني:
سنة ١٩٩٤ في سجن صيدنايا، عملت هدية لعيد ميلاد بنتي. طاحونة خشبية من النموذج الهولندي. يوم خلصتها بعد حوالي شهرين شغل. سألني "جميل أضنه لي": شو بدك تدهنها؟ قلتلو: لَكَر. اعترض وقلي انو مابتطلع حلوة، ليش ما بتدهنها "كمليكا"؟ يا جميييل منين بدي جيب كمليكا هون؟ (الكمليكا: مادة تقريباً مُنقرضة. كانت تسمى البرنيق الصيني، مُستخرجة من عصارة شجر سماق اللك). مد جميل إيدو على كيسو (أشهر كيس في صيدنايا، وربما في العالم) وناولني كمليكا وسبيرتو أزرق مشان المزج. كيس جميل كان فيه ما لا يخطر على بال بشر.
أمس رحل عنّا، الطفل الضخم جميل. وهنا
الصديق مروان محمد يستذكر شيئاً آخر عن هذا الرجل الفريد في كل شيء.
…….
(تعجز الكلمات عن العزاء بجميل، والأصعب تعزية مريم والبنات وأسرته المحبة.. خطر لي أن أشارككم مجددا هذه اللمحة البسيطة عن شخصية جميل لمن لم يعرفه، عساها تخفف من وقع الصدمة)..
مع جميل لا مستحيل!
(لمن لا يعرف جميل، هو شخص فريد من نوعه، نسيج لوحده..قليل الكلام، تقريبا في سبات، لكن حين يبدأ العمل فهو طاقة لا تنضب ابدا!)
خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 كانت التعليمات لجميل أن يفجر مستودعات الأسلحة التابعة لمعسكر الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عند أول ظهور للقوات الإسرائيلية بصفته مهندسا مسؤولا عن الدشم والتحصينات وحفر الانفاق. فعلا قام بالتفجير حال مشاهدته لقوات العدو وانسحب مع رفيقيه كآخر المنسحبين من معسكر الجبهة الشعبية قرب منطقة البقاع.
بس النهفة انّو اثناء الانسحاب شاف جميل راجمة صواريخ بمنطقة المعسكر، وبدون تفكير تقريبا صعد اليها آمرا أحد المرافقين أن يصعد معه ليقودها جميل باتجاه الشام! فيما طلب من الأخير قيادة سيارة البيك آب التي كانت بحوزتهم. في طريق عودتهم وقريبا من الحدود اللبنانية السورية، وجدوا كتيبة صواريخ تابعة للجيش السوري منتشرة على الطريق..على الفور خطرت على بال جميل فكرة أن يعرض صواريخ الراجمة-40 صاروخ غراد! -على الضابط المسؤول ليطلقها ان شاء على القوات الإسرائيلية!
فما كان من الضابط السوري الّا أن ترجاه أن يغادر على الفور، وهو يقول له "شو عم تحكي انت، شو مجنون! القصة فيها اعدام، والله بيعدموني بأرضي إذا قصفتها من حالي ومن دون تعليمات من فوق، من فوق كتير!"
يقول جميل كفّينا طريقنا ع الشام ووصلنا ع دمّر ووقفنا لنرتاح شوي، ما في كم دقيقة والّا نشوف لك هالناس واقفين ع البلاكين وصاروا يرشوا علينا رز مفكرينا رايحين ع الحرب، يا اما نحنا منتصرين فيها! المهم وصلنا عالشام ووقفنا الراجمة (وهيّ مذخّرة!) قدام مكتب الشعبية بساحة الشهبندر، وانّو شي بني آدم سألنا شو معكن، عبث! لأ والنكتة على حاجز قرب الصبورة وهالسيارات واقفة طابور، بس شافونا بالراجمة فتحوا لنا الطريق ع السريع ومرّقونا!
(طبعا ونحنا جايين عالشام شفنا أكثر من خمسين دبابة سورية محروقين ع جوانب الطريق، واضح انه الطيران الإسرائيلي قاصفهم وهنن لسّا محملين على عرباتهم، منظر بيحرق القلب! يمكن بعضكم بيتذكر الحادثة لمّا النظام بعتهم بلا حماية طيران، وراحوا هيك برخص!)
نزلنا ع المكتب يتابع جميل وخبرناهم بقصة الراجمة وطلبنا اكل عالسريع، كنّا فطسانين من الجوع!
ونحنا لساتنا عم ناكل بجية المرحوم أبو علي مصطفى (لم اعد أذكر ان كان يومها الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، أم النائب) عم يسأل عن قصة الراجمة يلّي واقفة فوق، قالوا له هاد جميل هو جابها، وهيّاته جوا عم يوكل هو ورفيقه!
بتعابير فيها تعجب وقلق واستنكار سأل أبو علي ليش جايبين هالبلوة لهون؟
بجاوبوا جميل بكل برود وبراءة، لقيتها متروكة بهالمعسكر وشغالة ومليانة صواريخ جديدة، قلت لحالي بجيبها لعندكم، يمكن تستفيدوا منها، يعني انتوا أولى فيها!
يرد عليه أبو علي، شو هالجنان هاد، بتعرف انه هالشغلة فيها خربان بيت، والله اذا لقطوها السوريين بيعدمونا، لك هي مذخّرة يا جميل وبقلب الشام، يخرب بيت شيطانك على هالعملة!
اسمع! اليوم ما بتبات هون، وهلأ عالحارك بترجعوها على طرابلس! وفعلا جميل ما بيكذب خبر، بيبعتوا أربع عناصر معه، ووينك يا طرابلس! طبعا بيسلمها لمكتب الشعبية هونيك وبيرجع ع بعلبك، لكن ليس بدون مشقات الطريق وتعب الرحلة الطويلة..
هذا هو جميل، معه تقريبا، لا يوجد مستحيل.. تبقى بخير وصحة.. كلياتكم
مروان- حزيران 2020
أعتقل جميل ثلاثة عشر عاما لصالح حزب العمل الشيوعي بسورية، قضى معظمها في سجن صيدنايا.. عند انتهاء محكوميته ونودي عليه ليضب أغراضه، تمهيدا لنقله للفرع ومن ثم الافراج، أبدى جميل تعجبه على طريقته المميزة، هلأ خلصوا؟
والله ما حسّيت فيهم!
أمس (22 نيسان 2026) لم يعد جميل بخير ولا بصحة، أمس رحل جميل الطيب.. جميل صاحب القلب الكبير المتسامح، قلبه رغم كبره إلّا أنه خذله ولم يتمكن من الصمود ليتوقف نبضه للأبد؛ لكن ذكراه الطيبة ستبقى طويلا بين أصدقائه ومحبيه وكل من عرفه.. المصاب كبير على أخوته وعلى مريم وعلى أسرتها وعلى فرح ومايا؛ المصاب كبير على فداء ومجد ورفاقه القريبين.. الكلمات صعبة والتعزية قاسية.. قلبي معكم أسرته ولروح جميل السلام وطيب الذكرى..
*****
أما الكاتب منصور المنصور فقد كتب:
فجأة، وعلى نحوٍ مباغت، فتح باب المهجع رقم 4 في قبو فرع التحقيق العسكري، ودخل شاب ضخم الجثة، قوي البنية، ذو أنف أفطس وشاربين كثّين وحاجبين كثيفين. ألقى التحية علينا كما لو أنه يعرفنا جميعًا منذ زمن بعيد، وجلس في منتصف المهجع بثقة وعفوية. كانت ثيابه شبه مهترئة بسبب التعذيب القاسي والبقاء في المنفردة لفترة طويلة. قال: أنا جميل أضنه لي. جلسنا حوله، وتعرّف عليه بعض الأصدقاء وصافحوه مع القبلات والسؤال عن الأحوال.
لم يطلب أكلاً، بل طلب تبغًا، فقدّمت له سجارات كثيرة تبرّع بها عدد كبير منّا. أشعل سيجارة، وسحب أنفاسًا عميقة متلاحقة كثيرة، ثم ترك لدخان التبغ أن يخرج من أنفه كمدخنة قطار يعمل على الحطب. راح يحدثنا عن اعتقاله ومقاومته للسجّان وتحمله للتعذيب كما لو أنه يتحدث عن لعبة الطاولة، شيش بيش، ويضحك ضحكة طفولية صافية بريئة. ثم عرّج على حياته في لبنان وتطوعه مع المقاومة الوطنية واللبنانية والفلسطينية ونضاله هناك. ما لفت انتباهي أنه يحمل في رأسه أرشيفًا ضخمًا لاسماء مناضلين وسياسيين، وكأن ذاكرته خزانة تاريخ حيّة.
أشعل سيجارة ثانية وثالثة ورابعة، وتحدث عن حياته ومعارفه. شرق وغرب، وبين قصة وقصة يضحك تلك الضحكة الطفولية العفوية. حدثنا عن قصة إطلاق نار تعرّض لها في لبنان، ثم رفع ثيابه لأرى بطنه كغربال. آثار طلقات قديمة موزعة على كامل بطنه، شاهدة على حياة مليئة بالخطر. أعاد وغطى بطنه، ثم أشعل سيجارة، واستأنف الحديث عن قصته ولكن عقلي بقي هناك في البطن الذي يشبه الغربال
نام في مكانه ولم يتحرك، والمكان هو ممر لجميع الساكنين في المهجع، ممر إجباري للجميع. يمكن أن تقفز من فوقه، ويمكن أن تدعس على يده المخفية التي لم ترها، أو يمكن أن تدعس على قدمه أو حتى فخذه، كما لو كنت تمشي على شيء طري. كل تلك الازعاجات لا تعني لجميل اي شيء طالما هو نائما.
جميل لم ينزعج، أو بدقة اكبر، جميل لا ينزعج، ولم أره يومًا غاضبًا او متبرما من امر ما. يحدثك عن معارك شارك بها أو ملاحقة الأجهزة الأمنية له، كما لو أنه يحدثك عن لقائه بحبيبته.
إن حضر الطعام يمكن أن يأكل قصعة برغل وأخرى مرقة حمراء، وإن لم يجد أكلاً يبقى شهرًا بلا طعام، وكما لو أنه تغدّى لتوّه خروفًا، مرتاحًا، فرحًا، ويضحك ببساطة نادرة. تشعر أنه لا يعرف الخوف أو الزعل أو الحزن، دائمًا هو مرتاح، هانئ البال، وراضٍ عن كل شيء ما عدا الظلم.
جميل لا يفكر في راحة نفسه، ولا يزاحم على مكان أو طعام، او مكسب شخصي، طالما التبغ متوفر لديه. ضخم الجثة، ولكنها تحتوي قلب طفل نقي. لم أتخيل يومًا أن هذا الرجل يمكن أن يموت، وكنت أظن أن الموت بكل قساوته سيتخطى جميل بسبب طيبة قلبه وروحه المرحة وبساطته وعفويته. كنت أعتقد أن الموت سيخجل حين يقترب منه. لا بد أنه استأذنه، فكان جواب جميل أن ابتسم، ثم ضحك ضحكته الطفولية، وقدم نفسه عن طيب خاطر للموت.
******
فيما كتب عنه الشاعر فرج بيرقدار مايلي:
جميل أضنه لي. رجل خارج من أساطير في منتهى الواقعية. هكذا هو، يذهب بالواقع إلى حد جعله أسطورياً، أو يستدرج الأساطير إلى حد جعلها واقعاً شاخصاً أمام عينيك. إذا غضبَ اكفهرَّت السماء، وإذا ابتسم أشرق الكون. عرفته في بداية الثمانينات بسبب ضرورات العمل الحزبي المعارض، ثم أصبحنا أصدقاء. حياة جميل أضنه لي دراما عاصفة وعاتية، ولكن أعتى ما تنطوي عليه هو أن التراجيديا والكوميديا فيها غير قابلتين للفصل. نصب له الموت كمائن كثيرة، وكان كلما نجا من كمين أطلقت ضحكاته أسراباً من طيور تخضب الفضاء بألوانها. في جسده ندوب كثيرة ناجمة عن شظايا قذيفة وقعت في القرب منه حين كان يعمل مع المقاومة الفلسطينية في لبنان كمهندس تحصينات. خبير في حفر الأنفاق والدشم والمستودعات وبناء المعسكرات، وخبير أيضاً بدهاليز الحرب الأهلية اللبنانية والقوى المتصارعة والحواجز ونقاط التفتيش، أعني يعرف كيف يستقرئ الحواجز حتى الطارئة منها والطيارة، يشم روائحها عن بُعد ويحدّد إلى أي الفصائل أو الميليشيات تعود، وما وزنها وطبيعة مهمتها، وبسرعة يقيم العلاقة مع عناصرها، أحياناً تكون العلاقة نضالية مبدئية، وأحياناً علاقة المرونة والتحدّي أو شعرة الخطر والعين الحمراء والتهوّر المحسوب، وأحياناً علاقة المصالح المتبادلة، وأحياناً علاقة البساطة والطيبة والمحبة والشهامة والكرم. ذلك ما شهدته وعاينته حين رافقته في بعض المهام الحزبية داخل لبنان.
من حسن حظي أني التقيته في رحلتي إلى ليون قبل شهور. قال لي ضاحكاً: هل ما زلتَ تتذكّر قصة المطبعة أم أذكِّرك بها؟
ملخص القصة أني في أحد أيام تلك المرحلة، سمعت دقّاً متواتراً على باب شقتي في مخيم فلسطين. فتحت الباب، وإذ بجميل يقول:
- عندك موعد قريب مع الرفيق أبو النور؟
- هات من الآخر.. ما الذي تريده بالضبط؟
- كان عندي موعد معه، لكي أسلّمه مطبعة أحضرتها من لبنان، ولكن حصل معي طارئ على الحدود، فتأخرت ثلاث ساعات، وبالتالي طار الموعد.
- وأين المطبعة الآن؟
- في باب مصلى.
- ولماذا لم تحضرها معك؟
- لأنها أثقل من أن يحملها عنتر.
يبدو أن جميل كان متفقاً مع سائق ما، أن يوصله مع المطبعة إلى النقطة التي يريدها في دمشق، ولكن لسبب ما، كانت الإجراءات مشدَّدة على الحدود، وربما ارتاب السائق أو ارتبك، فاعتذر من جميل وطلب منه أن ينزل الصندوق من السيارة.
وقف جميل على الرصيف وأخذ يومئ للسيارات العابرة، فتوقفت بقربه سيارة فيها ضابط برتبة رائد. سأله الضابط:
- شو في معك؟
- كونديشن مستعمل.
- ألف ليرة
- تكرم.. متل ما بدك.
في الطريق ارتاح الضابط لجميل، ولاندياح ضحكاته الطفولية رغم ضخامة جسمه وكثافة إبر شاربيه، فراح يحدِّثه عن مهامه وبطولاته، وأنه أينما ذهب فالناس يحبونه ويحترمونه.
- لاحظت حتى على الحواجز بيحيّوك وما بيوقفوك
- طبعاً ما بيوقفوني. شايف هاي الحواجز، من الحدوووووود للشام.. كلها بإمرتي. يعني أنا المسؤول عنها. وليك، أنا ارتحتلّك، ورح وصّلك لوين ما بدّك بالشام. وين بتحب تنزل بنزّلك.
- إذا دربك بيمرّ بباب مصلى...
- قلتلّك وين ما بدّك
- خلص.. بباب مصلّى.
البارحة رحل جميل عن دنيانا تاركاً لكل من عرفه قصة معه، وخاصة في سنوات اعتقاله الإثنتي عشرة. جميل بمفرده ورشة عمل. لا شيء يعجز عنه، من صناعة آلة موسيقية إلى ثقب جدار بين مهجعين، إلى إبداع منحوتات خشبية كهدايا يقدمها الرفاق لأبنائهم خلال الزيارات، وهو فوق كل ذلك كان مرجعاً للكثيرين بما يمتلك من ذاكرة أرشيفية حاشدة وموثوقة للعديد من الأحداث والأشخاص والأحزاب والطرائف.
لروحه الرحمة والسلام وألق الذكرى، ولمحبّيه عميق العزاء.