ولادة مريم بنت عمران وتحريرها لله عز وجل
2026.02.01
هيثم زريقا
قال تعالى في قصة حنة أمرأة عمران: (إذ قالت إمرأت عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا) آل عمران ٣٥.
قال أهل السير إمرأة عمران هي حنة بنت فاقوذ جدة عيسى عليه السلام، وعمران هو عمران بن ماثان وليس عمران ابو موسى إذ بينهما ألف وثلاثمائة سنة. وكان بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم وملوكهم وكان عمران بن ماثان وزكريا بن برخيا متزوجين بأختين إحداهما عند زكريا وهي إيشاع بنت فاقوذ أم يحيى ابن زكريا وكانت حنة بنت فاقوذ عند عمران وهي أم مريم بنت عمران وكانوا أهل بيت من الله بمكان.
وكانت حنة بلغت من العمر مابلغت ولم ترزق بولد، فبينما هي جالسة في ظل شجرة إذا رأت طائرا يطعم فرخه فتحركت عند ذلك شهوتها للولد ودعت الله أن يهبها ولدا ونذرت لله إن رزقها بولد أن تتصدق به إلى بيت المقدس فيكون من سدنته وخدمه فحملت بمريم، فحررت ما في بطنها لله ولم تعلم ماهو ذكر أم أنثى قال تعالى (ربِّ إني نذرت لك ما في بطني محرراً) آل عمران ٣٥.
وكان المحرر عندهم يقوم على خدمة الكنيسة ولا يبرح عنها حتى يبلغ الحلم، فإذا بلغ خُيّرَ بين أن يقيم وبين أن يذهب حيث شاء فإذا اختار الخروج استأذن رفقاءه من السدنة ليكون خروجه على علم منهم ولم يكن أحد من علماء بني إسرائيل إلا في نسله محرر لبيت المقدس ولم يكن محررا إلا الغلمان، وكانت الجارية لا تكلف بذلك ولا يصلح لها لما ما في المرأة من خصائص تبعدها عن العبادة والخدمة.
حررت أم مريم مافي بطنها فلما فعلت قال لها زوجها عمران ويحك ما صنعت؟ أرأيت إن كان مافي بطنك أنثى والأنثى لا تصلح لذلك، فوقعت وزوجها في همٍ من ذلك.
ثم أن عمران توفي وحنة حامل بمريم، فلما وضعتها فإذا هي جارية وكانت ترجو أن تكون غلاما إعتذاراً لله عز وجل قال تعالى: (ربَّ إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم و إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم) آل عمران ٣٦.
وروي عن جابر بن عبدالله الانصاري رضوان الله عليه قال: قال رسول الله صلوات الله عليه وآله وصحبه الطيبين الطاهرين: (حسبك من نساء العالمين أربع: مريم إبنة عمران وآسيا إمرأة فرعون وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد).
وقال رسول الله صلوات الله عليه وآله: (ما من مولود إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخاً من مس الشيطان إلا مريم وابنها لقوله تعالى إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم).
قال تعالى (فتقبلها ربها قبولا حسنا وانبتها نباتا حسنا) آل عمران ٣٧.
فلما ولدت مريم لفتها أمها في خرقة وأخذتها إلى بيت المقدس وضعتها عند الأحبار أبناء هارون وهم يومئذ ثلاثون في بيت المقدس، فقالت لهم دونكم هذه النذيرة فتنافس فيها الأحبار لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم، فقال لهم زكريا أنا أحق بها منكم لأن عندي خالتها فقال له الأحبار: لا تقل ذلك لأنها لو تُركت لأحق الناس وأقربهم إليها لتركت لأمها التي ولدتها ولكنا نقترع عليها فتكون عند من خرجت في سهمه فاتفقوا على ذلك ثم انطلقوا وكانوا تسعة رجلا إلى نهر جار قيل هو نهر الاردن فالقوا اقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة في الماء، فارتفع قلم زكريا فوق الماء وانحدرت اقلامهم ورست في الماء وذهب الماء بها فهمهم وقرعهم زكريا وكان رأس الأحبار فلما كفلها زكريا ضمها إلى خالتها أم يحيى حتى نشأت وبلغت مبالغ النساء بنى لها محرابا وهذا من العجب عند بني إسرائيل أن تكون إمرأة في المحراب لما في المرأة من الحيض والعذرة التي تجعلها تنقطع عن العبادة، وذلك تصريف قوله تعالى (وإذ قالت الملائكة يامريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين * يامريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين) آل عمران ٤٢ ٤٣، وجعل باب المحراب إلى الوسط لا يرقى إليه إلا بسلم فلا يصعد إليه غيره وكان يأتيها بطعامها وشرابها في كل يوم واذا خرج من عندها أغلق باب المحراب، فكان اذا عاد إليها وجد عندها فاكهة في غير أوانها فيقول لها أنى لك هذا فتقول هذا من عند الله فذلك قوله تعالى (وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يامريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب) آل عمران ٣٧.
عندما رأى زكريا أن الله يرزق مريم فاكهة بغير اوانها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف من غير سبب ولا فعل أحد بل تقدير من العزيز الحكيم وقدرة من الله سبحانه فإنه قادر على أن يصلح زوجي ويهب لي على الكبر ولدا يرثني ويحمل اسمي، فذلك قوله تعالى (هنالك دعا زكريا ربه قال ربِّ هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء) آل عمران ٣٨، فجاءته البشارة بيحيى عليه السلام وفوق كل ذي علم عليم وفي الختام الصلاة والسلام على سيد الخلق محمد صلوات الله عليه وآله وصحبه الطيبين الطاهرين.