(استجابة لطلب رفيق السلاح الكاتب و الأديب: الجنرال المهندس "عبد المجيد عبد اللطيف")
* ردا على تخرصات "أبو الغيط" عن حرب تشرين *
[لسنا هُواةَ قَتْلٍ وتدمير، ولكنّنا ندفع عن أنْفُسِنا، القتْلَ والتدمير]
بهذه الكلمات، افتتح القائد التاريخي الخالد "حافظ الأسد" منذ أربعة و أربعين عاماً، حرب تشرين/أكتوبر، عام "1973".
صَنَائِعُ فَاقَ صانِعُهَا فَفَاقَتْ
وَغَرْسٌ طابَ غَارِسُهُ، فَطَابَا
وَكُنّا كَالسِّهامِ إذا أصابَتْ
مَرَامِيهَا، فَفَارِسُهَا أصابَا
فَلَمَّا اشْتَدَّتِ الهَيْجاءُ، كُنّا
أَشَدَّ مَخَالِباً وَأَحَدَّ نَابَا
1 - كانت حرب تشرين هي الحرب التقليدية الرابعة بين العرب وإسرائيل، والحرب الأولى التي يقومون فيها بالهجوم لتحرير أراضيهم، بدلاً من الدفاع. وكانت أيضاً الحرب التقليدية الأخيرة، التي تواجه فيها "إسرائيل" أكثر من دولة عربية في وقت واحد.
2 - وكان القائد التاريخي حافظ الأسد، قد قرر وخطط بأن تكون هذه الحرب، هي حرب تحرير كامل الأراضي العربية المحتلة عام "1967" على الأقلّ، وأنّه حالَمَا تأتي نتائج هذه الحرب، متفقة ومتوافقة مع هذه الخطة، كان لا بُدّ من تطوير الهجوم باتّجاه فلسطين المحتلّة، وفي مقدّمتها ( القدس الشريف ) لتحريرها من الاحتلال الصهيوني.
3 - أمّا الرئيس المصري حينئذ "أنور السادات" فكان يعلن لسوريّة، خطة "غرانيت1" التي تقول بتحرير الأراضي المصرية والسورية المحتلة عام "1967"، ولكنّه كان يُخْفي في أدْراجِهِ وفي عَقـْلِهِ، خطة "غرانيت 2" التي تعتبر هذه الحرب، حرب تحريك لعملية المفاوضات مع "إسرائيل" والاكتفاء بعبور قناة السويس، وصولاً إلى "معاهدات سلام" مع "إسرائيل" بإشراف ورعاية أمريكية.
4 - ولذلك توقّف "السادات" بعد عبور الجيش المصري البطل، لقناة السويس، أسبوعا كاملا ، وسَمّى تلك الوَقْفة (وقفة تعبوية)، والحقيقة أنّها كانت (غفوة وكبوة) لا بل (سَقْطة تعبوية) كانت هي السبب الأساسي، لعدم تحقُّقْ الأهداف المرسومة والمتّفَقْ عليها، بين مصر وسورية..
وذلك لأنَّ ألِف باء الحرب والعلم العسكري، يقضي بتطوير الهجوم، وبعدم تضييع لحظة واحدة من الزمن، وباستثمار أيّ إنجاز عسكري، عبر العمل على تطويره إلى الحدّ الأقصى الممكن، بدلاً من إفساح المجال للعدوّ، كي يقوم بتحشيد قوّاته، وانتقال المبادرة إلى يديه.
ولولا تلك (الوقفة) التي دامت أيّاماً عديدة، لَكَانَ الجيش المصري، قادراً، وبدون صعوبة كبرى، على الوصول إلى ممرّات (متلا) و(الجدي) والتي لو وصَلَ إليها، لَكانت (سيناء) بكاملها، قد صارت ساقِطَةً من الناحية العسكرية، ول اضطرّ الإسرائيليون، للانسحاب إلى الحدود الدولية السابقة.
5 - خلال تلك (الوقفة التعبوية) تفرّغَ الجيش الإسرائيلي، تماماً، لمواجهة القوات السورية، لمدّة أسبوع كامل، بعد أن كان الجيش السوري قد تمكّن في بداية الحرب، من تحرير القطاع الأوسط والجنوبي بكامله. .
وعندما اعترض الرئيس حافظ الأسد على "الْبَيَاتْ" والسكون المصري المُسَمَّى (وقفة تعبوية) غير المبررة والمتناقضة مع الخطة المتفق عليها بين الجيشين المصري والسوري، لم يجد "السادات" بُدّاً، من زجّ فرقة عسكرية، من غرب القناة إلى شرقها - بعد أن سَبَقَ السيف العذل -، وبعد أن كانت "إسرائيل" قد أعادت تحشيد قواتها بشكل كامل، وبعد توجيهها ضَرَبَاتٍ جوية وبرية قوية وعنيفة ضد القوّات السورية -..
وكان "السادات" يدرك إدراكاً كاملاً بأنّ الفرقة العسكرية التي زَجّها شرق القناة، لن تنجح في مهمتها وسوف يجري تدمير معظم عتادها، لأنَّ الوقت كان قد أصبح متأخّراً جداً، بعد تضييع أوقاتٍ ذهبيّة، كان الجيش المصري قادراَ فيها، على تحرير كامل سيناء.
وهذا ما حدث، لِيُعْلِنَ "السادات" بأنه يحارب "أمريكا" وأنه لا طاقة له على الاستمرار في محاربة أمريكا.
6 - والأمر الآخر الذي قام به "السادات" دون تشاور مع القيادة السورية، هو إعلان وقف إطلاق النار مع "إسرائيل" في "22 تشرين الأول"، الأمر الذي اضطر القوات السورية، لكي تخوض، منفردة، حرب استنزاف مع "إسرائيل" دامت شهوراً عديدة.
7 - وكانت "إسرائيل" قد تمكّنت، خلال "وقفة السادات التعبوية" والتفرّغ للجبهة السورية، أن تستعيد ما حرّره السوريون، وأن تحتلّ (جَيْباً) داخل الأراضي السورية، يتألّف من عدة قرى.
8 - ومع ذلك، رفضت القيادة السورية، الانخراط في المخطط التصفوي الذي كان "السادات" قد اتّفق عليه مع الأمريكان والإسرائيليين..
ولكنّ "السادات" تابع مشواره منفرداً، خطوة خطوة - حسب المدرسة الكيسنجرية - إلى أن تَوّجَهَا بزيارة القدس المحتلة في أواخر عام "1977" وصولاً إلى عَقْد اتفاقات سلام (اقرأ: استسلام) منفردة في كامب ديفيد.
9 - وعبر تلك السنوات، كانت سورية الأسد تواجه منفردة، العدو الإسرائيلي ومحاولات الهيمنة الأمريكية، وقام الأمريكيون بتحريك (خُوّان المسلمين) بعد حرب تشرين، بشهور قليلة، واستمرّت أعمالهم الإرهابية في الأراضي السورية حتى عام "1982"، واستكملت "إسرائيل" ذلك، بعدوانها على "لبنان" واحتلال عاصمته "بيروت" وإخراج الجيش السوري والمنظمات الفلسطينية من بيروت.
10 - ورغم المواجهات الطاحنة التي قام بها الجيش السوري، في وجه العدوان الإسرائيلي على لبنان، ورغم الحجم الكبير للتضحيات السورية حينئذ، والتي بلغت آلاف الشهداء، وأكثر من مئة طائرة حربية، وأكثر من أربعمائة دبّابة، فإنَّ الإعلام العالمي والإقليمي والعربي، ضَرَبَ ستاراً كثيفاً على كل تلك التضحيات، وفَرَضَ تعتيماً كاملاً عليها، وكأنَّ سورية لم تشارك في تلك الحرب، ولم يكن لها وجود!!
11 - حينئذ، قرّرَ القائد العملاق حافظ الأسد، أنَّ نهج (الممانعة السياسية) للمشروع الصهيو-أميركي في المنطقة، يحتاج إلى رَفْدِهِ بـ (مقاومة مسلّحة) فانبثق (حزب الله) الذي تمكّن، بالتعاون مع سورية الأسد ومع إيران الثورة، أن يشكّلوا تعويضاً كبيراً، عن الفراغ الذي خلّفه التخاذل الأعرابي، وعن التخلّي الرسمي العربي، عن المشاركة في مواجهة "إسرائيل".
12 - واستمرّت الحرب، بأشكالٍ مختلفة، أمنياً واقتصادياً ومالياً وإعلامياً وتكنولوجياً ودبلوماسياً وسياسياً، ضد سورية، حتى هذا اليوم.. إلى أن تَوّجوا ذلك، بأشرس حرب عدوانية إرهابية صهيو-أمريكية - أردوغانية - أعرابيّة -وهّابية - إخونجية، بغاية تفكيك وتدمير وتفتيت سورية، ووضْع اليد عليها، وإخراجها من الخارطة السياسية.
13 - ولكنّ أسد بلاد الشام: الرئيس بشّار الأسد، ومعه شعبه وجيشه، كان لهم بالمرصاد، واستطاع، بتضحياتٍ أسطورية، أن يجهض هذا المخطط الاستعماري الجديد.. ولا زال السوريّون يواجهون رحى الحرب الكونية الدائرة على أرضهم، ولا زال السوريّون مصمّمين على سحق جميع المعتدين، من الخارج ومن الداخل، كائناً مَن كانوا، ومهما كانت قدرتهم وقوّتهم.
14 - تحيّة إكبارٍ وإجْلال، إلى باني سورية الحديثة (القائد التاريخي الخالد حافظ الأسد.)
15 - وتحيّة إكبار وإجلال، إلى أسد بلاد الشام: المقاوِم الأسطوري: الرئيس بشّار الأسد، الذي بَرْهَنَ للعالم أجمع، أنّ روح تشرين لم تَمُتْ، وأنّها مازالت تحرّك النفوس والقلوب والعقول، عندما تمكّنَ من اجتراح السُّبُل الكفيلة، بِمَنـْعِ وَضْعِ اليد على سورية، ومنع تفتيتها وتفكيكها.
16 - وَوَحـْدَهُ، أعمى البصيرة، هو العاجز عن رؤية تباشيرِ انبثاقِ عالَمٍ جديد، ونظامٍ عربيٍ جديد، من الّرَّحِمِ السوري - رغم آلام المخاض المبرحة، ورغم النزيف الداخلي الحاد، ورغم التضحيات السورية الهائلة -، ومع ذلك، فالْوَلِيد الجديد، المتناغم مع روح العصر، سيكون على يد القابِلة السورية، التي ستعود إلى مكانها الطبيعي اللائق بها، دُرَّةً للشرق، وعاصمةً للعرب، وحاضِرَةً للكون.
***
(السياسة... ودروس التاريخ في الحساب والعقاب)
- من حق الشرفاء، في قلعة العروبة الشامخ وقلبها السوري النابض، وفي بلاد الشام، على امتداد ربوعها، أن يطالبوا بالحزم والحسم، في مواجهة الخارجين على وطنهم، وفي مواجهة المصطفين في خندق أعداء الوطن، مهما كانت أسبابهم وأعذارهم ومبرراتهم.
- ومن البديهي أنّ خطايا الخارجين على الوطن، لا يمكن وضعها في خانة واحدة، مع أخطاء الموالين لوطنهم ، طالما أنّ أخطاء الموالين لوطنهم، لا تشكّل مساساً بلقمة عيش المواطن، ولا مساساً بأمن الوطن، لأنّ أصحابها، حينئذ، يضعون أنفسهم - عمداً أو جهلاً - في خندق أعداء الوطن، حتى لو كانت دوافع بعضهم حسنة - فالطريق إلى جهنم، محفوف بالنوايا الحسنة -.
- وهنا لا بُدّ من توضيح أن نهج وأسلوب التعامل المفترض، مع الأنصار والأصدقاء والحلفاء، يجب أن يكون مختلفا عن التعامل مع الخصوم والأعداء والخونة..
وليس من الطبيعي، التعامل مع كل خطأ، يصدر من خندق أصدقاء الوطن، وكأنّه نهاية الكون، فالخطأ من طبيعة البشر، ومَن لا يعمل لا يخطئ..
ولكن هناك فرق هائل بين الخطأ المقصود، والخطأ غير المقصود..
وبين الخطأ الصادر عن حسن نية، والخطأ الصادر عن سوء نية..
وبين الخطأ الناجم عن الانخراط الكلي في العمل وضغط العمل، والخطأ الناجم عن الكسل وانعدام العمل..
وبين الأخطاء الإجرائية العابرة، والأخطاء الفاحشة التي تصل إلى مستوى الخطيئة.
- ومع التأكيد على ضرورة تفعيل موضوع المتابعة والمراقبة والمساءلة والمحاسبة، بما يعزز سلامة ومناعة الوطن، ويحقق حاجة وكرامة المواطن..
فإنّ من الضروري، عدم وضع الصديق والعدو، في خندق واحد، ليس فقط من منطلق الحكمة الشهيرة:
(الرحمة فوق العدل)
بل من منطلق العملية السياسة التي تشمل عادة، غفران ذنوب الكثيرين ممّن كانوا يستحقون "قص رقبة" كما يقول المثل..
ومَن يستهجن هذا الطرح - وهذا حقه - فإنّنا نذكّره بالسلوك الراقي والحضاري والمسؤول والأخلاقي الرفيع والإنساني العميم، عندما فَرّت قوات الاحتلال الإسرائيلي من جنوب لبنان، هرباً من ضربات المقاومة اللبنانية في "25 - 5 - 2000"، وكان آلاف اللبنانيين في الجنوب، هم ممن نكّلوا بالمقاومة اللبنانية.. ومع ذلك لم يقم "حزب الله" بـ "ضربة كف" لواحد من هؤلاء.
- وطبعاً هنا، كانت الرحمة فوق العدل، بل كانت الرحمة فوق الحق وفوق الوطنية وحتى فوق قدرة العقل على الاحتمال..
ولو أنكم تسألونني، هنا، فيما إذا كنت - شخصياً - معجباً بهذا النمط من التعامل مع الخونة، فإنّني أؤكد بأنني أشعر بأنه يشكّل طعنة في قلبي وفي قلب كل مواطن سوري شريف..
ولكن للسياسة أحكامها وضروراتها التي تتناقض في كثير من الأحيان، مع المبادئ والأخلاق، وهذا لا يعني أنه لا مكان للأخلاق في السياسة، فللسياسة "أخلاقها" التي تتعارض في كثير من الأحيان مع الأخلاق الاجتماعية المعروفة، ولكنها ضرورة تفرض نفسها من أجل المصلحة العليا للوطن..
- هكذا هي دروس التاريخ، تعلمنا في كثير من الأحيان، أن ندوس - للأسف - حتى على مشاعرنا، وأن نُعْمِلَ عقولنا بطاقاتها القصوى، لكي نتمكن من الارتقاء إلى مستوى السياسات العليا، التي تقتضي التضحية بالكثير، من أجل الحفاظ على الوطن وإنقاذه وحمايته من الانهيار، ومن ثم تسليم مقدّرات الوطن، للأجيال الشابة التي أثبتت عبر هذه الحرب الظالمة على سورية، بأنّها على مستوى المسؤولية..
وحينئذ تستطيع هذه الأجيال الشابة الواعدة، القيام بكل ما تراه ضرورياً للوطن، بما في ذلك، إعْمالُ المحاسبة بَأثر رجعي.
***
("الجمهورية الإيرانية"، بين "الهيمنة" و "النّفوذ")
- بكل سهولة، تستطيع إيران أن تعود "شرطياً للخليج" وحاكما له و وصيا عليه، ومهيمنة على ملوكه وأمرائه وشيوخه، كما كانت أيام الشاه، بل أكثر..
وما تحتاجه لتحقيق ذلك، هو أن تدور في فلك الولايات المتحدة الأمريكية، و تُنَفِّذُ أوامرها وتنتهي عن نواهيها، وتصادق "إسرائيل" مقابل السماح لها بالهيمنة على الخليج ومشيخاته.
- وأما "النفوذ" الذي تتمتع به الجمهورية الإيرانية حاليا في المنطقة، فهو حق ٌ طبيعيٌ لهذه الدولة، بما يتناسب مع قوتها الاقتصادية والعسكرية ومع حصافةِ قرارِها السياسي، طالما أن هذا النفوذ في إطار القوانين الدولية وفي سياق المصالح المشتركة والمشروعة مع الدول الأخرى..
- والنفوذ لا يعني الهيمنة، لأنّ الهمنة هي تحقيق مصالح غير مشروعة على حساب مصالح الآخرين.

