في نتائج الأزمات الوطنيّة كالتي قد تعرّضت لها سورية عبر السّنوات الماضية، و ما زالت تتعرّض لها، يكون من الطّبيعيّ، إن لم يكن من الضّروري، أن يدخل جميع القادرين في سِجال حول المحصّلات الاجتماعيّة و السّياسيّة التي خرج بها "الجميع" من الذين ينتظرون آثاراً إيجابيّة لقاء ما قد خسره "المجتمع" من طمأنينة و من استقرار، و بخاصّة تلك التي من شأنها أن يكون لها مفعول "جدليّ" عام على مستقبل الأفراد و الجماعات التي راهنت على التّحصّن بحاضر الدّولة و مستقبل النّظام.
و "الأزمة" ـ التي هي حرب عدوانية كبرى على سورية ـ إمّا أن تستمرّ في تدمير المعطيات التي تشكّل قاعدة للمستقبل، أو أنّها، على العكس، حالة عابرة في تاريخ الدّول و الشّعوب يمكن أن تسمح بالانتقال إلى ما هو أفضل ممّا كان أو ممّا هو كائن.
يمكننا أن نقف على هذا "الحدّ" (أو المفهوم) تبعاً لتوصيفنا لما جرى في سورية فيما إذا كان من الكوارث الماحقة أو أنّه من الأزمات التّاريخيّة العابرة.
ينظر الفكرُ الفاعل و المسؤول إلى هذه الحرب الكاسرة على أنّها "أزمة" عابرة في سجلّات الأمم، يمكن تجاوزها إلى الأفضل في المجتمع و الدّولة و الحكومة و النّظام؛ و ينظر إليها التّفكير المسموم بالرّغبات الاحتكاريّة التّدميريّة على أنّها كارثة ليس للمجتمع و الدّولة تجاوزها بل و "يجب" استثمارها كفرصة تاريخيّة من أجل تأبيد موروثات العدوان و الجريمة و الاستثمار و التّدمير القادمة مع "الثّقافة" التّخريبيّة في الأيديولوجيا الزّمنيّة التي امتلآت بها الزّوايا و التّكايا بالتّحقيلالسّياسيّ لخرافات "الجماعة" و مستنقعات "الدّين الصّحيح".
إنّ القوى "الجماعيّة" التي تعمل على أن تكون هذه الحرب تعطيلاً للمستقبل و التّقدّم ، هي نفسها من تُعلي الصّوت في تسمية هذه الفاجعة التّاريخيّة "أزمة"، في مزايدات رسميّة، بخاصّة، و ثقافات و "تربية" و "أوقاف"، أيضاً..!
و نحن إذا أخذنا بمبدأ "الكمّيّة" العمليّة للممارسة الاجتماعيّة- السّياسيّة، من جهة، و للفعل "السّياسيّ" لمؤسّسة الدّولة في "الذّروة"، من جهة ثانية، نجد أنّ المناسبة تسمح لنا بأن ننظر إلى "المجتمع" و "الدّولة" على أنّهما كائنان "سياسيّان" منفصلان، و في اتجاهين خطّيين متخالفين.
من المتّفق عليه أنّ مسؤوليّة الدّولة الحديثة لا تنتهي أو تُحدّ في المسائل العسكريّة أو الخارجيّة أو في مستوى ملكياتها الأخرى ، التي هي على الحصر.
و عندما لا تتمكّنُ "الدّولة" من فرض أهليّتها في "الشّرعيّة" الواسعة التي تؤهّلها لممارسة دور معاصرٍ بالرّقابة و الحماية و الوقاية و توزيع "السّلطة" و "الثّروة" و "الأمان" و "الاستقرار"، فإنّها تتحوّل إلة دولة "وظيفيّة" بلا هويّة سياسيّة مفهومة أو واضحة.
ليست الدّولة مجرّدَ مؤسّسةِ "وظيفةٍ" حكوميّةٍ تعمل على إدارة "الهلاكات" التي يدخل فيها "الاجتماع"، لسبب أو لآخر، في الانفصال، أو على توزيع "الضّعف" الإنسانيّ توزيعاً بالمساواة أو بالعدالة..
كلّا! "الدّولة"، خلا كونها فكرة سياسيّة تمارس دورها بالقوّة و المعرفة و الضّبط و الضّابطة و الأدوات و "المؤسّسات" التّابعة ل"السّلطة"، إنّما هي ذلك "النّظام" الذي يتعزّز في وجه "الفوضى" التي يميل إليها "المجتمع"، عندما يُطلَق الّلجامُ لآليّاته العفويّة في الأزمات و الفواجع التّاريخيّة و مناسبات الاستئثار و الدّمار و هيستيريا الأفراد و الجماعات و الأيديولوجيّات، في سباق محموم نحو "الشّرعيّة" التي تصبح، عندها، مشاعاً للدّين أو للتّديّن.. أو للجميع.
نحنُ أمام هذا النّمط من أنماط "الشّرعيّة"، نكون قد دخلنا في إطار "الدّولة" السّطحيّة التي تكون في أقصى ما تستطيعه شكلاً من أشكال "الّلجان" الأهليّة التي تعمل بواسطة إدارة "الوَجَاهات". إنّها، بالأحرى، "مختَرَةٌ" تُتّخذ فيها قراراتها بإجماع "الكروش" المُتخمة على موائد المؤامرات..!
و في مقابل الدّولة السّطحيّة تتعمّق سلطات أخرى يكون فيها الغائب الأوّل هو "المجتمع" بوصفه ملاذاً لتقاطع علاقات و مصالح جميع المواطنين.
تظهر الأعماق الأهليّة للجماعات المكوّنة لكتلة "الشّعب" في مختلف صنوف و ضروب رؤساء "العصابات" و "العصبويّات" المتعاضدة مع أنظمة "القبيلة" التّاريخيّة التي تُعيد إنتاج "النّمط" الذي يتحدّى التّغيير، باستمرار.
و عدا "الأسرة" فإنّ هذا النّمط القبليّ سوف يكون النّسق الآمر في "المؤسّسة" الأهليّة و شبه الأهليّة، من قبيل التّواطؤات العاطفيّة الصّلبة في "الأطر" القادرة، أوّلاً و أخيراً، على مقاومة النّظام العامّ بما هو هذا "النّظام" فرضيّة من فرضيّات "الدّولة" السّطحيّة السّالفة.
نستطيع أن نضع معياراً للتّفريق أو التّمييز بين سطحيّة الدّولة و سطحيّة المجتمع، ما يمكن تحديده من شكلانيّة "الحكومة" و ما إذا كانت أداة تنفيذيّة في يد "الدّولة" أو في يد الجماعات الأهليّة التي تنافس الدّولة في "السّلطات"..
في هذه الحالة نحن أمام "قياديين" أو مسؤولين حكوميين، يمارسون ممارسات أمراء الإقطاعات و بخاصّة في تأبيد الجهل الذي يمارسونه على الأفراد في حقول التّربية و التّعليم و الثّقافة و الدّين و الأخلاق، و التّأهيل المدنيّ و العلميّ و العلمانيّ و السّياسيّ..
ذلك أنّهميدركون أنّ معرفة الأفراد، و المجتمع، بالقيادة و بطبيعة القيادة السياسية ، إنّما هو أمرٌ يدخل في صميم تجاوز "الأزمة" بواسطة رفض الوعي الجديد لسلطة أمراء الحرب الذين عادوا بوشائجهم "الجمعيّة" و "الاجتماعيّة" و "الثّقافيّة" و "الإداريّة" و "الحكوميّة" و "السّياسيّة"، أيضاً، ليعملوا على استدامة "الأزمة" و تحويلها إلى كارثة مستمرّة في ظروف شبيهة بظروف الحرب، و الإبقاء عليها فيما كانته على صعيد "التّنظيم"(!) و "الإدراة" ، في عصر الصّراعات المسلّحة التي قوّت من حضورهم في السّلم و الحرب و في المراحل الانتقاليّة ما بين جميع الأزمنة و الأمكنة و الظّروف و المناسبات.
بعد هذه الوصفيّة الأنثروبولوجيّة العامّة لتطوّر القابليّات النّفسيّة و الجسديّة و الثّقافيّة لمجتمعات الأزمات و الحروب، في تنظير عامّ و مختزل..؛ فإنّنا، في الحديث على سورية، نكاد نجانب الدّقّة في الوصف، إذا ما سلّمنا بأرجحيّة عمق "الدّولة" على "المجتمع" في سورية، أو العكس..
و كأنّ الحرب قد أظهرت، على الملأِ، هذا التّحدّي التّاريخيّ و التّنافس الحادّ على "السّياسيّ".. بين ثقافة "المجتمع" و ثقافة "الدّولة"، و لأوّل مرّة في تاريخ سورية الحديث و المعاصر. و هذا طبيعيّ بعد ما أحدثته هذه الحرب من تهديد لمصالح الجميع..!
ما تقدّم هو ما يدفعنا على التّحدّث على دولة و مجتمع، هما اليوم في حرب مستمرّة على حيازة "الأعماق".
لم تنته الحرب و لا تنتهي، لِمُجَرّد أن يرغبُ في ذلك أشرف المواطنين.
هكذا أصبح يمكننا، إذاً، أن نتحدّث في "عمق" أو "عمقيّة" المجتمع و الدّولة في سورية، بسهولة و وضوح.
تحوز سورية في تاريخها "الأيديولوجيّ" و "الثّقافيّ" الانفصاليّ و التّجزيئيّ، على جميع "علل" و "أسباب" و مسوّغات هذا "الواقع" الذي يزداد تعقيداً، ربّما، بدلاً من أن يكون، بمناسبة هذه الحرب، واقعاً أكثر وضوحاً و أيسر عريكة و ألين في الاصطفافات النّسقيّة التي تمليها "المآثر" على المجتمعات.
لقد أظهرت الحربُ و ثقافةُ الحرب و تسوياتُ نهاياتِ الحرب و احتمالات ما بعد الحرب، أظهرت جميعُها واقعَ الانفصال التّاريخيّ "السّياسيّ" بين الدّولة و المجتمع..
هنا نضمّ إلى "المجتمع"- في هذا التّنظير- "الحكومة" بوصفها أداةً سياسيّة غير ناضجة، أو حالة مشبعة بالثقافة الزّمنيّة ل"المجتمع"، بوصفه جماعات اعتياديّة و عادات و أعراف جماعيّة، تصرّ على أن لا تدخل طور التّنظيم المدنيّ أو السّياسيّ أو التّقنين في مجرى شرعيّة "الدّولة" في الأهداف و الغايات، في الوقت الذي تعمل فيه على خلخلة "الدّولة" و استثمارها استثماراً أقصى يجعلها تحلب الدّمَ مع الحليب..!؟
ما يُظهر أو يُسوّغ نظرتنا هذه إلى البنيتين المختلفتين في التّكوين و "المشروع"، للدّولة و المجتمع، إنّما هو واقع كوننا نستطيع أن نلمس شرخاً واضحاً يجعل من المسافة "التّقنيّة" بين "المجتمع" و "الدّولة"، هوّة عميقة و دائمة، و في اتّساع، و هي لا تعكس فجوة في الخطوات المتباينة في المواعيد و المواقيت و المناسبات، كلّا! و إنّما هي "هوّة" تتّسع في السّرعة و التّسارع و الاتّجاه، و ذلك على وجه التّحديد و الحصر.
ينجم عن هذا الوضع "السّياسيّ" بمقوّماته و بنيته و نتيجته، ما لا يُمكن إحصاؤه أو العمل على معالجته، بعد أن وجدنا أنّ الاختلاف بين "الدّولة" و "المجتمع"، هو اختلاف بالطّبيعة و ليس بالدّرجة وفقَ ما تُفضّل "الفلسفة" هذا التّعبير.
يُضاف إلى ذلك أنّنا نستطيع أن نفهم أنّ "العنف" الثّقافيّ و الأيديولوجيّ "الجماعيّ" و "الدّينيّ" و "الطّائفيّ" و "القبَليّ"، بما هيأشكال مختلفة و متنوّعة على "العنف المولّد للتّاريخ" (على وصف ماركسللعنف)، إنّما هو أبعد غوراً في القرار أمام عدم "صلاحيّة" مشروع "الدّولة" أو إمكانيّة "الدّولة"- بمفهومها السّياسيّ- في أن تعبّر عن نفسها بحزم و وضوح في "حكومة" تكون قادرة على اختصار "المفهوم" السّياسيّ للدّولة في النّشاط و الفعل الثّقافيين و الأيديولوجيين.
نحنُ ندخل، هنا، سواءٌ أردنا أم لم نُرِد، في مقارنة ما بين سطحيّة "الدّولة" و سطحيّة "المجتمع"، أو العكس، و أعني ما بين "الدّولة العميقة" و "المجتمع العميق". و قد نستطيع التّفصيل، أكثرَ، في هذا المكوّن الأخير، لنقولَ بإمكانيّة المقارنة، أيضاً، ما بين "المجتمع العميق" و "الجماعات العميقة" في نظرة سوسيولوجيّة إلى مقوّمات "المجتمع"، في مفهومه المدنيّ المعاصر الذي يتجاوز انغلاق "الجماعات" الأهليّة على ممتلكاتها "الثّقافيّة" و "العرفيّة"، التي تقاتل بها كلّ صيغة "اجتماعيّة"تعبّر عن اتّحاد المكوّنات و الأهداف و الميول.
لا تُعدُّ "المسؤوليّة" السّياسيّة التّاريخيّة واقعةً على "الجماعات" و القوى الاحتكاريّة للسّلطات "الاجتماعيّة" وحدها، و إنّما تتعدّاها إلى "القادة" السّياسيين الحاكمين، بوصفهم أعداء سياسيين متقدّمين في "الدّولة"، ضدّ الدّولة و ضدّ "المجتمع".
إنّه "قد يكون هناك مجالٌ قليل للشّكّ بأنّ العالم المعاصر يعاني من نقص حادّ في الزّعامة، و أنّ معظم السّبب الذي يكمن وراء ذلك، يرجع إلى غياب الإعداد الفكريّ الملائم، لوظائف القيادة في الطّبقة السّياسيّة؛و فيما لا مجال هناك لإنكار أهمّيّة البعد النّفسيّ و الأخلاقيّ.."؛
[الأمير العصريّ- كارنز لورد- ترجمة هلا الخطيب- العبيكان للنّشر- المملكة العربيّة السّعوديّة- الطّبعة الأولى- 2008م- ص 15]؛
و بسبب ذلك؛ و من حيث أنّ ظروفنا الوطنيّة المختلفة ليست خاصّة بنا دون سائر دول العالم و مجتمعاتها المتباينة، إلّا من جهة اختلاف المكوّن "الثّقافيّ"، تحديداً؛ فإنّنا- في الدّولة- أمام خيارات محدّدة، في الفهم، عندما تواجهنا تلك المفارقات العميقة بين عمل "الدّولة" في اتّجاه، و عمل "الحاكمين" و "القادة السّياسيين" في اتّجاه آخر؛ و لكنّنا لسنا قادرين، على كلّ حال، على تفسير بعض الممارسات، بل و الكثير منها، التي تباغتنا في الكثير من ممتلكاتنا "الجمعيّة"، في الاقتصاد و ظروف المعيشة و الإعلام و الثّقافة و التّربية و التّعليم و إعداد المواطن، لعالَم معاصر معقّد و تكنولوجيّ و كوسموبوليتيّ..، إلخ؛ ما لم نعمل على تعليل هذا الانفصال عن الواقع و الضّرورة و المستقبل و الحريّة و القيم و الأخلاق..، تعليلاً واقعيّاً بحربٍ كانت و ما تزال مستمرّة، سبقت و رافقت و دامت و ستدوم بعد نهاية هذه الحرب الموصوفة بشدّة، من خلال ما تركته من إعياء و ألمٍ و ضياعٍ اجتماعيّ و تبدّدٍ نفسيّ و عاطفيّ لم تمحَ آثاره، بعد، و لن تُمحى في المستقبل المنظور.
أقصد بتلك الحرب، الأخرى، تلك المعركة التّاريخيّة التي يعانيمنها الإنسان في سورية، على مختلف "انتماءاته"، و هي تلك التي شرّعها و يشرّعها في الممارسة، أعداء التّقدّم و أعداء الإنسان و أعداء "المجتمع" بمنافعهم "القبَليّة" و الإقصائيّة المحدودة في مواقعهم الرّجعيّة و العُنفيّة ذات التّأثير التّدميريّ المستمرّ ، الذي يكاد يطال جميعَ مراكز التّأثير الحكوميّ و السّياسيّ و الرّوحيّ و النّفسيّ، في تناقضٍ مباشرٍ مع الشّعارات التي يطرحها هؤلاء في بهلوانيّات سياسيّة مشكلتها أنّها تنطلي على الكثيرين..!؟
إنّها ممارسات الحقد السّياسيّ الموصوف تاريخيّاً و الموجّه ضدّالمغايرين أو المختلفين!
لقد شكّكنا أعلاه في صوابيّة قولنا على "المجتمع العميق" بدلاً من أن نقول و نركّز على مفهوم "الجماعات العميقة"..
على هذا النّحو يتجذّر "المجتمع العميق" في سورية، على هيئة "جماعات" و "قوى" و "عصابات" و فئات، و مشاريع و منظومات.. و حقول و فضاءات..، إلخ؛ و يدخل في مواجهة عُنفيّة صامتة مع "الدّولة الوطنيّة" السّوريّة بوصفه جميع تلك المكوّنات و الأجزاء، و ذلك إلّا أن تنطبق عليه تسمية "المجتمع"..
إنّه لا يجتمع "مجتمعنا" في سورية، تبعاً لتنوّعه و تخومه و حدود جماعاته المختلفة، إلّا على كونه طرفاً قد دخل في مواجهة نفسيّة و عمليّة و ذهنيّة و اعتقاديّة و تديّنيّة، صنعتها ظروف التّلاشي التّكوينيّ القائم على علاقات نفاق "التّديّن" ب"السّلطة" على مرّ التّاريخ العربيّ الإسلاميّ منذ أكثر من أربعة عشر قرناً و حتّى اليوم.. هذا تاريخ ثابت في التّواطؤ ما بين "الحاكم" و "المحكوم".
و فيما بعد طوّر "المجتمع" له جميع وسائله في معرض "التّأقلم" و "التّكيّف" القائمين على "المراوغة" و ازدواجيّة "الباطنيّة" و "الظّاهريّة"، التي لم تَخْلُ منها جميع الأديان و المذاهب و الطّوائف الإسلاميّة منها و غير الإسلاميّة، في تاريخنا الدّينيّ و التّديّنيّ الكاذب و الرّكيك..
كان ذلك بخاصّة مع الدّولة الوطنيّة السّوريّة التي ووجهت منذ بداياتها بوصفها اعتداء على "المقّدسات" الدّينيّة، عندما كانت سورية في "السّتينات" من القرن العشرين، في طور خروجها الأيديولوجيّ و الثّقافيّ من تبعاتالإرث العثمانيّ و بخاصّة منه "نظام المِلّة" الدّينيّ، الذي كان مصدراً مباشراً ملهماً و موحياً لظهور الإسلام السّياسيّ، في أشهر نماذجه الحزبيّة و التّنظيميّة المبكّرة في حركة "الأخوان المسلمين".
و لكن هل يعمل أبناء "قانون الملّة" الإسلاميّ، اليومَ، على استعادة التّخوم الدّينيّة- السّياسيّة، لإحياء الأوضاع الطّائفيّة في امتيازاتها "العثمانيّة"، أو لتطوير مضامين و دوافع التّبديد الاجتماعيّ المتعمّد لمحوِ الباعث الوطنيّ في ممارسة "الاجتماع"..؟!
منَعَ الإسلامُ السّياسيّ، إذاً، فكرة "المجتمع" في سورية، ثمّ غرق المجتمع السّوريّ، من جديد، في انقسامات انفصاليّة أدخلته مفهوم "الجماعات" الذي طغى على مفهوم المجتمع الحديث. هذا تاريخ بعيد و قريب، لا يمكن للذّاكرة السّياسيّة الفرار منه منَعَ الإسلامُ السّياسيّ، إذاً، فكرة "المجتمع" في سورية، ثمّ غرق المجتمع السّوريّ، من جديد، في انقسامات انفصاليّة أدخلته مفهوم "الجماعات" الذي طغى على مفهوم المجتمع الحديث. هذا تاريخ بعيد و قريب، لا يمكن للذّاكرة السّياسيّة الفرار منه.
و مع تعمّق ذرائعيّة الإسلام السّياسيّ، كان ردّ الفعل الإنسانيّ واسعاً و شاملاً للجميع، بحيث تعمّقت فكرة "الجماعة" الأهليّة في مقابل التّماهي الاجتماعيّ الذي يخلق "المجتمع" المعاصر..
هكذا استبدلت السّلطات الاجتماعيّة- السّياسيّة مفهوم "الجماعة" (الجماعات) بمفهوم "المجتمع".. و هكذا أيضاً كان من الطّبيعيّ أن تظهر اليوم الثّقافة "الجماعيّة" العميقة في وجه "الدّولة"، بدلاً من أن يظهر هنالك ما يُسمّى بالمجتمع العميق.
تواجه "الدّولةَ " في سورية، اليوم، طبعةٌ من "السّلطات" الاجتماعيّة و التّاريخيّة أكثر بدائيّة و قبليّة و لؤماً و حقداً و تخلّفاً و رجعيّة من أسوأ المكوّنات الاجتماعيّة في الدّول "الغربيّة" المعاصرة.
في "الغرب" وجدت "المجتمعات" الحقيقيّة التي قامت عليها و من أجلها دراسات و علوم السّوسيولوجيا المختلفة و علم النّفس الاجتماعيّ (السايكولوجيا الاجتماعيّة)، و علوم السّياسة المعاصرة.
و في سورية لا نزال في ما قبل عصر "المجتمعات"، في كثيرٍ من الجوانب،.. ما نزال في عصر "الجماعات" الانفصاليّة التّكوينيّة، و لو أنّها تُنشئ لها خطاباً من "التّقيّة" الاجتماعيّة و السّياسيّة لأغراض الاندماج في مشروع الدّولة و سرقته و الاستحواز عليه، دائماً و من جديد..!؟
هكذا، إذاً، نفهم كيف تواجَه "الدّولة الوطنيّة" في سورية، اليوم، بأعمق مظاهر الانقسامات الثّقافيّة التي تُخفي في جذورها "جماعات" عميقة مناوئة للدّولة و للتّقدم و للتّطوّر و الحرّيّات و الدّيموقراطيّات، في هيئات "احتكار" تاريخيّة للواقع لا تنوي أن تزول!
الأمثلةُ كثيرةٌ على مظاهر "الجماعيّة العميقة" التي تناضل ضدّ الدّولة في الدّولة و من خلال مؤسّسات الدّولة نفسها و بأدوات الدّولة و وسائلها و تمويلها أيضاً..
تعمل ثقافة "الجماعيّة" العميقة ضدّ الدّولة في كلّ السّاحات التييفترض أنّها ساحات اجتماعيّة تشكّل مواضيع من أعمال الدّولة و مهمّاتها و نقاط تأثيرها و إنتاجها، المعاصرة.
نحن نستطيع أن نقف على "نشاطاتها"، اليومَ، في نهايات الحرب، في مختلف المؤسّسات "الخاصّة" منها و "العامّة" أيضاً. إنّها هناك في كلّ مكان لا تحضُرُ فيه الدّولة حضور "سلطة" أو لا يبدو عليها سمات الحضور..!؟
لا تضيف "الأزمات" الحادّة المعاصرة إلى "التّجمّعات" التّاريخيّة المأزومة سوى توكيدات على واقعها المتخلّف و المشوّه، فحسب. و لا مانع، عندئذٍ، من أن ينصبّ النّقد على "الدّولة" بدلاً من أن ينصبّ على مجتمع سراب لا وجود له!
ينوي الإحساس الاجتماعيّ المغامر بوصفه كذلك (أي بوصفه اجتماعيّاً!) أن يخرج من هذه الحرب الكاسرة، بنتائج تناسب حجم التّضحيات..
إنّه من "حقّ" المواطن، الذي خسرَ الكثير في هذه الحرب، أن يخرج بنتائج مُرضيةٍ كتعويض تاريخيّ كان أن ضحّى لأجله، بدلاً من أن تقوم "جماعات" استئثاريّة و احتكاريّة، بعينها، بمهمّة حصاد النّتائج الذي تُضيفه إلى ملكيّاتها، أيضاً، في السّلم..
ترى ألم يحن لهذا "الكائن الحيّ السّوريّ".. أن ينعمَ بأثمان تضحياته في أهوال هذه الحرب و غيرها من الحروب، التي شكّلت قاعدة جذريّة لحياة السّوريين المهمّشين على مختلف و مرّ السّنين؟
لن نخوض، الآن، في تفاصيل اعتداء "الجماعيّة" على نتائج الحرب و أثرها "الإيجابيّ" المُكلف دماً على مشروع الدّولة و مشروع المجتمع، و التي يُفترض أن تُجيّر، بالإطلاق، إلى مكتسبات المواطنين، و المهمّشين منهم بخاصّة، في التّاريخ، في السّلم و الحرب، بدلاً من أن تقوم فئة من الّلصوص- إضافة إلى سرقاتها أيّام الرّخاء!- بسرقة دماء الضّحايا الذين صمد الوطن بفضل تضحياتهم التي لا تقدّر بالأثمان.
كذلك لن نخوض في تفاصيل و معالم الاعتداءات على مشروع المجتمع، هذه الاعتداءات التي يعلمُ بها أبناء "المجتمع الفعليّ" كما يعرفها جيّداً أبناء هذا "المجتمع الافتراضيّ"، سواءً بسواء.
لا يبدو أنّ "الدّولة" الوطنيّة السّوريّة "محظوظة" بمجتمع يليق بها و تليق به!
تُعيدنا هذه الملاحظات إلى ما قبل الحرب، و ربّما إلى وقائع و ظواهر كانت أساساً في تأجيج نار هذه الحرب التي لم تنطفئ، بعد..
أشير هنا إلى واقع علاقات تزعم "الاجتماعيّة"، تختزن في ثناياها كلّ ما يمكن تصوّره عن العداء للمجتمع، في كلّ ما يمكن أن يظهر فيه أو أن يعبّر عنه.
و لكن إذا قبلنا بهذه "الفرضيّة" التي تقول بالجماعيّة "الأهليّة" العميقة، بدلاً من فرضيّة "المجتمع العميق" و "الدّولة العميقة"؛ فهل هل تقبل "الدّولة" في سورية بأن تأخذ هذا الدّور "السّطحيّ" في مقابل دورٍ عميقٍ لجماعات عميقة تعمل أو تحاول أن تعمل على إلغاء كلّ من الدّولة، معاً، و المجتمع؟
يتوقّف الجواب على هذا السّؤال على واقع مفتوح على مجموعة من المخاطر التي تنتظرنا، من جديد، و كأنّها تعيد سيرة الخرافات.. التي كانت أن أصبحت واقعاً حقيقيّاً و قاتلاً.. في هذه الحرب.
إنّ الخرافة التي تصبح في ظروفٍ معيّنة، أداة للقتل الاجتماعيّ و السّياسيّ، هي شيء يتجاوز كونه خرافة، إلى مشروع مجزرة، ثقافيّ، يجب ألّا يتكرّر و ألّا يعود..؛
و إنّ بعضاً من هذه الخرافات القاتلة يتسلّل إلى أجيالنا الجديدة لإنتاج مستقبل إنسانيّ و اجتماعيّ ، كالذي أخصبَ هذه الحرب المعاصرة، في سورية، إلى مجازر لا يمكن أن تنسى أو أن تموت.
من المفيد، على ما تقدّم، في "السّياسة" و "الاجتماع" و شؤون "الدّولة" و "النّظام" و "الحكومة" و حقول العمل و التّنفيذ و شتّى "المؤسّسات"، أن ننطلق دائماً من "واقعيّة" مطلقة (أو وضعيّة فلسفيّة- سياسيّة، شديدة و حازمة) في "معاصرة" العمل في الشّأن العام.
و إنّنا عدا ذلك، نكون بعيدين، أبداً، عن واجباتنا في المواطنة و القيادة و التّفكير و المساهمة، كلّ منّا بالممكن، في واجبات المواطنة، نفسها، التي من إملاءاتها علينا، أيضاً، أن نبحث فيها عن حقوقنا و حقوق الآخرين.
لا ينتهي الحديث في هذا الأمر.
و لعلّنا نعود، في مستقبلٍ للحديث، إلى البحث في مسألة أهمّيّة اكتشاف "البيئة السّياسيّة" للعمل الحكوميّ في أبعاده الاجتماعيّة، و سائر العمل في "الشّأن العامّ".
هذه- في الواقع- مسألة "مركزيّة" فوق ما قد تكرّسَ لها من أهمّيّة "بحثيّة"، و عناية سياسيّة، حتّى الآن...

