813 125

 

كــــــلــــمة و رؤيــــــــا
آخر الأخبار
2026.06.18

فراس حمدون لماذا يُعد "رفع حظر الاستثمار" عن إيران أخطر من منحها مليارات كاش؟ (درس من تاريخ ياسر عرفات) عندما نتأمل ما يتردد في كواليس...  المزيد

2026.06.15

أحمد رفعت يوسف ثمة معادلة يتنفق عليها جميع المراقبين والخبراء، وهي أن الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، لا يمكن أن توقفان حرباً تخوضانها،...  المزيد

2026.06.13

أحمد رفعت يوسف في خطوة لافتة، أعلن وزير الخارجية الأمريكية ماركو روبيو، يوم 29 إيار/مايو الماضي، إنهاء مهمة المبعوث الأمريكي إلى سورية توماس بارك،...  المزيد

2026.05.27

أحمد رفعت يوسف أخيراً توصلت الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، إلى اتفاق أولي لوقف الحرب، والانتقال إلى التفاوض على التفاصيل. الإعلان جاء أول...  المزيد

2026.05.19

د. كمال خلف الطويل يوم الأحد، ١٧ مايو، حدّثت من حولي أن هناك أسبوعان متاحان للرئيس الأمريكي لاستئناف الحرب على ايران: واحدٌ قبل الحج، وثانٍ قبل...  المزيد

2026.04.08

أحمد رفعت يوسف حملت الساعات الاخيرة، قبل انتهاء المهلة، التي حددها ترامب، لقصف غير مسبوق على إيران - كما كان يقول - اتصالات مكثفة، تدخلت فيها...  المزيد

2026.03.24

سعد فنصة تشير التطورات الميدانية والتسريبات الدبلوماسية حتى اليوم (24 مارس 2026) إلى وجود حالة من التضارب والغموض في مسار التفاوض بين واشنطن وطهران...  المزيد

2026.03.22

سعد فنصة حتى يوم (20 مارس 2026)، لا توجد أدلة مؤكدة أو مؤشرات رسمية على وجود حركة انقلاب عسكري وشيكة ضد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. رغم وجود...  المزيد

[سلسلة الفكر الإستراتيجي "9" الحلقة التاسعة]


{في الطّوبولوجيا "علم الفراغ أو المكان" الذّريّة للدّولة.. و في احتدام السّياسة في "النّواة"}

ــ د. بهجت سليمان

ترجع قساوة الحرب و قسوة آثارها علينا إلى كوننا نواجه فيها ما لا نحبّذ أو نريد.

صحيحٌ أنّ القتل و الموت و الدّمار و الخراب كلّها و ما إليها ظواهر طاحنة و خارقة؛ ولكنّها، علاوة على هذا، هي مظاهر "مدهشة"، بحدود معيّنة، للعقل.

إنّ دهشة العقل احتجاجٌ "أصليّ" يتناول بالرّفض ما يُنتجه الإنسان، بهمجيّته المكنونة، من آليّات و أشياء تدلّ على فشله (العقل) في تعقّب ذاته في الإنسانيّة المزعومة في الممارسات و المفاهيم. و ليس ذلكإلّا بسبب "مفاهيم" الوجود، بالذّات، التي هي، أصلاً، محلّ خلافات و نزاعات و صراعات سياسيّة و أيديولوجيّة و فلسفيّة و عسكريّة و مسلّحة.

هذا وجه من أوجه "السّياسة" و ساحة واسعة، لها، تعصف فيها جميع الأفكار و الأسلحة و المصالح و المطامح و المزاعم و العزوم.
باختصار فإنّ جميع ذلك هو ممّا يدخل في صراع "المفاهيم" و قد تضاعفت في الممارسة إلى مستوى الممتلكات الشّخصيّة و المقدّسات الخاصّة.

هنا و في هذه البيئة السّياسيّة، التي علينا الانتباه إليها في الممارسة العمليّة في للحكم- كما كنّا قد أشرنا في حديث سابق، هنا- من الواجب أن ندرك حقول صراع الأفكار و المفاهيم – و البديهيّات، أيضاً!!- بحامليها من الأفراد و القوى و "السّلطات" المختلفة، و التي تتبنّاها، لأسباب و أهداف محدّدة، الجماعات المتمايزة التي دخلت في تعضّيات سياسيّة لها فيها أغراض و مآربُ و مُرامات.

لن ندخل في تحليل قيمة الغايات و أخلاقيّاتها و مسوّغاتها التي تطرحها تلك القوى و الجماعات في مجمل، أو في مختلف، شعاراتها و أيديولوجيّاتها؛ غير أنّنا لا نفعل ما يجعل العلاقات الدّاخلة فيها مفهومة ما لم نعكف على ثقافاتها المختلفة التي تشكّل بالنّسبة إليها محمولاتها و دوافعها الكافية التي تؤيّد أسباب الصّراع.

نتحدّث بتحليليّة اجتماعيّة و سياسيّة، ستبدو أنّها مبتكرة- و هي كذلك- استدعتها تلك المفارقة التي تعبّر فيها تلك المكوّنات عن نفسها في انفصالات و انقسامات تحت سقف واحد ، لمجتمع يؤلّف الجميع.

هذا هو لغز "المفاهيم" المتواجهة بالسّلاح و التّحدّيات الدّائمة و المستمرّة في الغايات المنظّمة بالمشاريع المنفصلة، في ما يسمّى "المجتمع" الواحد الذي قلنا عليه، سابقاً، بأنّه مكانٌ جيوسياسيّ- جمعيّ لجماعات تاريخيّة و ثقافيّة، لا يجمعها سوى ضرورة الخطاب التّاريخيّ المزيّف أو الاضطراريّ في الاجتماع.

تعمل الحروب و الأزمات الحادّة على أن تفقدنا "التّوازن" الاجتماعيّ و السّياسيّ و حتّى الإنسانيّ، إلى درجة تصبح فيها كلّالعلاقات المفهوميّة المُحدِّدة للدّولة و الشّعب و الأفراد معرّضة لتبدّد الاستقرار و عَوَز اليقين.
و لكنّ المعرفة التي، وحدَها، تتيح لنا قوّة أدائنا في الإصرار على التّجاوز الضّروريّ لواقعات العنف التي سجّلتها الحرب، كفيلة بأن تنقذنا من فقدان التّوازن، في مسؤوليّة وطنيّة ينبغي أن تُخضع جميع النّابهين المتنبّهين إلى مخاطر استمرار العنف "البشريّ" التّكوينيّ،الذي ليس له حدود، في اللاتكافؤات و اللاتماثلات.

إنّ للعنف سيرةً مغرية في الثّأر القبليّ ، الذي يجعل "الجميع"، القادرين(!) في دوامةٍ عاصفةٍ من التّطلّع الدّائم إلى الإبادة المتوحّشة لمستقبل أجيال وراء أجيال.. هذا جميعه ممّا هو متّفقٌ عليها بين الأعداء و الأصدقاء و الخصوم و "المتناوئين".

و في تفاصيل المسؤوليّات التّاريخيّة الواحدة تُظهر التّحليليّة الواقعيّة نقصاً سياسيّاً مألوفاً في هذه "النّظرة" يُعزى إلى عدم أخذ مفردات الواقع المفهوميّة، التي سمحت باندلاع الحرب أو بتأجيجها،
بجدّيّة كافية، ما كان يمكن أن يجعلنا- عمليّاً و نقديّاً- في ممارسة المفاهيم، أكثر واقعيّة أو أدقّ بكثير.

هذه بعض مرتّبات المسؤوليّة الاجتماعيّة و السّياسيّة التي على الدّولة، وحدها، في سياقات الحرب و الصّراع، أن تراجعها باستمرار كموجّه للتّطوّرات التي تنحرف أو تستقيم فيها مجاري الأحداث.

لقد تكفّلت الحرب بتعرية جميع المضامين المغلّفة للأيديولوجيات التي كانت تتصارع بالسّر، في سورية و في المنطقة و ربّما في العالم، أيضاً. و تبعاً لذلك تشكّلت مراكز صراع جديدة في استقطابات علنيّة و صريحة و وقحة.. ، علاوة على تلك التي راهنت في الماضي- و ما زالت- على إحياء مشاريع التّمزيق و التّشتيت.

لقد نما، أيضاً، على هامش هذه و تلك مفاهيم جديدة انضمّت من جديد إلى حلبة الصّراعات، ممّا ترك أثراً معقّداً على البيئة السّياسيّة للحرب، و أحدث مجّدداً استراتيجيّات جديدة في طرق و مؤامرات و أدوات و وسائل خوض "الصّراع".

تكمن البرهنة على طبيعة "الطّبقة" السياسيّة "المستقرّة" أو "غير المستقرّة"، في التّجربة، في إمكانيّة و ملموسيّة و عمق و شموليّة التّنظيم الاجتماعيّ الحامل للسّياست العامّة، في "النّظام".
هذه مسألة فيزيائيّة تعدّت إلى السّياسة!

و لكن ما هي "فلسفة السّياسة" إن لم تكن، على الحصر، هي تلك المعرفة التي تنقّب عليها "العلوم" المتعدّدة و التي تُعنى أساساً في "الفيزياء" و "الميتافيزياء"، لتنتقل، بعدها، بالنّتائج الموحية و الدّالّة،"الواقعيّة"- أو شديدة الواقعيّة- الملموسة، إلى طائفة من "المبيانات" العمليّة، التي، في ضوئها، يخرج "الفعل" إلى حقول التّطبيق و التّنفيذ و النّقد المرافق؟
نحن لا يمكننا الثّقة بأيّة فلسفة في التّطبيق السّياسيّ، ما لم تكن فلسفة على جوهريّة "الواقع" و "العالم"- و الكون، أيضاً- و أعني تلك التي تمثّلها المعرفة في الفيزياء و في الميتافيزياء.
ناهيك عن أنّ "السّياسة"، نفسها، في "ماهيّتها" (فلسفيّتها) هي تطبيق شديد البساطة و الوضوح- على ما يبدو عليه من التّعقيد- لنتائج المعرفة الوطيدة بالموجودات.
سنشرح و نوضّح هذا الأمر بعد قليل.

أمّا على سبيل الحديث في "الموجودات"، فإنّ الإخفاقات المتكرّرة في السّبل السّياسيّة، اليوميّة منها و الاستراتيجيّة، لا يمكن أن تُفسّر بأكثر من كونها نتائج "طبيعيّة" للإهمال الشّائن الذي يُصيب المكوّنات و المفردات و العناصر البيّنة و المتخفيّة ، و التي تتألف منها حقول الفعل و النّشاط في الحاكميّة و التّدبير.

إنّ ما غاب عنّا، في "الحقل"، لسوف يفاجئنا في الفضَاء!

و البيئة السّياسيّة للعمل الحكوميّ هي واحدة من الإشكاليات التي تحكم جميع السياسات الرّئيسة في بلدان العالم غير المستقرّة كما هو الأمر حاصل، مثلاً، في سورية و سوف يكون موضوعاً للمستقبل السّياسيّ للدّولة و المجتمع، أيضاً.

في قلب "الدّولة"، في قلب "النّظام"، في سورية، ثمّة، إذاً، معالم من عدم الاستقرار السّياسيّ العائد لاحتدام الأفكار و "المشاريع" و الاستراتيجيّات و الاستراتيجيّات النّقيضة و التي تشكّل بمجملها "نواة" النّظام.

يشهد على ذلك واقع "التّنازع" الذي يتظاهر، اليومَ، كما كان قد تظاهر في "الأمس"، في تحدّيّات و منافسات "فئويّة" و "عصبويّة" على الاستئثار، بدفّة توجيه سياسات الدّولة و المجتمع في الحقول الجوهريّة ، التي تشكّل قاعدة الدّولة و أسس النّظام كحقول التّربية و الإعلام و الاقتصاد و الثّقافة و التّعليم.
من الطّبيعيّ أن كلّ ذلك هو ما يصنع حلقات "النظام" المدارية في فيزيائيّة ذرّيّة الدّولة.

و أمّا بالعودة إلى شرح مضمون "المبيان" الفيزيائيّ في "فلسفة السّياسة"، فإنّه في "نواة" الدّولة، و أعني في مستوى "القرار السّياسيّ" الآمِر، ثمّة احتدامات تفاعليّة تجعل من "الاستقرار" السّياسيّ في مستوى النّظام الاجتماعيّ أمراً متنازعاً عليه هو الآخر، و بالتّالي مادّةً يوميّة للتّجربة التي يدخل فيها جميع من هم من حظيرة "الشّرعيّة" و من هم من خارجها أيضاً.

إنّ عدم الاستقرار هذا، كما أشرنا، عائد إلى التّركيبة الفيزيائيّة- الذّريّة لنواة الدّولة الأكثر كثافة و كتلة و طاقة احتماليّه ممكنة.

كما هو الأمر في فيزياء الصّغائر الدّقيقة، فإنّ كتلة النّواة أو "العدد الذّريّ" المنخفض لواحدة الذّرة، يُعتبر أو يشكّل استقراراً للذّرة، و ذلك عندما تكون نسبة المكوّنات السّالبة و الموجبة للنّواة- في "النّواة"-(أي نسبة النيوترون إلى البروتون) قريبة إلى "الواحد" أو مساوية للواحد..!

إنّ الطوبولوجيا الذّريّة في "الواحد" المستقرّ في نواة الذّرّة ، تعكس تعادلاً في مكوّنات "النّواة" و ميلاً نحو "الواحد" النّسبويّ.
و إنّ استقرار "النّواة" هو ما يُفسّر أو ما يُحدّد استقرار "الذّرة" كلّها. و في الحالات التي يرتفع فيها "العدد الذّرّيّ" (أو الكتلة الذّريّة) للذّرة يستحيل جميع "نظام" الذّرّة إلى "الفوضى" أو أقلّه إلى عدم الاستقرار، و هذا ما يجعل طوبولوجيا الذّرّة كلّها فضاءً قلقاً، "أنتروبيّاً" نشِطاً..، ميّالاً في حالته هذه إلى "التّوتّر"، "مُشعّاً" و ربّما منفجراً أو متفجّراً كذلك..!؟

و هكذا ينطبق واقع "الذّرّة" على واقع "الدّولة". و ينطبق، تالياً، واقع "النّواة" في الذّرّة على واقع "النّواة" السّياسيّة للدّولة، هذه النّواة التي تشكّل جوهر النّظام السّياسيّ و قدرته على ضبط "المعادلات" الكمّيّة الخالصة في مكوّنات هذا "الجوهر"، و فرض سيطرته على الفضاءات التّالية في المدارات التّكوينيّة للدّولة ، بما فيها "الحكومة" و السّلطات الإداريّة و التّنفيذيّة الموزّعة في سفوح القرار السّياسيّ السّياديّ.

لا يمكن للسّياسة المعاصرة أن تتجاهل هذا التّمثيل الفيزيائيّ للدّولة بالذّرّة. السّياسة فلسفة على "الواقع"، و إدراك هذا الواقع هو عمليّة علميّة أوّلاً تمارَسُ بواسطة جملة من الفنون و المهارات و "السّلطات" المتوالية التي تُظهر جماليّة الانتماء السّياسيّ إلى واقع هو، أصلاً، فيزياء خالصة. وأعني تماماً و على الحصر، هذه المبدئيّة السّياسيّة التي لا يمكن إنجاز الإحاطة بها، إلّا بناءً على فلسفة سياسيّة ، مضمونها فلسفة على الفيزياء و على الميتافيزياء!

تعدّ جميع محاولات الدّولة لضبط الأداءات المختلفة ، لممارسات الحكومة في الإدارة و التّنفيذ، لتوزيع "القوّة" في "النّظام"، تُعدّ فاشلة و محالة دوماً ، ما لم تأخذ بأدواتها وعيها و إدراكها لطبيعة "القوى" و "التّعمّلات" الموضوعيّة في المجتمع ، و بخاصّة تلك التي دخلت في معادلة "النّواة" الذّريّة- السّياسيّة بواسطة حياواتها الموضوعيّة و المفروضة في أدوات "الحكومة" و الحكم.

ليت المسألة مسألة أخلاقيّة (أو وطنيّة) كما يُشاع في "السّياسة"، تلك التي تحدّد الاستحالات السّياسيّة في مجرى تناقضات التّكوين. و ليس الأمر متعلّقاً بالضّبط المجرّد عن المعرفة.
كما أنّ المسألة لا تكمن في الرّقابة و المحاسبة و المعاقبة، ما لم يسبق كلّ ذلك ممارسة "سياسيّة" أصليّة لجوهريّة فكرة "النّظام" و مشروعه ، حال يكون للدّولة و للنّظام مشروع واضح و ممكن و قويّ و مسؤول.

إنّ البيئة السّياسيّة للعمل الحكوميّ، على ما حدّدناه من تمثيليّة "ذرّيّة"، هي شرط توجّه العمل الحكوميّ نفسه إلى أهداف الدّولة السّياسيّة.
و في الوقت الذي يصبح مشكوكاً فيه وضوح هدف الدّولة و مشروعها، يكون من الطّبيعيّ أن تطمح "الحكومة" إلى الاستهتار بالغايات السّياسيّة الأساسيّة في المجتمع و الدّولة، و في الثّقافة و التّربية و التّعليم و الاقتصاد و الإعلام و المال..، إلخ؛ بتطبيقها لأغراضها "المحدودة" من دون "مثال" سابق أو واضح أو أخلاقيّ.
هنا تعمل الحكومة بالطّبيعة على أن تكون بديلاً للدّولة و الغاية و المجتمع و النّظام و الأخلاق.. في وقت واحد!

لا تمارس الدّولة طبيعتها في غاياتها السّياسيّة بواسطة فائض القوّة فحسب.. القوّة الأصليّة و المعياريّة هي وسيلة الدّولة المثلى في الشّرعيّة و السّيادة.

إنّ فائض القّوة في الدّولة سوف يقابله عنفٌ في الإدارة و التّنفيذ و الأغراض، و ذلك ردّاً شرطيّاً انعكاسيّاً على احتكار إسراف الدّولة في ممارسة القوّة الظّرفيّة في خارج الوسائل و الأدوات، يصدر عن مؤسّسات الحكومة التي تنافس "الدّولة" على الاستئثار بالقوّة و القوّة الظّرفيّة.

و على اعتبار فقدان "الحكومة" لأدوات القّوّة السّياديّة الأساسيّة في الدّولة، فإنّ التّطبيق الإداريّ و الحكوميّ، سيعمل على التّعويض "السّلطويّ"، عن الممتلكات التي لا يمتلكها، بواسطة توسّل "العنف" و بخاصّة منه العنف "غير المباشر"، و الذي لا يُصيب "الدّولة" مباشرة في صميمها، مع أنّه سيدمّر و يهتك جوهر الدّولة و المجتمع على المدى التّراكميّ المنظور و البعيد.

هذه هي استراتيجيّات "الجماعيّات" العصبويّة المتخفّية في الحكومة و التي تشكل دولة في الدّولة على نحو أخطر و أمضى، و في تناقضِ و تناحر و تداحم الأهداف.

و كما تعتقد "الماركسيّة" مثلاً- بأن الحكم المعاصر في كلّ الدّول الحديثة هو ليس للسّياسيين كما يبدو في ظاهر الممارسة، و إنّما هو للطّبقة التي تمتلك وسائل الإنتاج التي تحدّد طبيعة القرار الاقتصاديّ و القوّة السّياسيّة في مبادء الإنتاج و التّوزيع و الاستهلاك و البنية الفوقيّة في فضاءات المجتمع و الدّولة..
فإنّنا نستطيع، ببساطة، أن نضيف إلى ذلك في الدّول الأقلّ تطوّراً "رأسماليّاً"- كما هو الأمر عليه في سورية، على سبيل المثال- أنّ "الحكم" هو أيضاً لمن يشترك فيه "عنوة" من السّلطات المستقرّة في الخفاء و المتنفّسة في "الحكومة" و "الإدارة"..، إلخ؛ و التي تعمل، مباشرة، بمواجهة الدّولة في مشاريعها الوطنيّة الجامعة ، لصالح المشاريع العصبويّة التّفتيتيّة و التقسيميّة التي ستهدّد جوهر الدّولة إن عاجلاً أو آجلاً ، بما هي تتناول بالتّخريب و التّمير قاعدة الدّولة و حقلها التّلقائيّ ، الذي هو المجتمع في علاقاته المعاصرة و حاجاته إلى التّماسك و التّجانس و التّماهي في خطوطه العامّة الأساسيّة الأولى.

تعمل الحكومة في البيئة السّياسيّة "القلقة" (بالمعنى الفيزيائيّ الذّرّيّ الذي وجدناه أعلاه) على تقديم نفسها كبديل عن غياب "النّظام" أو "توتّر" الدّولة. .
و هي تضيف أيضاً إلى واقع التّشتّت الفيزيائيّتشتيتاً آخر في محاولاتها اغتصاب "جميع" السّلطات الدّستوريّة. و قد لا حظت أنّ "الفوضى" (الأنتروبيا) التي تمكّنت من "نواة" الدّولة أصبحت مناخاً ملائماً لبيئة مخلخلة في شكل "النّظام" السّياسيّ (بعد أن غابت صورته المتماسكة) الذي يتداعى في التّجربة إثر التّجربة ، دون أن يُحقّق له نجاحات على مستوى الاستراتيجيّات المجتمعيّة أو الإداريّة.

إنّ الدّور "الشّاسع" الذي تحتلّه "الحكومة" في اغتصاب "السّلطة" التّقليديّة منها و غير التّقليديّة للمشرّعين و السّاسة، في وقتواحد، هو تهديد جدّيّ تتعرّض له "الدّولة" في نظاهما "الذّريّ" السّياسيّ.
حتّى "الذّرّة" الخاملة- في الفيزياء- يسبقها عمر من التّفجّر أو الإشعاع. . و كذا هي الدّولة أيضاً في مشروعها السّياسيّ ، عندما يُترك للأدوات.. خارج النّواة؛ بل وعندما تغلي و تتبخّرُ، أيضاً، تناقضات و تضادّات و احتدامات "النّواة"..!؟

وُجِدَت الحكومة لتنفيذ سياسات الدّولة، و ليس العكس! أي أنّ "الدّولة" ليست خادمة للحكومة في معرض استشراء سرطان النّفاق الثّقافيّ- التّاريخيّ الكفيل بتدمير كلّ سياسة عامّة و كلّ مشروع عام و كلّ دولة و كلّ نظام!

كيفما قلّبنا الأمر، يعود بنا الفرض إلى دور "القادة" في تاريخ السّياسات و في تاريخ الأفكار و الدّول و الحضارة.

إنّه كلّما كانت المعطيات "الموضوعيّة" فقيرة لشعب من الشّعوب في حالته الرّاهنة ، التي تشكّل أساس التّحدّيات القاسية و المعقّدة، أو كانت تلك المعطيات تعمل بعكس اتّجاه الغايات الاجتماعيّة و السّياسيّة، فإنّ دور الأفكار و القادة يتعاظم على رغم كلّ محفوظات الأدب السّياسيّ على "المصالح" و "التّواطؤات".
هنا تتعاظم، طرداً، كذلك، أهمّيّة الاصطفافات السّياسيّة التّاريخيّة إلى جانب، أو بعكس، حاجات الأوطان و الدّول في إعادة تشكيل المجتمع المعاصر ، الذي يوصف بأنّه مجتمع سياسيّ و حضاريّ يقف في وجه التّفتيت القائم على الجذور السّايكولوجيّة ، لذكريات و دوافع و حوافز و مغريات الفرقة و التّفتّت و الانقسام و الانفصال.
و الحكومة في مثل هذه الحالة هي ليست أكثر من وسيلة لتحقيق الأهداف و أداة لقول "الغاية" و إملائها على الجميع دون أيّة زيادة أو نقصان أو تحريف.

هنا تتّضح كثيراً معالمُ الخروقات الأصليّة التي تقوم عليها الدّيموقراطيّات الحديثة ، و بخاصّة في الظروف التّاريخيّة المشوّهة بالخلافات الخارقة للاجتماع؛ و يتّضح معها، أيضاً، تزوير الإنسان بواسطة "السّياسة" الانغلاقيّة، بدلاً من أن تكون السّياسة صانعة لأهدافها التي عليها ألّا تتنافى- و إن تناقضت أحياناً- مع المصلحة في العدالة و الخير و الأخلاق.

يتّصل بهذا، في العمل اليوميّ، واقعُ أنّ البيئة الواقعية للسّياسة ليست بمختبر من دون حدود، و ذلك بالتّساوق مع واقع أن الاختبارات السّياسيّة للأفكار، هي ليست، أيضاً، محدودة بالنّمط السّائد للوعي "الجمعيّ" الذي قلّما له، في ظروف التّحدّي التّاريخيّ الرّجعيّ النّمطيّ و المنسّق، أن يصبح اجتماعيّاً في مكوّنات الدّولة الوطنيّة المعبّرة عن اتّجاهات التّقدّم و العدالات و الحرّيّات.

و في سياق المسؤوليّات، تبرز أهمّيّة القدرة السّياسيّة على اتّخاذ القرارات "الاجتماعيّة" أو ذات البعد الاجتماعيّ التّاريخيّ، الذي يساهم في إنتاج المجتمع، متجاهلاً اعتبارات الحدود الاعتباريّة للفئات و الجماعات و الطّبقات، و ذلك ما أمكن إلى ذلك عمليّاً، و هو ممكنٌ في حدود..!

ليست القرارات التي تتّخذ بوحي من "المصالحة" الدّائمة مع "الاستقرار" المشكوك فيه، بقراراتٍ اجتماعيّة تاريخيّة تدخل في إنتاج الاستقرار الوطنيّ؛ و ذلك باعتبار أنّ استقرار مصالح الجماعات و الفئات الأيديولوجيّة ، هو ليس استقراراً "اجتماعيّاً" قادراً على أن يدوم أو يساهم في النّواة الوطنيّة للمجتمع السّياسيّ أو للطّبقة السّياسيّة الوطنيّة ، التي لا يمكن لها أن تتبلور من دون المغامرة المدروسة سلبيّاً و إيجابيّاً في أرجحيّات مفهومة و واسعة.

إنّ صعوبة القرار السّياسيّ ليست ذريعةً للتّضحية به، من حيث أنّ التّحوّلات الوطنيّة في المجتمعات المنغلقة نسبياً - كمجتمعنا السّوريّ - تتطلّب تحدّياً أكيداً للعرف الذي يتراكم في تطوّرات عنيفة، دائمة، في طموحه إلى الخلود. إنّ الواقع "الخالد" هو واقع ميتٌ لا يجد من يقوم بتشييعه إلى المقبرة!

تعتبر "البئية السّياسيّة" كرمزٍ للرّوح الوطنيّة "المثاليّة" التي تتفوّق فيها الثّوابت على المشاعر. المشاعر متحوّلة و عابرة و فيها الكثير من الأنانيّات الإنسانيّة الذّاتيّة و الكذب و النّفاق.
و الأفكار المؤيَّدة بالميل التّاريخيّ للمجتمع- بأعلامه الفاعلين- نحو الكرامات الوطنيّة العامّة الشّبع و الأمان و الرّفاهيّة و الشّرف الأمميّ، هي الثّوابت التي على البيئة السّياسيّة أن تمثّلها و أن تضحّي لأجلها و تعمل على ترسيخها في الرّوح العامّة.

و تأتي "الممارسات" و "التّطبيقات" العمليّة الحيّة لتعمّق هذه الصّورة "الأخلاقيّة" التي، و إن بدت على أنّها تمثّل الكمّ البشريّ الأوسع، هي تمثّل، أيضاً، و بعمق و ثبات، أفضل النّماذج التّاريخيّة التي تؤسّس لمستقبل الأوطان و الشّعوب.

إنّ تنفيذ مطالب و متطلّبات المصالح التّاريخيّة للأمم و المجتمعات و القادة و الأفراد، و حاجاتهم ذات الطّابع الذي يوافق "الغاية" الوجوديّة من السّياسة و الحكم، في "الخير" و "العدالة" و "الفضيلة" و "الوجوب"، إنّما ينبغي أن يؤكّد على هويّة "البيئة السّياسيّة" للحكم ، و ذلك فوق أنّ عليه أن يساهم في تكريسها بأن يكون عنصراً من عناصرها، و ليس متجاوزاً لها في اجتهادات ذاتيّة و ذات أهداف مدمّرة و تقصد، مباشرة، إلى التّدمير.

لا يوجد خطأ سياسيّ تاريخيّ أو استراتيجيّ من دون قصد. . و لكنْ توجد تبريراتٌ لا حصر لها لإثبات حسن النّيّة المفضوحة و الشّائنة!

لننتبه، أخيراً، إلى حقيقة يُعدّ تجاهلها جهلاً..، ناهيك عن أنّ جهلها مصيبة في السّياسة!

" الجميع " يعملُ على النّفوذ و "السّلطة" و الحكم.. و من الطّبيعيّ أن يأخذ هذا الأمر شكلَ الاستبداد، عند من هم يمارسون عنف المناهضة للمجتمع في سعيهم إلى إحداث "مستنقعاتٍ" موحلة من الرّكود ، الذي يعملون به على حجز مجرى "الحقّ" في عقلانيّة الاجتماع و السّياسة و الأخلاق..
فيما يعمل نفرٌ من "الأحرار" على التّوفيق و الدّمج بين مشاريعهم "الفرديّة" الأخلاقيّة، و مهما كانت حصّتها من "الذّاتيّة"، و بين مشروع "العدالة" الذي يندفع من خلفيّات سياسيّة و اجتماعيّة ميتافيزيقيّة (فلسفيّة) خالصة تنتبه فيها "الإرادات" و تتنبّه إلى خالصانتمائها و إخلاصها إلى "كلّيّة" نوعيّة من كلّيّات "الخير" و "الأخلاق" و "العدالة" في السّياسة و الاجتماع.

و واضح أنّ "فكرة" الدّولة، بالذّات، إنّما لا تقوم في "العقلانيّة" على أقلّ من كلّ هذه "الكلّيّات".. ، على الرّغم من وجود "هامش" واسع و ضروريّ تُمارَسُ فيه تلك "الكلّيّات"، سياسيّاً و تنفيذيّاً، في نسبيّة الاستطاعة و التّمكّن و التّمكين؛ و لكنْ ليس، و بأيّة حالة من الحالات، بأن تدخل "السّياسة" في تلك "النّسبويّة" المقيتة و القاتلة من التّخلّي عن "الضّرورات" و لو اكتستْ لباسَ المشقّات في تحريم استراتيجيّات التّفويض..!؟

لا شيء يعذر "السّياسة" في التّخلّي عن "الاجتماع".. الاجتماع هو بيئة السّياسة الحقيقيّة و حقلها الوجوديّ.
مع العلم أنّ "المجتمع"، و حتّى منه "النّاجز" في التّطور و الانفتاح، لا يقود السّياسة كأداة له..

ناهيك عن خطر توغّل "الجماعات" الموصوفة في بيئة السّياسة لانتزاع قرار الدّولة في الأهداف و الغايات..
هذا إنْ لم يكن العكس حالة من حالةالإطلاق! و أعني أنّ هدف "الدّولة" و غرضها هو - بالضّبط- خلق المجتمع في فنّ واسع من السّيطرة، و الذي به تصل الدّولة إلى غاياتها في "عالميّة" (أو كوسموبوليتيّة) "الغايات" المعقّدة و المتناقضة في العائديّات .

 

ــ [الطوبولوجيا Topology]، في الرياضيات، هي: علم الفراغ أو علم المكان.. كلمة يونانية (من topos وتعني مكان وlogos تعني دراسة) هي دراسة المجموعات المتغيرة التي لا تتغيّر طبيعةُ محتوياتها.

المرأة السورية.. سيدة الجمال والأناقة وقوة العطاء والإخلاص
د. جوليان بدور بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، نقف إجلالًا وتقديرًا للمرأة السورية التي لم تكن...
الدّكتور علي سليمان الأحمد طبيب وشاعر وفقيَه سوري
  ولد في قرية السلاطة التابعة للقرداحة في محافظة اللاذقية عام 1912م، وتوفي عام 1995م. هو...
الجنس والجنة والمشايخ
  أحمد الرمح لم اقتنع أبداً بما يصرخ به الوعاظُ في تفسير حور العين جنسياً؛ لترغيب الناسِ...
في اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري من اجل الكشف عن المصير المجهول لسوريين مختفين قسريا
لقد عانت بلادنا وعلى امتداد العقود الماضية، ومازالت تعاني، من آثار جريمة الاختفاء القسري التي...
سكابا يا دموع العين
نبيل عجمية ذهبت أمي يومًا إلى أقربائها، تلتمس عَجنةً صغيرة تسدّ بها جوعنا، نحن أطفالها الثلاثة...
ميشال بك دوم أحد أبرز الآباء المؤسسين للقامشلي ومن أوائل رؤساء بلديتها
عهد الهندي هذا ميشال بك دوم، أحد أبرز الآباء المؤسسين للقامشلي، ومن أوائل رؤساء بلديتها، والرجل...