[سلسلة الفكر الإستراتيجي "17" الحلقة السابعة عشرة]
{القَدَر كمأساةٍ.. و انفصالُ "العقل" عن "مقولاته" في "المفاهيم"}
ـ د .بهجت سليمان-
هل لم نأتِ جميعنا من الأبد...؟!
لا أظنّ أنّ جواباً شافياً كافياً يستطيع، و مهما بلغ من الحقيقة أو الحكمة و الضّوء و النّور، أن تَقُرَّ به عينٌ واحدةٌ فغرَت في ذُرى رماديّة هذه الفكرة الكالحة و هي تنظر إليه أو تنتظرهُ بدهشة و قلق و ارتعاد، و بخاصّة في فاتحة حديث.
و هل لنا أن نسمّي "المكان" و "الزّمان" اللّذين يتفوّقان على سائر عناصر هذا السّؤال، بإسمٍ مناسب؟
عندما يكون "الشّيءُ" يتضمّن جميع تاريخ المكان و الزّمان الكونِيَينِ و العائدين لجميع الأشياء الأخرى، بما فيها الإنسان و الذي لا ملامح له على التّأكيد؛ و يكون هذا "الشّيءُ" ذاتُه، في الوقت نفسه، لا يتضمّن "شيئاً" من الأشياء التي نعهدها "في" أحاسيسنا "بواسطة" مشاعرنا(!).. و ملكاتنا التي ندّعيها؛ فإنّ هذا الشّيء هو ما يُدعى، بالّلغة، "القَدَر"..!
و إذا كانت "الّلغة" توحي أو يُوحَى إليها لتقولَ إنّ "القدرَ" هو "وقتُ الشّيءِ أو مكانه المُقدّرُ له"..، أو إنّه "القضاءُ الذي يقضي به الّله على عبادهِ".. أو "ما هو دون قصدٍ أو تدبيرٍ من أحد"..، إلخ؛ فإنّ "الفلسفة" بما هي فنونٌ بالتّفكير و القول لا تكتفي بهذه الإيجازيّة المُخلّة بطموح الطمأنينة العقليّة في اكتناهات العقل لمجاهيل هذه "الطّبيعة" المتسائلة، و لكلّ هذه الأسئلة الكونيّة المعطاة للفكر دُفعةً واحدة.
لقد تطرّفتِ الأديانُ السّماويّة و الأرضيّة في تعاملها مع الحاجة الإنسانيّة إلى أن تُشفي لها غليلَها في "محكوميّتها" هذه، في الحياة و الموت في ظلّ "المقادير" الوجيزة التي أعطيها "الإنسان"؛ فما كانت إلّا أن زادته "حيرةً" و "قلقاً" و "تأمّلاً"؛ بينما أعطى، هو، نفسَه قيمة له مختلفة عن تلك التي منحته إيّاها تلك "المقادير"، اتّقاءً بها من تلك "الغربة" المعرفيّة التي يعيشها في حضرة "القدَر"..!
لقد تقصّدتُ أن تأتي "المقادير" (الكلمة) في كلماتي السّابقات في صيغتي "الفاعل" و "المفعول" لأقولَ إنّ "الأديان"، هي أيضاً، لم تُعطِ "الإنسان" ككائنٍ حيّ أيّة أفضليّة أو أولويّة على قائمة "المخلوقات" بالدّليل القاطع الذي جعلته معه غريباً و لا يقلّ غربةً في هذا "الكون" عن أيّة ذرّة من ذرّات الهَباء!
و أمّا ما قد ورد هنا و هناك في "النّصوص المقدّسة" التي خاطبتِ "الإنسانَ"، فإنّما هي شيءٌ مختلف كثيراً فيمَن خاطَبَتْ، من حيث أنّه لا يعلم تأويلها غير "الله" والراسخون في العلم.. قوله تعالى: "و ما يعلمُ تأويلَهُ إلّا الله" – "و الرّاسخون في العلم يقولون آمنَّا به"(آل عمران: 7) .
كان "القرآن الكريم" قد صرّح في الكثير من الآيات و المواضع في أمر "القضاء و القدر"، فجاء "المعنى" الذي يحدّد هذا الأمر بمثابة الإقرار بمفعول "سابق" على "الّلغة" نفسها، و تالياً سابقاً على "الظّرف" في "المكان" و "الزّمان".
قوله تعالى: "و لكن ليقضي الله أمراً كان مفعولا"(الأنفال: 42)؛
و قوله تعالى: "و كان أمر الله قدراً مقدورا"(الأحزاب: 38)؛
و إذا كانت "النّصوص المقدّسة" لا توحي بالتّفريق العازل ما بين "القَدَرِ" و "القَدْر" (أو المقدار)، مع الاختلاف الّلغويّ الّلطيف و الصّريح، فذلك لأنّ "أمر الله" نفسه هو أمرٌ، في الأصل، لا يشترطه "الزّمان" و "المكان" و "الأيس" و "الّليس"، و هو إلى ذلك لا يقع وقوعاً "بَعْدِيَّاً" بل هو "واقعٌ" "قَبْلِيَّاً" في "التّقدير" الذي يعني، هنا، دخول الأشياء الحاصلة و التي ستحصُلُ، كلُّها، في "المقادير" المحصيّة "إحصاءً". قوله تعالى: "و كلّ شيءٍ أحصيناه كتابا"(النّبَأ: 29).
يوحي "القدر" في المضمون الدّلاليّ بأنّه ذلك "الوضع" أو "الشّرط" الوجوديّ الذي يرى فيه الإنسان نفسَه إزاء "الجبر" الخالص في "حتميّة الطّاعة" التي تجعل من الإنسان كائناً مذعِنَاً إذعاناً خالصاً أمام الفروض الإلهيّة التي لا يملك معها تبديلا.
و مع ذلك اجتهد رؤوس "الفكر الإسلاميّ" من "أهل السّنة" لإثبات بطلان "الجبريّة" أو "الاضطراريّة" التي دان بها "فرقة" أو "طائفة" من المسلمين عرفت ب"الجبريّة" و مع ذلك فإنّ أرباب هذا "المذهب" قد "انقرضوا في أواخر القرن الرّابع من الهجرة و لم يبق لهم أثر".
[ القضاء و القدر. جما الدّين الأفغانيّ. المطبعة المحموديّة التّجاريّة بمصر].
و ذهب "الأشاعرة" في حدود متوسطة بين "الجبر" و "الاختيار" فقالوا بنظريّة "الكسب" التي ترى أنّ "أفعال العباد تنقسم بالمشاركة بين الله و عباده"؛
هذا فيما قال "الماتريديّة" بقسط أكبر للإنسان في اختيار أفعاله لأنّه "قادر على تكييف أفعاله" و ذلك في كلّ ما ليس له صفة "الخلق الإلهيّ".
و أما "القُدُريّة" فقد قالوا ب"الاختيار" و ب"حرّيّة الإرادة"، فالإنسان في نظرهم "مختار في أفعاله، حرّ في إرادته".
و أمّا "المعتزلة" فقد قالوا "إنّ الإنسان قادر على فهم النّصوص القرآنيّة و استنباط مرامي الحدود". و هم لم يكونوا ليُنكروا "النّقل" و لو أنّهم أخضعوه ل"حكم العقل"؛ إلّا أنّ نزعتهم العقليّة "ذهبت بعيداً، حيث دفعتهم لأن يطبّقوا قوانين العقل على عالم السّماء كما طبّقوها على عالم الأرض"، فقالوا ب"التّأويل" القرآنيّ، و قالوا ب"العدل الإلهيّ" الذي انطلقوا منه لإثبات "حرّيّة الإرادة" للإنسان، إذا لا معنى ل"العدالة" من دون "الحرّيّة".
و كان الإمامان (محمّد الباقر) و (جعفر الصّادق) قد ذهبا إلى عدم الدّخول في مشكلة "الجبر و الاختيار"، و لو أن (الباقر) قد أجاب على سؤال "هل هناك منزلة ما بين الجبر و القدر؟" بجوابه "نعم، أوسع مما بين الأرض و السّماء"؛ كما قال (الصّادق): "إنّ الله تعالى قد أراد بنا شيئاً و أراد منّا شيئاً، فما أراده بنا طواه عنّا و ما أراده منّا أظهره لنا"، و قد جاء عند (الشّهرستاني) في تفسير قول (الصّادق) أنّ "لا جبرَ و لا تفويض".
[راجع: الجبر و الاختيار في الفكر الإسلاميّ – (مشكلة و حلّ). الدّكتور أشرف حافظ. منشورات دار النّخلة. طرابلس الغرب – ليبيا. الطبعة الأولى 1999م]؛
و [راجع: فلسفة القُدُر في فكر المعتزلة. الدكتور سميح دغيم. دار الفكر اللبنانيّ- بيروت. الطبعة الأولى – 1992م].
من جانب آخر فقد أصبح ثابتاً في "أدب الأديان" أنّ هناك ما يربط "التّصوّف" الإسلاميّ بالعقيدة "البوذيّة"، و لهذا، ربّما، نستطيع فهم علاقة التّصوّف الإسلاميّ بالتّصوّف البوذيّ، من جهة "القدَر"، بما قد تعلّق هذا الأمر عندهم ب"حرّيّة الاجتهاد" التي ليس لها حدود. إنّها "حرّيّة" و لكنّها لا تتعلّق بهذا العالم!
و في "النّصوص المقدّسة" الأخرى نجد أنّ الّلغة الرّمزيّة هي الّلغة الأفضلُ لِمزاولةِ الإيمان بالقدَر: "و لما فتح الختم الرابع سمعت الحيوان يقول تعال * فرايت ها هو ذا فرس * و الراكب عليه اسمه هو الموت و الجحيم كله يتبعه و اعطى سلطانا على ربع الارض أن يقتلوا بالسيف و الجوع و الوبا و وحوش الارض.". "انا الالفا و انا الاوطوماغا [و فسر مراده] البداية و النهاية يقول الرب الاله الكاين و الذى كان و الذى ياتى الضابط الكل".
[كتاب الابوغالمسيس. و هو الرويا الذي راه يوحنا بن زبدى أحد الاثنى عشر الانجيلى البكر. ابوليطس].
(الكلمات في "الأصل" ليست مشكولة و قد جاءت جميعها بأحرف رخوة و غير منقوطة، و بأسماء الإشارة إلى الجنسانيّة المجازيّة أيضاً..؛ و قد حافظتُ على هذا الأصل لأمانة الشّكل و الإيحاء بالغرابة). [النّاشر Harvard College Library:].
و يستحقّ "القدَر" هذه الطّبيعة الإعجازيّة فيه، إذ ليست هنالك غرائبيّة توازي غرائبيّة مقولة "القَدَر"؛ و حيث لا يمكن للّغة أن تُحيط بمثل هذه "العوالم".. فلهذا نجد أنّ الّلّغة التي ترصدُ توهّماتنا عليه، و اقتراحات قرائحنا فيه، لا بدّ من أن تكون، هي الأخرى، أيضاً، غرائبيّة.
لقد بقيت عقيدة "القضاء و القَدَر"، إذاً، أقرب إلى "الفلسفة" و"التصوُّف"، لتستقرّ على أنّها "عقيدة" ضروريّة من أجل الانتماء إلى جانب القيمة و الجدوى الوجوديّتين لاختبار مدى اليقين البشريّ في تحلّيهِ بالسّعادة أو الشّقاء. و هذا نظام أزليّ ثابت حاولت أن تقوله أفكار الإنسان في قراءتها الأحداث الكونيّة التي هي "ربّما" تسير وفق نظام أزليّ أبديّ و ثابت.
حتّى الّلغة الفلسفيّة "العقليّة" فإنّها تبدو، كذلك، غرائبيّة، عندما تتناول، بالتّطاول و تملّق العقل الإنسانيّ للمقولات، تلك "القَبْليّات" التّحليليّة و لكنْ، أيضاً، الأكثر بساطةً من كلّ المفاهيم "الّلطيفة" التي تنتعلها، في مسيرتها، جميع أضراب الفلسفة.
شاءت الفلسفة، بطبيعتها التّنقيبيّة، أن تقول أشياءها، أيضاً.
إنّ أوّل ما ترصُدُهُ الفلسفة، أو ما ينبغي عليها أن ترصُدَه، هو كلّ هذه "الغرائبيّة" أو "الغرابة" التي تُشبع مقولة "القدَر" و تكاد تمحوها من الأذهان، فيما لطالما كانت هي، نفسها، تلك "المألوفيّة" الدّعيّة التي تنظرُ إلى "القَدَر" كمفهوم أنيسٍ لا يُخامره التّفكّرُ أو التّأمّل عند جميع "العامّة" من صنوف النّاس، و ربّما عند الكثير من "الخاصّة"، أيضاً.
إنّ الحفاوة التي لاقاها "القدر" في تأمّلات الفلاسفة كافية وحدها لتجعل منه الضّالّة الحقيقيّة في يقينيّات المذاهب الكبرى في فلسفات جميع قادة الفكر في تاريخ الفلسفة الطّويل، و نحن يستوقفنا، كثيراً، جملة من "الموضوعات" التي تأخذ في طبيعتها مأخذَ "المقولات" الكلّيّة التي تنفرُ من "المفاهيم" الوضعيّة أو التّواضعيّة.
عندما بدأت مشكلة "المفاهيم" تتأسّس في فلسفات بلاد الإغريق القديمة، كنّا وجدنا أن (سقراط) هو أوّل من جذبه التّأمّل في مفهوم "القيمة" الأخلاقيّة؛ و لقد دشّن بذلك بداية الطّريق إلى فلسفة القيم الغربيّة الحديثة التي ترتبط بأمر "القَدَر" مبدئيّاً من مفهوم "القُدُر" أو "القِدَر" (ج: قَدْر) الذي كان قد شكّل، نفسه، مدخل "المعتزلة" إلى فلسفة "القَدَر" و التي عبرها ترى هذه الفلسفة الإمكانيّة الإنسانيّة الجريئة على دخول الأعمال كفاعليّة إنسانيّة يترتّب عليها "قدَرها" و تترتّب في "أقدارها" من خلال الدّور الذي تلعبه هذه "الفاعليّة" في بناء "الذّات" و "جعلها أصلاً من أصول العلم و العمل".
أما (أرسطو) فقد يبدو أنّه قد تطرّق من بعيدٍ إلى "القَدَر" كمفهوم يتماهى ب"الحظ" أو "الشّنص" حيث آمن به فوصفه بأنّه "شيءٌ لطيفٌ" يمتنع عن "الأفهام" البشريّة.
من المعلوم أنّه كانت لغالبيّة الفلاسفة "الإغريق" الكبار ك(أفلاطون) و (أرسطو)، بخاصّة، حلقاتٌ سرّيّة لِأنبهِ المُريدين، و كانا يعلمّان فيها "الأسرار"، و ربّما كانت مادّة "القدَر"، عندهما، هي أحد تلك "الأسرار".
فهمت الفلسفة الغربيّة الحديثة هذه الحلقة الفاصلة- الواصلة بين "القُدُر" و "الأقدار" من جهة أنّ الإنسان يمتلك فكراً يُساهم في العمل.. إي إنّ إنسانيّة الإنسان لا تكتمل إن لم يكن مشاركاً مشاركة فكريّة بخاصّة في أعماله ليكون بذلك فاعلاً و ليس متلقّناً فحسب.
يظهر هذا التّوجّه واضحاً، أو بالأحرى في محصّلته الفلسفيّة النّهائيّة، في "الماركسيّة" كفلسفة على "العمل" و "أدوات العمل" و "فكرة العمل" بالأخصّ، و "قيمة الإنسان" التي يُحرزها في أفضل "الشّروط التّبادليّة" لهذا "العمل". هكذا فقط في "فلسفات القيم" يصنع الإنسان، إذاً، "قَدَرَه" في الوجود.
و لكنّ الفلسفة الغربيّة توسّعت، فيما بعد، في الموقف من "القَدَر"، و نجد ذلك واضحاً في التطوّرات المعاصرة لهذه الفلسفة.
فعند أبناء "الفلسفة المثاليّة" من الفلاسفة المحدّثين نجد أنّ (كرُوتْشِهْ) الإيطاليّ يذهب مذهب (كانط) في مفهوم انتفاء "الحدوس" العقليّة من العالَم، و بالتّالي "فإنّه لا يوجد مضمون عقليّ في العالم".
[الفلسفة المعاصرة في (أوربا) – إ. م . بوشنسكي – ترجمة د. عزّت القرني].
يصطدم هذا الفهم "التّصوّريّ"، إذاً، للعالم، بمسألة غموض مفهوم "القدَر" و إبهامه الكلّيّ. إنّ ما لا مضمونَ عقليّاً له (العالم) ليس شيئاً قابلاً للفهم من ناحية "المقادير" و "الأقدار"؛ و هذه نتيجة طبيعيّة يمكن ن نرتّبها على تلك "المقدّمات".
و لقد تطرّف (كروتشه)، جرّاء ذلك، في اتّجاهه إلى أن للكون محتوى "جماليّاً" (أستيطيقيّاً)، فحسب. و على الخطّ المثاليّ، نفسه، و في "تصوّريّة" معرفيّة خاصّة رأى (برنشفيك)، الفرنسيّ، أنّه "خارج عالمنا هذا لا يوجد شيءٌ أبداً" و إنّ وجد فإنّه "بحكم العدم" طالما أنّنا لا "يمكننا فلسفيّاً" أن نبتعد عن مهمّة الفلسفة المثلى و التي هي "نقد للفكر".
كان من أهم ممثّلي "فلسفة الحياة" المعاصرة في (أوربا)، الفيلسوف الشّهير (هنري برغسون). و لقد مثّل (برغسون) مع أصحاب هذه، النّزعة" الموقف "الجبريّ" أو "الحتميّ" في الموقف من "القدَر"؛ إذ كان (برغسون) يرى أن "الإنسان" ليسَ أكثر من مجرّد كائن متوجه بكلّيّته إلى "العمل". و إذا كانت "الأخلاق" هي أيضاً، عند (برغسون)، لا تعرف "الحرّيّة" لأنّها "أخلاق منغلقة"، فإنّها (أي الأخلاق) يمكن أن تكون على ضربٍ "منفتح"، فقط مع "الشّخصيّات البارزة الاستثنائيّة و القدّيسين و الأبطال"؛ و حيث أن "هؤلاء" فقط هم من يُجسّدون "الأخلاق المنفتحة"، فإنّ هذا النّوع من "الأخلاق" ليس "أخلاقاً اجتماعيّة".. و إنّما هي "أخلاق إنسانيّة و شخصيّة" جوهرها "الخلق" و بهذا هي ليست اجتماعيّة. [المرجع السّابق].
من الطّبيعيّ أن تتعمّق أفكار "فلسفة الحياة" هذه فيما بعد في "الفلسفة البراغماتيّة" مع مؤسّسها (وليم جيمس)، الإنكليزيّ، و هي فلسفة لا تُعنى لا من قريب و لا من بعيد بمفهوم "القدَر"، مع أن (وليم جيمس) يرى - ساخراً- أن المضمون "الميتافيزيقيّ" للدّين هو فرضٌ خصبٌ، على الأكثر، مع أنّه لا يرى للدّين مثل هذا المضمون.
دعونا نتجاوز، لأجل الاختصار في هذا الاستعراض، فلسفات من مثل "فلسفة الماهية" أو "فلسفة الفينومينولوجيا" و التي كان من أشهر فلاسفتها (هوسّرل) و (شيلر)، و التي تجاهلت كلّا من "المذهب التّجريبيّ" و "المذهب المثاليّ"، في آن واحد، فالتقت بذلك مع "المذهب التّصوّريّ" الذي تحدّثنا عله أعلاه، فكانت بذلك، أيضاً، فلسفة لا تكترث بمفهوم "القدَر" لا من قريب و لا من بعيد، أيضاً.
على أنّ النّقلة التّحضيريّة الجديدة للفلسفيّة الغربيّة نحو صراحة "القدَر" كمفهوم، إنّما كانت في "الفلسفة الوجوديّة" و بخاصّة مع (كيركيجارد) و (هايدغر) و (سارتر) و (ياسبرز)، و الذين تمحورت تجربتهم على "مفاهيم معاشة" من مثل "المأساة" أو "هشاشة الوجود" أو "الغثيان" أو "السّير باتّجاه الموت"، بحيث أنّها تشترك كلّها بانطلاقها من تجارب فرديّة معاشة، كان أصحابها، كلّ منهم على حدة، يعتبرها هي كلّها "تجربة الوجود"، و لكنّها لا تصلح لأن تكون مقياساً نموذجيّاً لمفهوم "القدَر"؛ هذا مع أنّ كلّاً من هؤلاء قد عبّر تعبيراً تجريبيّاً فرداً و شخصيّاً عن مفهومه الخاصّ ل"القدَر".
على نحو آخر عالج "فلاسفة الوجود"، و الذين يختلفون عن سابقيهم أصحاب "الفلسفة الوجوديّة"، عالجوا "الوجود" من منظورٍ "أونتولوجيّ" فتوسّعوا في البعد الميتافيزيقيّ للوجود بما هي "الأونطولوجيا" نظرة ميتافيزيقيّة لعالم الوجود. من أعلامهم فلاسفة معروفون مثل (هنريك ماير) و (إدوارد تايلور) و (موريس بلوندل) و (جونتر ياكوبي) و (نورث وايتهد) و (نيقولايهارتمان). ومع هؤلاء تظهر مشكلة "الأخلاق" متمحورةً حول مفهوم "حريّة الإرادة".
يمكن أن نُلمّ بسرعة الإلمام الأهمّ بما يتقاطع تقاطعاً عضويّاً منأفكارعندهم بمفهوم "القدَر" منوّهين بذلك في وقته المناسب.
في كتابه "الأخلاق" يُقرّ الفيلسوف الألمانيّ الهامّ (نيقولاي هارتمان) (1882- 1950م) بوجود "القيم الأخلاقيّة" باعتبارها ميداناً مستقلّاً، و لكنّه يعود ليرفضها كظاهرة عامّة من حيث أنّه يرفض ما مفهومه "الشّخص الجماعيّ" ليرى أن "الشّخص" أو من يحوز على "الشّخصيّة" هو فقط "الإنسان الفرد".
نستطيع أن نرتّب على هذا "المبدأ" مسألة عميقة تتعلّق بمفهوم "القَدَر" وفق التّالي:
لا يتساوى، بناء على ذلك، مفهوم "القدَر" بالنّسبة إلى "الجميع". و كأنّنا، بمعنى آخر، أمام أقدارٍ شتّى من حيث "الطّبيعة" و "النّوع" و "الجوهر"- أعني - تعود بمرجعيّتها إلى مبادئ متعدّدة أو إلى أصول مختلفة. و بهذا يترتّب على الحياة نفسها، أو الوجود نفسه، أنّهما يضمّان "أفراداً" متباينين و من تركيبات لا متكافئة و تُقيم ما بينها علاقات "اغترابيّة" و "غريبة" و "متغاربة"، من جهة أنّه ليس لهم (الأفراد) جميعاً أن يكونوا أشخاصاً و ذلك تبعاً لأنّ "الأخلاق" نفسها ليست ظاهرة اجتماعيّة..!؟
إنّ "القيمَ" المتاحة أمام "الجميع"، نفسها، بالتّالي ليست متساوية في الطّبيعة، ناهيك، طبعاً، عن أنّها كذلك بالدّرجات. الأمر الذي يعني تلك الاستقلاليّة "النّوعيّة" (بالطّبيعة) في "الأقدار"، أيضاً. هذا، و لا يوجد، بالنّسبة إلى هؤلاء الفلاسفة (فلاسفة الوجود)، كما هو الأمر عند (هارتمان)، أيّ مبدأ "غائيّ" أعلى، ذلك لأنّ الأمر مع هذا "المبدأ"، بالنّسبة إليه، يساوي أن نقول بمبدأ "الحتميّة" أو "الجبر"، ما يعني أنّ "الشّخص"، نفسه، قد فقد كلّ مبرّر أو مسوّغ "أخلاقيّ". إنّه (أي "الشّخص") قد ألقي في وجه الشّيء "الممتنِع" عندما ندخل في "الحتميّة"، و هذا يعني أنّنا ألقينا ب"الشّخص" إلى "العدم".
و إذا كان "شيخ البحث الأخلاقيّ" (أرسطو)(!).. قد رأى "الفضيلة" في ذلك "الوسط" (العدِل)، فإنّ (هارتمان) لا يراها كذلك إلّا من حيث هي "وسط" أو "توسّط" أونتولوجيّ، و بالتّالي ليست هي كذلك "قيميّاً" كما هو الأمر عند (أرسطو).
و يخطو (هارتمان) خطوة أخرى "جريئة" (وفق ما نراها نحن، طبعاً) ليقول إنّ "الحرّيّة" الإيجابيّة (أي الإباحة) هي واقع مختلف بحسب فهمنا له و بحسب اختلاف الأفراد و متعدّد تبعاً لتعدّد "طبقات الوجود" و تعدّد "قوانين الوجود" (من المبدأ "الأونتولوجيّ")، كما أنّ"الحرّيّة"، نفسها، تقوم، بالأساس، فيما يتعدّى الصّراع بين "الحتميّة" و "الّلاحتميّة".
"إنّ حرّيّة الإرادة ليست "شيئاً أقلّ"، في مواجهة الحتميّة، بل هي "شيءٌ أكثر"، فهي لا تهدم الحتميّة التي تقيمها القوانين السّببيّة، مطلقاً، و إنّما تُبعدها، و حسب، عن طريقها بواسطة "وسيط" ذي تحديدٍ ضمنيٍّ أعلى: تلك هي "الحرّيّة ". [المرجع نفسه].
و بقولٍ آخر، فإنّنا ننظرُ إلى "القَدَرِ" بوصفه "حرّيّةً" محدودةً من "طرفين"، بحيث أنّ ما يدخل في ممكنات هذه "الحريّة" هو "بالفعلِ" مجموعةٌ من "الخيارات" و لو "المحدودة"، و لكنْ بشرطين لازمٍ و كافٍ و أي أن تكون "الرّؤية" العقليّة أو العقلانيّة (و الواقعيّة، بالتّالي) متوفّرةً بالحدّ الأدنى عند لحظة "التّحرّر" ( هكذا سنسمّي لحظة الاختيار)، و هذا هو الشّرط الّلازم؛ و أن تكون "الأشراط" الدّقيقة الأخرى للسّلوك أو الفعل و التي تدخل فيها الأدوات و الوسائل و الظّروف و الطّاقة و المناسبة و المكان و الوقت و ربّما، أيضاً، القيمة الفاحصة لكلّ ذلك من الوجهة الأخلاقيّة، كإضافة ضروريّة لكلّ تلك "المتكاملات"؛ أن يكون كلّ ذلك متوفّراً..، و هذا ما نعنيه بالشّرط الكافي.
و ربّ سؤالٍ: و هل كلّ تلك المسمّيات و الضّرورات و الأشراط..، إلخ, ليست من "طبيعة" القدَر نفسه؟ عندما نجيب ب"بَلَى"..! فإنّنا يكفينا، إذاً، أنّنا فهمنا "القدَرَ" في ذاته، فهماً متوسّعاً و متحرّراً، بحيث نكون قد أزلنا عن وجهه ضباب "الجبريّة" و "سواد" الحتميّة.
و إذا أجبنا ب"كلّا".. ! فإنّنا نكون قد توسّعنا، من جهة ثانية، في فهمنا لعدالة القدَر في ذاته..!؟
يبقى، أخيراً، أن نتطرّق إلى "القَدَر" بوصفه حدّاً نهائيّاً للوجود الفرديّ الإنسانيّ؛ و هذه معضلة "عاطفيّة" و "نفسيّة" تلتصق بمغزى الوجود الإنسانيّ نفسه!
إنّه من باب التّوسّع في الحرّيّات المعطاة إلى الإنسان على نحو محدود و محدّد، أنْ يتوجّه المرء إلى "غايته" المُدركة على نحو من الأنحاء، ليتمكّن من أن يغدو كما يليقُ بقدرهِ، و هذا إن كان مؤمناً، فعلاً، بالقدَر.
و لا ينفصل "القدَر" الإنسانيّ الفرديّ في هذه الحالة عن "الأخلاق"، إذا قبلنا أنّ "الأخلاق" هي ليستْ شيئاً عمليّاً، حقّاً، ما لم تكن تلك "الإرادة" الكليّة المتوجّهة إلى فعل "الواجب". و الواجب، شئنا أم أبينا، هو شيءٌ عمليّ يُدركُه الجميع، و لو بتفاوتٍ، و هو ذلك الجزءُ من الطمأنينة التي تتحقّق في معرضِ الأفعال المترتّبة على "واجب الوجود". فالواجب الأخلاقيّ، إذاً، لا يمكن أن ينفصل عن "واجب الوجود"، بحيث يتماهى، في هذه الحالة، "الوجود" الإنسانيّ نفسه مع "الأخلاق" في ذاتها عندما يُدرك المرء قيمة الوجود الأخلاقيّة..!
و مع ذلك لا ينطفئ الشّعور بغبن "القدَر" في الشأن الفرديّ، مهما اتّضع شأن الفرد أو تواضع أو عظم، ما لم يتوجّه الشّخص بكلّيّته إلى القناعة المطلقة بمغزى "الانقلاب" الفرديّ الذي يتأسّس مستقبله على الواجب الوجوديّ الأخلاقيّ بالذّات.
و لا ننسى أن نؤكّد هنا التّفاوت في "الأقدار" من حيث أنّ ما يُفرّق أصحاب الأقدار العظيمة عن أولئك أصحاب الأقدار الوضيعة، إنّما هو شيءٌ واقعيّ و فعليّ، و لكن فقط في تعاظم تركيب الأقدار العائدة للعظماء في مقابل سذاجة "المقادير" التي تلفّ ضآلة السّائرين المألوفين في مهمّاتهم العابرة في هذا الحياة.
و أعني، أيضاً، أنّ حجم ما يُميّز "القدَر" الخاصّ للأفراد المختارين، هو تماماً ما يبدو أنّه تنغيصٌ في حياتهم و تنكيدٌ دائبٌ و مستمرٌ، و قل أيضاً، ذلك "المَسُّ" العميق لأرواحهم على نحو لا يُمكن أن يكون مفهوماُ، إلّا في إطار تعاظم المجابهة الوجوديّة لهم، طرداً مع تعاظم هممهم السّامية.
و عندما، فقط، يتمكّن الفرد أو "الشّخص"، بالأحرى، من أن يكون له ذاكرةً روحيّة و نفسيّة متينة، فإنّه فقط عندها يكون قد حاز على كلّ إمكانيّات أن يُعاصر "قدرَه" معاصرة لحظيّة بحيث يجعله هذا الوضع في توتّر "أبديّ" و في اتّجاه "الغاية" التي أدركها في ذاته، من ذاته، نحو الهدف الذي قلنا إنّه مدعاة تميّزه سواءٌ فيما أوتي من تركيبٍ أو فيما أوتي من بساطةِ العمق الرّوحيّ أو فيما جُعلَ أمامه من مصاعب و محالات..
و هذا ليس تصالحاً مع النّفس كما يُعبّر المتمرّنون على الشّعور أو الإحساس أو الكلام..، و إنّما على العكس تماماً من ذلك؛ إذ الأمر في غاية التّناقض المرير الذي يتّسم، أكثر ما يتّسم، بأنّه مفارقة مضنية و تمزّق للانسجام ما بين ضآلة "المعطيات" و المتاح أو المُباح، و بين ذلك الضّوء الذي يمسح كلّ ما دونه فيمنع رؤية أيّ شيءٍ آخر سوى ذروة تلك المنارة التي تهدي الطّريق.
إنّ "المشكلة" الكاملة التي تجعلُ من "القدَر" أحجيةً تتبعُ "المآسي"، و هذا عندما يُخامرنا جميعاً شعورٌ من هذا القبيل، و لو بنسبٍ متفاوتة، هي في عاداتنا التّفكيريّة "السّطحيّة" التي تجعلنا نعمل على هضم "المقولات" بواسطة المفاهيم.
فعدا عن أنّ "المقولة" لا تُهضم و إنّما تطلبُ "التّعالي"، فإنّ وعيها أو إدراك محايثاتها في الأرض هو أبعد من أن يؤخذ بالمفاهيم التي "اخترعها" إنسانٌ لا يُجيد مبدأ "الاختراع"..!
و لأنّ الحديث على "القَدَر" لا يكتمل، تماماً، إلّا ببحث مقولة "الإرادة" و "الواجب" و "الأخلاق" و "الخير" و اتّصاله بكلّ منهما، كما لاحظنا في النّهايات، فلعلّ أحاديث لنا، أخرى، تفي هذا العطش العقليّ ، فتطفئه بعذوبة الرّوح الممكن، و لو في نَدرةِ "الأخلاق" عندما تؤخذ بالمفهوم، و انحسار "الواجب" عندما يؤخذُ بالجهل، و المتعلّقين، في أيّة حالةٍ، بعقلٍ وضيع..!؟
و إذا اتّبعنا فنون القول، الآن، يمكننا أن نكرّر سؤالنا في فاتحة هذا "المقال" على أنّنا هل لم نأتِ، جميعنا، من الأبد..؟
الجواب الذي أصبح منطقياً، بعد ما تقدّم، هو بلى..!
و لكن لننتبه إلى أنّ الأبد ليسَ "منطقة" واحدة أو حيّاً مزدحماً في مكانٍ لا ينتهي، و لهذا نحن، فعلاً، أغرابٌ ،بعضُنا عن البعض الآخر، في سفوح هذا "القدَر" الرّحيب.

